آخر الأخبارالمقالات

منطق إيران الثابت في مفاوضاتها مع العدو: الحفاظ على حقوق الأمة وعدم الاستسلام

في مفاوضات غير مباشرة جديدة مع الولايات المتحدة، تعيد الجمهورية الإسلامية الإيرانية تأكيد منطقها التاريخي والثابت: “لا تنازل، لا استسلام، ولا خيانة لحقوق الشعب الإيراني”.

يأتي هذا الجدل الدبلوماسي بعد فشل أمريكي واضح في تحقيق أهدافه عبر الحرب والتهديد، ليعيد إلى الأذهان المواقف نفسها التي جسدتها إبان مفاوضات ما بعد الحرب مع العراق، مستندة إلى رؤية قائد الثورة الإسلامية التي ترسم خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه: حماية حقوق الشعب هي البوصلة، سواء في المعركة أو على طاولة الحوار.

تشهد الساحة الدولية انطلاق جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، تركز على برنامج إيران النووي السلمي. تأتي هذه الجولة بعد إخفاق الولايات المتحدة في حربها الوجيزة التي استمرت 12 يوماً، وفشلها في استغلال الاضطرابات التي أعقبتها لتحقيق أهدافها.

انطلقت أولى جلسات هذه الجولة في سلطنة عمان بوساطتها، على أن تُعقد الجلسة الثانية في جنيف بسويسرا مع استمرار الوساطة العمانية. هذا المسار الدبلوماسي الجديد يعيد إلى الواجهة التناقض في السلوك الأمريكي، الذي سبق أن انسحب من الاتفاق النووي (برجام) في عهد ترامب، ثم سمح وشجع الكيان الإسرائيلي على شن هجوم على إيران في منتصف المفاوضات غير المباشرة السابقة، بل وشاركته قصفه للمنشآت النووية الإيرانية.

تكشف طروحات الجانب الأمريكي عن محاولة لتكرار سيناريو فشل ذريع. فبعد أن زعموا تدمير القدرات النووية الإيرانية في عدوانهم الأخير، واتضح أن هذا الادعاء كان مجرد وهم، بل إنهم فشلوا حتى في تحديد مواقع تخزين اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، عادوا اليوم إلى نفس الاستراتيجية البالية. إنها استراتيجية الجمع بين الحشد العسكري في المنطقة وتهديد إيران بهجوم عسكري، بهدف الضغط لتحقيق مكاسب على طاولة المفاوضات.

وقد حاول الأمريكيون في البداية توسيع نطاق المحادثات لتشمل ملفات أخرى كبرنامج إيران الصاروخي ودعمها للمقاومة، إلا أن الرفض الإيراني القاطع لهذه الشروط أجبرهم على التراجع والتركيز مجدداً على الملف النووي وضمان سلمية النشاط الإيراني، وهو الهدف الأساسي الذي كان من المفترض أن يضمنه “برجام” قبل أن يمزقه ترامب.

هذا التراجع الأمريكي لا يعكس فقط فشل سياساتها العدائية تجاه إيران، بل يكشف أيضاً عن إخفاقها في فهم المنطق الراسخ وغير القابل للتغيير الذي يحكم السلوك الإيراني في التفاوض مع الخصوم. منطق محوره واضح وجلي: “عدم الاستسلام للعدو حفاظاً على حقوق الأمة الإيرانية”، في الميدان كما على طاولة المفاوضات.

ويستدعي هذا المشهد الحالي ذاكرة تاريخية من حقبة حساسة، وهي فترة ما قبل قبول القرار الدولي 598 الذي أنهى الحرب مع حزب البعث الصدامي. ففي ذلك الوقت، حاول نظام صدام استخدام الأسرى الإيرانيين كورقة ضغط في مفاوضات ما بعد الحرب، مرفوضاً الانسحاب إلى الحدود الدولية، في محاولة تشبه تماماً ما تفعله الولايات المتحدة اليوم برفع سيف التهديد لابتزاز إيران سياسياً.

قائد الثورة الاسلامية الإمام السيد علي خامنئي لدى استقباله اليوم الاربعاء، جمعا من النخب
قائد الثورة الاسلامية الإمام السيد علي خامنئي

يوضح تحليل كلمات قائد الثورة الإسلامية، الإمام الخامنئي، في خطابه بتاريخ 14 أغسطس 1989، المنطق الذي قاد إيران للنصر حينها وأجبر العدو على التراجع، وهو نفسه المنطق السائد اليوم:

“الجمهورية الإسلامية الإيرانية، باستنادها إلى الحقوق الدولية لشعبها، لا تقدم تنازلات لأي متغطرس، ولا تستسلم له، ولا تخون شعبها في هذا الصدد، ولا تخشى في سبيل الحفاظ على هذه الحقوق لا الحرب ولا المفاوضات.”

ويضيف سماحته موضحاً فلسفة هذا الثبات:

“إذا كانت أمتنا تريد تقديم تنازلات، فلماذا حاربت ثماني سنوات؟ إذا كانت تريد الخضوع لطغيان وتسلط أحد، فلماذا قامت بالثورة؟ إن أكبر خطيئة وإثم للنظام السابق كانت تسليمه البلاد والعباد لأيدي المتغطرسين في العالم… نحن لن نستسلم لتسلط أي دولة أو قوة… لن نقدم تنازلات… إنهم يرددون في دعاياتهم: ‘لتأت إيران وتجري معنا محادثات مباشرة’. نحن لا مانع لدينا؛ ليتم الانسحاب أولا، وبعدها نحن مستعدون للمحادثات المباشرة. لو كان الطرف المقابل يتحدث بمنطق ومعقول، لما حدثت هذه الأمور بيننا من البداية… نحن نتحرك بمنطق ومعقول. نحن نتحرك وفق القوانين الدولية المقبولة، ولسنا مستعدين للتفريط بذرة واحدة في حقوق الأمة الإيرانية.”

اليوم، وكما في الأمس، يتمتع الشعب الإيراني، وفقاً للقوانين الدولية، بالحق الكامل في امتلاك دورة وقود نووي كاملة وصناعة نووية سلمية. والجمهورية الإسلامية الإيرانية، في دفاعها عن هذا الحق، لا تنوي التراجع قيد أنملة أو خيانة حقوق شعبها، سواء في ساحة الحرب أو على طاولة المفاوضات. وهي كما منعت العدو من التقدم في الميدان طوال العقود الماضية، ستواصل بإذن الله إجباره على التراجع واليأس من تحقيق مآربه العدائية

تحليل أمريكي يحذر إسرائيل قد تُعَرقل المفاوضات النووية مع إيران
الكرة في ملعب أمريكا

مع استئناف المحادثات النووية في جنيف، لم يعد السؤال المحوري هو ما إذا كان بإمكان إيران والولايات المتحدة التوصل إلى اتفاق، بل ما إذا كانت واشنطن مستعدة لإظهار الإرادة السياسية اللازمة لاستعادة الثقة.

ان يوم الثلاثاء، ستشهد جنيف أحد أكثر التطورات الدبلوماسية حساسية في العالم، حيث تُعقد المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة في ظروف مختلفة عن السنوات السابقة. المدينة التي استضافت سابقًا محادثات حاسمة، ستستقبل هذه المرة وفود البلدين وسط مرارة الماضي، وانعدام الثقة العميق، والتطورات الإقليمية التي جعلت مناخ المفاوضات أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى. لا يزال شبح الاتفاق السابق، أي خطة العمل الشاملة المشتركة، يُخيّم على هذه المحادثات؛ وهو اتفاق أُبرم عام 2015 بعد أشهر من المفاوضات المكثفة، لكنه انهار فعليًا مع الانسحاب الأحادي الجانب للولايات المتحدة عام 2018، مما قوّض مسار بناء الثقة.

اليوم، لم يعد السؤال الرئيسي هو ما إذا كان التفاهم ممكنًا؛ فقد أثبتت التجربة أنه ممكن. السؤال المحوري هو ما إذا كانت الإرادة السياسية اللازمة متوفرة للتوصل إلى اتفاق دائم. من الناحية القانونية والسياسية، كانت الولايات المتحدة هي من انسحبت من الاتفاق السابق وعطلت آلية الالتزامات المتبادلة. بعد انسحاب واشنطن، ظلت إيران ملتزمة بتعهداتها لفترة طويلة، ولم تتخذ أي خطوات تصحيحية إلا بعد أن حُرمت فعلياً من المكاسب الاقتصادية للاتفاق.

لذا، في ظل الظروف الراهنة، الكرة في ملعب أمريكا. إذا كانت واشنطن تدّعي سعيها لحل الملف النووي، فقد حان الوقت لإثبات ذلك. أكدت إيران مراراً وتكراراً أنها مستعدة للحوار، بل ولتقديم الضمانات اللازمة، إذا اقتصرت المفاوضات على القضية النووية وسارت باحترام لكرامة البلاد واستقلالها ومصالحها الوطنية. أوضحت طهران أن الأسلحة النووية لا مكان لها في عقيدتها الدفاعية، وأن برنامجها النووي سلمي. على هذا الأساس، يمكن لإيران الانخراط في مناقشات حول أي سوء فهم فني أو مخاوف سياسية، وقبول آليات المراقبة المتفق عليها ضمن إطار شفاف.

وزير الخارجية الإيراني يتوجه إلى مسقط لاستئناف الجولة الرابعة من المفاوضات غير المباشرة مع واشنطن
المسألة ليست مبدأ الحوار؛ بل الإطار والتوازن والنتيجة

في السنوات الأخيرة، كان أحد المحاور الرئيسية للضغط من الولايات المتحدة وبعض حلفائها هو الادعاء بأن إيران قد تتجه نحو إنتاج أسلحة نووية. يُثار هذا الادعاء رغم أن إيران لم ترفضه فحسب، بل أعلنت استعدادها لتقديم ضمانات إضافية لإثبات سلمية برنامجها النووي. إذا كان قلق واشنطن الحقيقي هو منع الانتشار النووي، فإن الطريق إلى معالجته واضح: العودة إلى اتفاق شفاف وقابل للتحقق ومتوازن، يلتزم فيه الطرفان بتنفيذ التزاماتهما في آن واحد. وقد أظهرت التجارب السابقة أن إيران قادرة على التعاون على نطاق واسع في إطار الاتفاقيات الدولية. لذلك، إذا كانت القضية نووية بحتة، فإن أرضية التفاهم قائمة.

مع ذلك، ثمة مخاوف جدية من أن تتحول المفاوضات إلى عملية مطولة أو أن يتسع نطاق المطالب. وقد أظهرت التجارب السابقة أنه كلما دخلت قضايا غير نووية على جدول الأعمال، أصبح الحوار أكثر تعقيدًا وأقل إنتاجية. إن طرح مواضيع مثل القضايا الإقليمية أو القدرات الدفاعية الإيرانية يقع خارج إطار الاتفاق النووي، ويُعد تغييرًا للقواعد في منتصف المفاوضات. إذا كان الهدف هو حلّ ملفٍّ مُحدَّد، فيجب أن ينصبّ التركيز على ذلك الملفّ. فالتوسع المُستمرّ في القضايا لا يُعيق التوصل إلى اتفاق فحسب، بل يُعمِّق انعدام الثقة.

بالنسبة لإيران، فإن رفع العقوبات والعودة الكاملة إلى التجارة الطبيعية والتفاعلات المالية الدولية من شأنه أن يُتيح الفرصة للنمو الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وتحقيق مزيد من الاستقرار.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن تخفيف التوترات في إحدى أكثر مناطق العالم حساسيةً يعني خفض تكاليف الأمن، والتركيز على أولويات السياسة الخارجية الأخرى، وتعزيز الاستقرار في أسواق الطاقة. ويمكن أن يكون للاستقرار في الملف النووي الإيراني أثرٌ إيجابي على سوق النفط والغاز العالمي، وأن يمنع حدوث صدمات سعرية، وهي مسألة ذات أهمية مباشرة للاقتصاد العالمي، بل وللمستهلكين الأمريكيين أيضًا.

في هذا السياق، لا ينبغي إغفال دور الأطراف الثالثة. فقد عارض الكيان الإسرائيلي على مدى السنوات الماضية أي اتفاق بين إيران والولايات المتحدة، وسعى إلى تصوير مخاوفه على أنها مخاوف مشتركة مع واشنطن. إلا أن الواقع يُشير إلى أن مصالح الكيان لا تتطابق بالضرورة تمامًا مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية. فبالنسبة لتل أبيب، قد يُسهم استمرار التوتر مع إيران في تعزيز التماسك الداخلي وتبرير سياساتها الأمنية، بينما بالنسبة للولايات المتحدة، يُمكن أن يُؤدي تخفيف حدة التوتر إلى خفض التكاليف المباشرة وغير المباشرة لوجودها في المنطقة.

وإذا ما أُريدَ لمفاوضات جنيف أن تُثمر، فعلى الولايات المتحدة أن تختار بين نهجين: إما التركيز على اتفاق مُحدد ومتوازن يُعالج القضية النووية فقط، أو الاستمرار في مسار يُؤدي، بإضافة مطالب جديدة، إلى طريق مسدود. وقد أثبتت التجربة أن الاتفاقات الكبرى تتطلب قرارات سياسية على أعلى المستويات أكثر من المفاوضات الفنية. فإذا توفرت إرادة جادة في واشنطن لحل هذه القضية، يُمكن تصميم الأدوات الفنية والقانونية اللازمة. أما إذا كان الهدف هو مجرد إدارة الأزمة دون حلها، فستُصبح المفاوضات طويلة ومرهقة.

أعلنت إيران استعدادها للدخول في مفاوضات بشأن الملف النووي وإزالة سوء الفهم، بل وتقديم ضمانات لمعالجة مخاوف الولايات المتحدة المعلنة. لكن ما ترفضه طهران هو تحويل المفاوضات إلى أداة لمزيد من الضغط أو فرض قضايا خارجة عن إطار الاتفاق. فالكرامة الوطنية ومصالح البلاد خطوط حمراء يجب على أي اتفاق احترامها.

يمكن اعتبار مفاوضات جنيف يوم الثلاثاء اختبارًا للنوايا. فإذا كانت الولايات المتحدة قد خلصت بالفعل إلى أن اتفاقًا متوازنًا مع إيران سيعود بالنفع على كلا البلدين ويساهم في استقرار المنطقة، فإن الطريق واضح: التركيز على الملف النووي، والرفع العملي للعقوبات، وتقديم ضمانات متبادلة، وتجنب المطالب المفرطة. أما إذا كان الهدف هو كسب الوقت أو توسيع نطاق المفاوضات ليشمل مجالات أخرى، فلن تكون النتيجة سوى استمرار انعدام الثقة.

في نهاية المطاف، لا يتوقف مستقبل هذا الملف على نص الاتفاق فحسب، بل على الإرادة السياسية للأطراف. وقد أعلنت إيران استعدادها. حان دور أمريكا الآن لتُظهر ما إذا كانت تسعى إلى اتفاق حقيقي ودائم أم مجرد تكرار لدورة من الوعود والضغوط. يمكن أن تصبح جنيف نقطة انطلاق لفصل جديد، فصل تحل فيه الدبلوماسية محل المواجهة، شريطة أن يُتخذ القرار النهائي في واشنطن بناءً على المصالح طويلة الأمد لا على الضغوط الخارجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرة − 7 =

زر الذهاب إلى الأعلى