كتاب قاسم سليماني “ذكريات وخواطر”: تحليل ومقتطفات من سيرة قائد المقاومة
كثيراً ما تُختزل شخصية القائد العسكري في الصور النمطية التي تقدمها وسائل الإعلام، بعيداً عن الجوهر الإنساني والروحي. يُقدّم كتاب “قاسم سليماني – ذكريات وخواطر” نافذةً فريدةً لكسر هذا الاختزال، حيث لا يروي سيرة ذاتية تقليدية، بل يغوص في أعماق تجربة إنسانية وروحية لقائدٍ ظلّ لعقود لغزاً محيّراً لأجهزة المخابرات العالمية. كان الغربيون ينظرون إلى قاسم سليماني باعتباره “أقوى مسؤول سرّي في الشرق الأوسط”، و”كابوساً مكروهاً” يختلف عن كل التخيلات.
أهمية هذا الكتاب تنبع من توقيته ومضمونه؛ فهو ليس مجرد سرد لأحداث، بل توثيق لـ “ذكريات” سنوات الدفاع المقدس (الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988)، وهي المرحلة التأسيسية التي صاغت شخصية الرجل وعقيدته القتالية. الكتاب، الذي أعده علي أكبر مزدآبادي ونقله إلى العربية مركز المعارف للترجمة، يقع ضمن سلسلة “سادة القافلة”، ويُعنى بشكل أساسي بنشر الذكريات التي وردت على لسان سليماني نفسه، مع التركيز على دور رفاقه من الشهداء وتضحياتهم.
عناوين فصول الكتاب وشرحها
ينقسم الكتاب إلى سلسلة من المقاطع والعناوين التي تعمل كفصول موضوعية، كل منها يسلط الضوء على حدث أو شخصية أو مفهوم جهادي معين. وفيما يلي أبرز هذه المحاور:
| عنوان الفصل/المقطع | شرح موجز للمحتوى |
|---|---|
| برواية الحاج قاسم | يُعرِّف سليماني بنفسه بتواضع شديد، ذاكراً نشأته البسيطة في قرية “قنات ملك” والتحاقه بحرس الثورة، ليؤسس لسرديته بعيداً عن الألقاب والرتب. |
| سنواصل عمليات كربلاء | يُبرز الإصرار على القتال والروح الهجومية التي تمتع بها المقاتلون، مستلهماً من واقعة كربلاء التاريخية. |
| الوجه المشرق للشهيد “مهدي زين الدين” | يُخلّد سليماني ذكرى أحد أبرز القادة الشهداء الذين عاصروهم، متحدثاً عن سمو أخلاقهم وتفانيهم في الميدان. |
| شعرت أنني أرى السيدة الزهراء | أحد أكثر فصول الكتاب تأثيراً، ويروي فيه تجربة روحية عميقة خلال إحدى العمليات العسكرية المعقدة (والفجر 8)، حين تحوّل اليأس إلى نصر إلهي بالتوسل. |
| بالتوكل على الله، مئة بالمئة | يُلخص فلسفة سليماني العسكرية والحياتية القائمة على الإيمان والتوكل المطلق كشرط أساسي للنصر، متجاوزاً كل الحسابات المادية. |
| رحل الغيارى رحل العاشقون | مقطع يفيض وجداً وحزناً على فراق رفاق الدرب، ويكشف عن الجانب العاطفي والإنساني العميق للقائد العسكري، وشعوره بالوحدة بعد رحيلهم. |
| الجهاد، الأخلاق، المعنويات، العبودية، الولاية | فصل تأسيسي يُنظّر فيه سليماني لرؤيته للجهاد، ليس كعمل عسكري فحسب، بل كمنظومة متكاملة قوامها الأخلاق والمعنويات والولاية لله ولأوليائه. |
| لا نرضى بغير الشهادة | يُختتم الكتاب بهذا الشعار الذي لخّص أمنية سليماني ورفاقه الدائمة، مُظهراً ثقافة الاستشهاد كمحرك أساسي للفعل الجهادي. |
مقتبس مؤثر من الكتاب
من أبلغ المقاطع التي تعكس جوهر الكتاب وروحانية قاسم سليماني، ذلك الذي يصف فيه تحول اليأس إلى يقين، والظلام الحسي إلى نور إلهي، وذلك قبل ساعات من عملية “والفجر 8” المصيرية:
“عندما رأيت هذا الوضع، تملّكني اليأس… قلت للإخوة: علينا بالتوسّل بالسيدة الزهراء عليها السلام… وفي تلك الحال شعرت بكامل وجودي أنّني أنظر إلى السيدة الزهراء عليها السلام. أصلًا منذ اللحظة التي ألهمني الله ذلك وأخبرت الإخوة به، تملّكني إيمان غريب وسكينة عجيبة بأنّنا منتصرون”.
هذا المقطع ليس مجرد سرد لحدث تاريخي، بل هو إعلان عن رؤية كونية يمتزج فيها الإيمان بالعمل، والغيب بالشهادة، ليصبح النصر فيها نتيجة حتمية للاتصال بالإلهي، متجاوزاً كل المعادلات العسكرية.
صفحة نموذجية من الكتاب
تقدم صفحة “برواية الحاج قاسم” نموذجاً مثالياً على الطريقة التي يُعرِّف بها سليماني عن نفسه، بعيداً عن التهويل الإعلامي:
“أنا قاسم سليماني قائد فيلق ‘صاحب الزمان’ السابع التابع لمحافظة كرمان. ولدت سنة 1958 في قرية ‘قنات ملك’ من ضواحي كرمان، حائز شهادة البكالوريا، متزوج ولديّ ولدان، صبي وبنت. قبل الثورة كنت موظفًا في ‘مصلحة مياه’ كرمان، وبعد انتصار الثورة الإسلامية وفي الأول من شهر أيار سنة 1980م، التحقت بحرس الثورة الإسلامية”.
تكمن أهمية هذه الصفحة في تجسيدها لمبدأ التواضع الذي جسده الرجل. إنه يختزل مسيرته الأسطورية في بضع كلمات، رافضاً الألقاب، ومُصرّاً على تعريف نفسه كمجرد جندي ضمن مجموعة من المجاهدين، وهذا هو الدرس الأول الذي يقدمه الكتاب عن شخصيته.
شرح وتحليل شامل للكتاب
الأسلوب الأدبي والبنية السردية
يتميز الكتاب بأسلوب سردي يبتعد عن التعقيد، ليجمع بين التوثيق التاريخي والتأملات الذاتية (الخواطر). اللغة شاعرية في وصف الشهداء وتجليات المعركة، وتقترب من لغة المناجاة والتضرع، مستشهدة بالآيات القرآنية والأدعية في سياقاتها العملية. إنه ليس سيرة ذاتية نمطية، بل شهادة حية على زمن ورفاق درب، وهذا ما يمنحه مصداقية عالية تتجاوز بريق الدعاية.
الرسائل الرئيسية
- تفكيك الأنا: الرسالة الأهم هي أن البطولة فعل جمعي. يرفض الكتاب تمركز الذات لصالح تمجيد “الجماعة” (رفاق الجهاد). يقول سليماني بلسان حال الكتاب: “عرفناه بقيّةً منهم، درسَ في كتابهم، وتخرّج من مدرستهم لا الأكاديميات الحديثة”.
- الجهاد بوصفه سلوكاً وليس مجرد قتال: يُعيد الكتاب تعريف الجهاد كمنظومة أخلاقية وروحية، تبدأ من العبودية لله والولاية، وتتجسد في التواضع والفداء. إنه “عروج للنفس وفناء على طريق الله”.
- أولوية الإيمان على الأدوات المادية: يُكرّس الكتاب فكرة “قوّة الإيمان” كمفتاح للنصر. ففي أحلك الظروف، يكون التوسل والبكاء بين يدي الله هو السلاح الأقوى، وهو ما تجسد في مشهد التوسل بالسيدة الزهراء.
الأثر الثقافي والسياسي
يتجاوز أثر الكتاب كونه مجرد مذكرات قائد؛ إنه نص مؤسس لثقافة المقاومة. سياسياً، يُقدّم الرواية المضادة للصورة التي صنعها الإعلام الغربي عن سليماني، محولاً إياه من “أخطر رجل في الشرق الأوسط” إلى “ولي” و”محب” لرفاقه. ثقافياً، يغذي الكتاب المخيال الجمعي لأنصار محور المقاومة، حيث يُصبح “الحاج قاسم” نموذجاً يُحتذى به للقائد الزاهد، العاشق للشهادة، والمخلص لرفاقه. كما أن الاحتفاء بالكتاب، مثل تقديم نسخته الأولى للمرشد الأعلى علي الخامنئي، يؤكد على مكانته كوثيقة رسمية في الأدبيات العقائدية للجمهورية الإسلامية.
في الختام، “ذكريات وخواطر” هو أكثر من كتاب، إنه مرآة تعكس روح رجل وقضية. إنه دعوة للقارئ كي يتجاوز صورة القائد العسكري ليكتشف المريد والمحب، الذي وجد في رفاقه الشهداء “كنوزاً” لا تُقدّر بثمن، تاركاً إرثاً أدبياً وسياسياً لا يزال حياً في وجدان المنطقة.
على الرغم من أنّ الحاج قاسم سليماني ينبغي أن يُعرّف كمجاهد يمتدّ تاريخه الجهادي إلى نيّف وثلاثين عامًا، إلا أنّ الغرض من هذا الكتاب ليس التعرّض لأي مرحلة من حياته الجهادية إلا ذكريات سنوات الدفاع المقدَّس
إشارة
﴿رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِ﴾.
﴿رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ﴾.
أولئك الرجال..
صحيح أنّ ميدان الحرب مليء بالمآسي والآلام، لكنّه محمّل أيضًا بالكنوز والمعنويات، وكما كانت الحرب ضروريّةً للجْم الظلم وحفظ العزّة والكرامة، كانت محلّ بناء الإنسان وصقل روحه.
لا يكفي أن نعرف قاسم سليماني من خلال الـ”نيوز ويك” وكتّاب الصحف، أو من مواقف خصومه وثنائهم عليه حتى..
ظننّا سنقرأ في هذا “الكتاب” شيئًا من سيرته وأعماله هو، لكنّنا وجدناه صادعًا باسم رفاقه الشهداء، متألّمًا لفراقهم ومشتاقًا إليهم، مكبرًا بطولاتهم وذاكرًا مآثرهم.. ولا يتحدث عن نفسه.
عندها عرفناه! عرفناه بقيّةً منهم، درسَ في كتابهم، وتخرّج من مدرستهم لا الأكاديميات الحديثة.. هم ارتقوا شهداء مستبشرين، وهو يرتقي في الميدان، مقارعًا طواغيت الاستكبار،.. منتظرًا.. وما بدّل تبديلا!
يسرّ مركز المعارف للترجمة أن يقدّم، كتاب “الحاج قاسم”، ضمن سلسلة “سادة القافلة” التي تصدر تباعًا عن دار المعارف الإسلامية الثقافية.
نشكر كل من ساهم في نقل الكتاب إلى اللغة العربية ولا سيّما:
عزة فرحات في الترجمة، حنان الساحلي في التحرير، عدنان حمود في التدقيق اللغوي.
والشكر موصول لمعدّ الكتاب علي أكبر فردآبادي، ولدار المعارف الإسلامية الثقافية التي أصدرته.