الكتب الثقافية

کتاب القدم التي بقيت هناك

السيد ناصر حسيني ﭘﻮﺭ

القدم التي بقيت هناك

كتاب “القدم التي بقيت هناك” للسيد ناصر حسيني بور رواية صادقة لما عاناه زمن الأسر في السجون السريّة في العراق.

التحق السيد ناصر بجبهات القتال مذ كان في الرابعة عشرة من عمره، فجُرح وأُسر في السادسة عشرةٍ، وبقي في الأسر مدة ثلاث سنوات. هناك خلّف السيد ناصر قدمه التي أصيبت على جبهات القتال،

وبترت لاحقاً في أحد مستشفيات بغداد، ليعود بدلاً عنها بثلاث وعشرين صفحة، هي خلاصة ذكرياته زمن الأسر، ولتسعفه الذاكرة فيما بعد وتتحوّل الصفحات الثلاث والعشرون بعد عشر سنوات إلى سبعمائة صفحة. وكان بعض رفاق السيد ناصر قد سأله يوماً عن سرّ عدم استشهاده فقال: “السبب يعود إلى أمرين، الأوّل أنّ قلبي تعلّق بمنظار الرصد، والأمر الآخر تعلّقي بكتاباتي اليومية”.

وإنّ ما خطّه الإمام الخامنئي دام ظله عن الكتاب بقوله: “..إنها رواية استثنائية لحوادث مؤلمة تُظهر للقارئ في كل جزء من أجزائها وفي كل كلمة من كلماتها مدى صبر وصمود وشهامة شبابنا المجاهد من جهة، ومن جهة أخرى مدى حقارة وخبث وقسوة جنود صدام وأزلامه”، يعبّر عن القيمة المعنوية العالية لهذا الكتاب ومؤلّفه وجهاده وصبره.

لهذا نجد بأنّ القائد قد شبّه جهود السيّد ناصر بأساس البنيان الذي يبقى صامداً دون أن يُرى، عندما قال: “الأعمال النابعة من إيمان عميق كاللبنة الأولى في أساس البناء، تبقيه صامداً متماسكاً. يمكن لتلك اللبنات المغروسة في الأرض أن لا تُرى أبداً، لكنّ أثرها سيبقى مملوساً.

وكذا جهودكم ومقاومتكم في تلك اللحظات العصيبة، تبقى كقطرات الدم الجارية في عروق الجمهورية الإسلامية تهبها الحياة وتحافظ على بقائها واستمرارها، ولا يهمّ إن رأى الآخرون ذلك أم لم يروه، علموا به أم جهلوه”.

“يمثل هذا الكتاب شهادة حية على قدرة الإنسان على تحويل المعاناة إلى قوة، والظلام إلى نور، عبر قوة الكلمة والصمود الروحي.”

يُصنف كتاب “القدم التي بقيت هناك” للكاتب السيد ناصر حسيني بور ضمن أدب السجون والذاكرة. وهو ليس رواية خيالية بالمعنى التقليدي، بل هو مذكرات يومية وثائقية تسرد تجربة المؤلف الشخصية كأسير في سجون العراق السرية أثناء الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988). تغطي المذكرات عامين كاملين (من 1988 إلى 1990) من الاعتقال، تزامنت مع أحداث عالمية كبرى مثل نهاية الحرب وإسقاط طائرة مدنية إيرانية واجتياح الكويت. تدور الأحداث في أجواء قاتمة تصف العزلة والمعاناة الجسدية والنفسية داخل ما يسمى بـ “الطوامير” (السجون السرية). ومع ذلك، لا يخلو النص من خيوط أمل وتحدٍ وإيمان، تجعل منه شهادة على صمود الإنسان في وجه القهر.

يختلف تحليل الشخصيات في هذا العمل كونه سيرة ذاتية. مركز الحدث هو شخصية المؤلف نفسه، السيد ناصر حسيني بور، الذي يمثل:

  • الأسير-الشاهد: فهو ليس مجرد راوٍ، بل شخصية رئيسية وشاهد عيان. دوافعه تنبع من رغبة في التوثيق والنقل الأمين للمعاناة التي عاشها وعاشها أكثر من مائتي ألف أسير آخرين تم إخفاء وجودهم عن العالم.
  • تجسيد للصراع: يمثل صراعاً مزدوجاً؛ نفسياً مع الخوف واليأس والمرض (وصل إلى حد فقدان رجله اليمنى التي يشير إليها عنوان الكتاب)، واجتماعياً/سياسياً مع نظام قمعي هدفه كسر إرادة الأسرى من خلال العزلة والحرمان والتعذيب.
  • الرمز الجماعي: رغم خصوصية التجربة، فإن سرده يتجاوز الذات ليرسم صورة لجيل من الشباب المجاهد الذي تحمل وطأة الحرب والسجن، ويعكس قيماً مثل التعلم، والتعاون، والولاء، والتحدي.

يتبنى الكاتب أسلوب السرد الذاتي المباشر عبر شكل المذكرات اليومية، مما يمنح النص:

  • إحساساً بالصدق والآنية: نقل أحاسيس اللحظات كما عاشها، مما يخلق تواصلاً عاطفياً قوياً مع القارئ.
  • لغة وصفيّة مؤثرة: يستخدم لغة تصف “ألواناً قاتمة من الحياة” و“موضع الألم بأعمق إحساس فيه”. الجمل غالباً ما تكون حافلة بالتفاصيل الحسية لخلق صورة حية للظروف القاسية.
  • توظيف الرمزية: العنوان نفسه (“القدم التي بقيت هناك”) رمز قوي على الخسارة الجسدية الدائمة، ولكنه أيضاً تذكير بصمود الذاكرة التي رجعت رغم فقدان جزء من الجسد. كما يمكن قراءة “الطوامير” (السجون السرية) كرمز للنسيان والإخفاء القسري.
  • بناء تراكمي: ينسج المؤلف الأحداث اليومية الصغيرة مع الأحداث التاريخية الكبرى، ليرسم لوحة شاملة للتجربة الإنسانية في خضم التاريخ.

يركز الكتاب على عدة محاور أساسية متشابكة تشكل نسيج الحبكة السردية:

الموضوعالشرح والتأثير على الحبكة
ذاكرة المقاومة والنضالجوهر الكتاب هو توثيق ما يُراد إخفاؤه. عملية الكتابة نفسها فعل مقاومة ضد النسيان والإبادة المعنوية. هذه الرغبة في السرد هي التي تدفع الحبكة وتجمع التفاصيل اليومية.
الهوية والإيمانفي مواجهة محاولات طمس الهوية (القومية والدينية)، يصبح التمسك بالهوية والإيمان والولاء للقيم مصدر قوة رئيسي للأسير. هذا الصراع الداخلي يُعطي للمعاناة معنى ويوجه قرارات الشخصية.
المعاناة الإنسانية والقسوةتصوير منهجي لصنوف التعذيب والعزلة والحرمان. هذه التفاصيل ليست لغرض التمجيد الذاتي، بل لكشف حقيقة النظام القمعي وتأثيره المدمر على الجسد والروح.
الأمل والصمودرغم الظروف، يبرز خيط من “خيوط أمل” يتجلى في التعلّم، والتعاون بين الأسرى، والتعلق بذكريات الأحبة، والإيمان بالخلاص. هذا التوازن بين الألم والأمل هو ما يُبقي على زخم السرد ويجنبه الوقوع في اليأس المطلق.

نظراً لأن النص الأصلي غير متاح للاقتباس مباشرة في هذه النتائج، فإن الاقتباسات التالية هي افتراضية مبنية على وصف النقاد لطبيعة ومحتوى الكتاب، لتوضيح أسلوبه ورسائله:

  • “في قبو الظلام هذا، حيث تُقاس الأيام بنبضات الألم، كان قلبي يكتب يومياته على جدران الروح قبل أن تسطرها اليد على الورق.”
    الدلالة: تظهر هذه الجملة الافتراضية الطابع التأملي للكتاب، وتحويل المعاناة إلى فعل إبداعي، والعلاقة بين الجرح الداخلي والكتابة.
  • “فقدت رجلي هناك، في تلك الأرض الملعونة، لكن ذاكرتي عادت محملة بصور كل من تركوا أجزاءً من أرواحهم هناك أيضاً.”
    الدلالة: تُلخص الرمزية المركزية للعنوان، وتحول الخسارة الفردية إلى حمل ذاكرة جماعية، مؤكدة أن العودة الجسدية الناقصة لا تلغي اكتمال مهمة الشهادة والنقل.
  • “كنا ننسج من خيوط صبرنا نسيجاً من الأمل، كل غرزة فيه هي قصة، وكل عقدة فيه هي عهد.”
    الدلالة: تعكس استخدام الاستعارة (نسيج الأمل) الذي قد يلجأ إليه الكاتب، لوصف آلية المقاومة النفسية الجماعية داخل السجن وتحويل الوقت الراكد إلى فعل معنوي منتج.

يُعد هذا الكتاب إضافة مهمة للأسباب التالية:

  1. توثيق تاريخي شاهد: يسد ثغرة في تاريخ الحرب الإيرانية العراقية من منظور الأسير، ويكشف عن فصل مظلم من سجون النظام العراقي السري التي أخفت أكثر من مائتي ألف أسير.
  2. قيمة أدبية إنسانية: يندرج ضمن تيار أدب السجون العربي والعالمي، الذي يرفع صوت الإنسان ضد القمع. طول الكتاب (718 صفحة) وعمقه التفصيلي يمنحانه ثقلاً خاصاً.
  3. تأثير على القارئ: يقدم للقارئ تجربة مكثفة عن الصمود والإيمان، ويراهن على التعاطف الإنساني. التعليقات على المنصات تشير إلى أنه يترك أثراً عاطفياً قوياً ويُنظر إليه على أنه “جميل جدا جدا” و“صادق”.
  4. إشكالية التصنيف: يقع الكتاب على الحد الفاصل بين الوثيقة التاريخية والأدب الفني، مما يثري النقاش حول دور السيرة الذاتية والحقيقة والتخييل في نقل التجارب الصادمة.

باختصار، “القدم التي بقيت هناك” هو أكثر من مجرد مذكرات؛ إنه نصب تذكاري كتابي لمعاناة جماعية، ونموذج لقدرة الأدب على تحويل الألم الشخصي إلى شهادة خالدة تنتصر على النسيان والإخفاء.

زر الذهاب إلى الأعلى