الكتب الثقافية

کتاب حفلة الخضاب

لشهيد محمد علي رباعي

حفلة الخضاب

وصلت مرّات عدّة إلى حدّ الشهادة، وعبرت مذبح العشق ومتراس التعلّقات، ولكنّي لم أصل إلى مقعد صدق، ولم أشرب جرعة من شراب الوصل. نجا الكثير من الأصدقاء، نجحوا في ذلك الامتحان الإلهي، وحلّقوا بأجنحتهم عاليًا بعدما استلموا شهادة علاماتهم العالية عند ربّهم، وأنا ما زلتُ هنا في مكاني وصرتُ كاتبًا لذكرياتهم…

اقتباس من الكتاب

“قبل يوم وليلة في لحظات ما قبل النوم، حلّقت في فضاء معطّر مليء بالصّفاء، وفي معراج من الحماس والحالة المعنويّة الّتي تضفيها سطور هذا الكتاب وكلماته النورانيّة على قارئه، شكرت اللّه على قطرة العشق تلك الّتي ألقتها فيّ روح هذا الكاتب،

وعلى مثل هذا الفكر الزلال والذوق الّذي أجراه على قلمه، وأيضًا على يد القدرة تلك الّتي أوجدت مثل تلك اللّوحة البديعة والفريدة في صفحة التاريخ المعاصر، وحفرت المشاهد الأسطوريّة الغريبة في أفكار وأعين الناس هذه الأيّام، في واقع حياة هذا الجيل من شعب إيران. له الحمد حمد الحامدين وأبد الآبدين.

إنّ أغلب الفضائل الّتي زيّنت تاريخ الإنسان وحسّنته، وأصبحت المشعل والدليل لأبناء البشر، هي نتاج لحظة مثمرة من حياة إنسان أو أناس عدّة، الصبر، والزهد، والإباء، والتسامح، والشجاعة، والصدق، والإيثار..

والفضائل الإنسانيّة كافّة الّتي نراها في مصيره، هي من هذا القبيل. هناك الآلاف من اللّحظات المثمرة مكنونة في كلّ يوم وليلة من ملحمة السنوات الثمانية للدفاع المقدّس، وإنّ كلّ من ينظر إليها بنظرة فنّية، ويكتبها ويخلّدها بأسلوب بارع، وقبل ذلك كلّه، يصل إلى جميع هذه الأمور بالتوفيق الإلهي، فإنّه يضيء مشعل


يُعتبر كتاب “حفلة الخضاب”، من تأليف الكاتب الإيراني محمد حسين قدمي، عملاً توثيقياً أدبياً فريداً يندرج ضمن سلسلة “سادة القافلة” الصادرة عن دار المعارف الإسلامية الثقافية . يسرد الكتاب، بلغة أدبية مؤثرة، مشاهدات الكاتب اليومية المباشرة من جبهات الحرب حزب البعث-الإيرانية (1980-1988)، والتي يُطلق عليها في الخطاب الإيراني اسم “الدفاع المقدس”. فهو لا يوثق الأحداث العسكرية فحسب، بل يغوص في مشاعر الشباب المقاتلين ومعنوياتهم ولحظات استشهادهم.

تكمن الأهمية الفكرية والسياسية للكتاب في كونه تجسيداً عملياً لمفهوم “أدب المقاومة” الذي يرفعه الإمام الخامنئي. فالكتاب ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو “مشعل” يُضيء قيماً إنسانية وإيمانية سامية، ويحول الذكريات الشخصية إلى تراث جماعي يحفظ هوية الأمة ويقوي روحها في مواجهة التحديات الثقافية والمعنوية . الرسالة الأساسية التي يبرزها تقديم الإمام للكتاب هي أن توثيق التضحيات والإخلاص في ساحات الجهاد هو في ذاته عمل مقاومة ثقافية، ووسيلة لحفظ “كنوز الحرب” الروحية من الضياع .

يرتكز الكتاب على عدة محاور فكرية متداخعة، تجعل منه نصاً غنياً على المستويين الأخلاقي والهوياتي:

  • الهوية الإسلامية المجاهدة: يصوّر الكتاب الهوية الإسلامية ليس كمقولات نظرية، بل كواقع حي يتجسد في سلوك الشباب المقاتل. فتضحياتهم وإيثارهم وصدقهم هي التعبير العملي عن إيمانهم، مما يجعلهم “سالكي المعراج الإنساني” بحسب توصيف الإمام. هذه الهوية تُبنى في الميدان وتُختبر في لحظات الخطر، مما يجعلها هوية مقاومة وصمود.
  • مقاومة الاستعمار الثقافي: في سياق حديث الإمام الخامنئي المتكرر عن “المقاومة الثقافية”، يأتي هذا الكتاب كسلاح في هذه المعركة. فهو يقاوم محاولات طمس الذاكرة وتشويه تاريخ الصمود. بتوثيقه لقيم الزهد والإباء والشجاعة، يقدم الكتاب نموذجاً ثقافياً بديلاً عن القيم المادية والأنانية التي يروج لها الغرب، ويجعل من “المديح والرثاء” – كما يصف الإمام – قاعدة لأدب المقاومة الوطني .
  • التمسك بالقيم الدينية والفضائل الإنسانية: يبرز الكتاب الفضائل الإنسانية – الصبر، الزهد، الإباء، التسامح، الشجاعة، الصدق، الإيثار – ليس كفضائل مجردة، بل كحلقات “مثمرة” نابضة بالحياة تشكل تاريخ الإنسان الحقيقي . هذه القيم هي الوقود الروحي للمقاومة، والإطار الأخلاقي الذي يمنع الصراع من التحول إلى عنف أعمى.
  • دور الأدب والفن في حفظ الذاكرة: يؤكد الكتاب على المسؤولية الأخلاقية للكاتب والشاهد. يعبر المؤلف عن شعوره بالذنب لمجرد التفكير في أن إخلاص أولئك الشباب قد يضيع ولا يُسجل ، يتحول القلم والكاميرا إلى “سلاح” مهمته “تخليد النفائس” ونقل “ثقافة الصلواتية” – ثقافة التضرع والتعلق بالله – من ساحة المعركة إلى المجتمع .

3. اقتباسات مؤثرة

  • من مقدمة الإمام الخامنئي (تعبر عن الأثر الروحي والمعنوي للكتاب):
    “قبل يوم وليلة في لحظات ما قبل النوم، حلّقت في فضاء معطّر مليء بالصّفاء، وفي معراج من الحماس والحالة المعنويّة التي تضفيها سطور هذا الكتاب وكلماته النورانيّة على قارئه” .
  • من مقدمة الإمام الخامنئي (تعبر عن الفلسفة الكامنة وراء تضحيات المجاهدين):
    “إنّ أغلب الفضائل التي زيّنت تاريخ الإنسان وحسّنته، وأصبحت المشعل والدليل لأبناء البشر، هي نتاج لحظة مثمرة من حياة إنسان أو أناس عدّة، الصبر، والزهد، والإباء، والتسامح، والشجاعة، والصدق، والإيثار…” .
  • من كلمات المؤلف محمد حسين قدمي (تعبر عن الدافع الأخلاقي في الكتابة):
    “كلّما كنت أرى وأشاهد عن قرب أروع ملاحم الإيثار والتضحيات المدهشة، فإن مجرّد التفكير بأنّ كلّ هذا الإخلاص سيبقى داخل الخنادق والمتاريس ولا يُسجّل في أعلى صفحات التاريخ، كان يُشعرني بالذنب .

4. السياق التاريخي والثقافي

كُتبت مذكرات “حفلة الخضاب” في خضم أحداث حرب الثماني سنوات (1980-1988)، وهي فترة تشكيل هوية الجمهورية الإسلامية الفتية واختبار صمودها في وجه عدوان خارجي. صدرت الطبعة العربية لاحقاً (2016/1438 هـ) , لكن المقدمة الأصلية للإمام الخامنئي تعود إلى 26 يناير 1992 , أي في مرحلة ما بعد الحرب مباشرة، حيث كانت الحاجة ماسة لتثبيت رواية الأمة عن صمودها وتضحياتها في مواجهة تحديات إعادة الإعمار والغزو الثقافي.

السياق الثقافي الأوسع هو صعود أدب وفن المقاومة كأحد روافد المشروع الحضاري الإيراني بعد الثورة. يقع هذا الكتاب ضمن مشروع ثقافي واسع – يمثله “مكتب أدب وفن المقاومة” – يهدف إلى تحويل تجربة الجهاد من حدث عسكري إلى تراث ثقافي وأدبي دائم، يمكنه مواجهة “الحرب الدعائية والإعلامية” وتأكيد الهوية الإسلامية الأصيلة ، فالكتاب هو ابن شرعي لرؤية الإمام الخامنئي التي تربط بين المقاومة العسكرية والمقاومة الثقافية.

5. الأثر والتأثير

يترك الكتاب أثراً متعدد المستويات:

  • على المستوى الفردي: يعمل كنص توعوي وتهذيبي، يغرس في قلب القارئ – كما اختبر الإمام نفسه – حالة من الحماس المعنوي والصفاء الروحي، ويربطه عاطفياً وأخلاقياً بجيل التضحية
  • على المستوى الثقافي: يساهم في بناء وتقوية مدرسة أدب المقاومة. بتقديم الإمام له، يصبح الكتاب نموذجاً يُحتذى في كيفية تحويل الواقع الميداني إلى نص أدبي مؤثر، مما يحقق مقولة الإمام: “إذا وُجِدت فكرة ولم يوجد الأدب المناسب لتلك الفكرة، فإنها تموت وتندثر” .
  • على المستوى السياسي والهوياتي: يعمق الفهم الجوهري لقضايا الهوية والمقاومة. فهو يذكر الأجيال الجديدة بأن المقاومة ليست شعاراً سياسياً فحسب، بل هي نابعة من منظومة قيم راسخة (الإيثار، الصبر، الإباء) تجسدت في أرض الواقع. بهذا، يوجه القراء نحو فهم أعمق لجذور الصمود في وجه الضغوط الخارجية، ويحول الذاكرة التاريخية إلى مصدر قوة واستمرارية للحاضر والمستقبل.

خاتمة: “حفلة الخضاب” هو أكثر من كتاب ذكريات حرب؛ إنه بوحي من رؤية الإمام الخامنئي، وثيقة ثقافية مقاومة. يجسد الكتاب كيف يمكن للأدب أن يكون ساحة لمواجهة طمس الهوية، وكيف تتحول قصص التضحية الفردية إلى مشعل يهدي الأمة في مسيرتها نحو الحفاظ على سيادتها وهويتها الإسلامية الأصيلة.

زر الذهاب إلى الأعلى