ورد عن الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) قوله المشهور: “لقد حقق الإمام الخميني حلم الأنبياء”. قولٌ اختزل في كلماته القليلة عمق تحول تاريخي، وألقى بظلاله على مسار الأمة الإسلامية بأسرها. فهل كان هذا القول مجرد استشراف للمستقبل؟ أم أن نهضة الإمام الخميني وثورته جسّدت ذلك الحلم النبوي على أرض الواقع؟ أم أن المقصد يحمل المعنيين معًا؟ ثم ما الذي تحقق بالفعل من “حلم الأنبياء” خلال أربعين عامًا مضت؟ هذا ما يسعى النص التالي إلى استيضاحه.
حلم الأنبياء: بين الاستشراف والتحقق
عندما وصف الإمام الشهيد محمد باقر الصدر الإمام الخميني بقوله: “لقد حقق الإمام الخميني حلم الأنبياء”، فهل كان القول يمثل استشرافًا للمستقبل؟ أم أن نهضته وثورته مثلت حلم الأنبياء؟ وإن كان القصد من القول هو المعنيين معًا، فماذا تحقق من حلم الأنبياء خلال الأربعين عامًا الماضية؟
تفرد الإمام الخميني بتبني مشروع الدولة الإسلامية
وللإجابة على هذا التساؤل، لا بد أن نعرف أنه باستثناء السيد الشهيد محمد باقر الصدر – الذي يمثل الجيل الثاني من الفقهاء والمراجع في حينه – لم يتجرأ أحد من جيل الإمام الخميني من المجتهدين والفقهاء والمراجع على أن يحدث نفسه بالجهاد والنضال من أجل تبني مشروع تأسيس وقيام دولة إسلامية يقودها الفقهاء، فضلًا عن تبني العمل السياسي أو ممارسته وركوب فنونه.
فقط الإمام الخميني (قدس سره) انبرى من أبناء جيله لتبني هذا المشروع منذ سني شبابه في ستينيات القرن الماضي، وبدأ عمليًا بالتحضير والتهيئة والتنظير والعمل له، وحمل رايته ورفع مشعله بوجه النظام الشاهنشاهي الفاسد، ركيزة الاستكبار والماسونية الصهيونية العالمية، في زمن كان البعض من فقهاء الشيعة يرون في محمد رضا بهلوي “الملك الشيعي” وصاحب المملكة الشيعية الوحيدة في العالم، وبالتالي فالخارج عليه خارج على التشيع، والمحارب له محارب للتشيع.
المعاناة والثمن المزدوج
الأمر الذي زاد وضعف من معاناة الإمام الخميني، وصعّب مهمته، وجعله يدفع ضريبتين في آن واحد: ضريبة معاداة الحوزة العلمية الدينية التقليدية له، وضريبة السجن والملاحقة والإبعاد القسري من قبل النظام البهلوي.
ولكن ذلك لم يمنع الإمام الخميني من مواصلة العمل بصبر وثبات في مشروع “دولة الولي الفقيه” لتحقيق الغاية والهدف من بعثة الأنبياء: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾، وذلك بإقامة العدالة الاجتماعية على أساس:
- البينة (نظرية “دولة ولاية الفقيه”).
- الكتاب (اعتماد المعارف والعلوم التقنية في تنمية وتطور هذه الدولة).
- الميزان (الدستور والقوانين القائمة على أساس القرآن والسنة).
وبالتالي، عندما قامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية على هذه الأسس الثلاثة، يكون الإمام الخميني قد وضع حلم الأنبياء في طور الإنجاز وإبصار النور في ظلمة الاستكبار والطغيان والظلم العالمي.
إنجازات دولة الولي الفقيه في أربعين عامًا
ومنذ عام 1979 وحتى عام 2020، وفي ظل حصار دولي خانق ومتعدد الأوجه، خطت دولة الولي الفقيه خطوات جبارة في طريق تحقيق حلم الأنبياء، فكانت ثورتها تمثل الدفاع عن الجياع والمحرومين والمستضعفين، وكان نهجها قائمًا على الاستقلال والعدالة والتنمية وبناء الإنسان. وكما وصفها السيد حسن نصر الله:
“إن الإمام الخميني هو الذي جعل إيران اليوم من أوائل الدول المستقلة في المنطقة، والدول المستقلة حقًا قليلة في العالم. إيران اليوم هي دولة لا شرقية ولا غربية، دولة وطنية غير خاضعة كغيرها لأمريكا، وهي الدولة الأقوى والأكثر تأثيرًا وتطورًا وتنمية في المنطقة”.
وتدوين منجزات هذه الثورة وهذه الدولة (دولة الولي الفقيه) خلال الأربعين عامًا الماضية يحتاج إلى كتاب مستقل. ويقف في مقدمة هذه المنجزات: إقامة دولة المؤسسات والدستور والقانون والسيادة، وإقامة النظام الجديد على قاعدة السيادة الشعبية والاستفتاء الشعبي (الديمقراطية الشعبية)، وتداول السلطة سلميًا، وترسيخ قيم التعايش السلمي ومبادئ الحوار والتسامح والاحترام المتبادل والعيش المشترك بين مختلف القوميات والطوائف.
إيران اليوم: أرقام تشهد على التقدم
وبعد أربعين عامًا من المقاومة والصبر والعمل المتواصل والقيادة الحكيمة للولي الفقيه السيد علي الخامنئي (دام ظله) – خليفة الإمام الخميني – أصبحت إيران اليوم:
- الأولى في المنطقة بإنتاج العلم.
- السابعة في العالم بعدد براءات الاختراع.
- المرتبة 16 في العالم بإنتاج العلم.
وفي إيران اليوم:
- 4 ملايين و800 ألف طالب جامعي، 75% منهم إناث.
- نسبة 0% في الأمية بين البالغين.
- أكثر من 200 أستاذ ومفكر تنتشر مقالاتهم العلمية في العالم.
- 200 ألف متخصص في الطب.
- بعد الثورة، أصبحت إيران الثانية في العالم بعد أمريكا في مجال الخلايا الجذعية.
- الرابعة في العالم من حيث دراسات النانو.
- الخامسة في العالم في مركز العمل بالنانو.
الاكتفاء الذاتي: نموذج للصمود
إيران اليوم هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك اكتفاءً ذاتيًا في معظم احتياجاتها الحياتية، فهي تؤمن:
- 97% من احتياجاتها الدوائية.
- 90% من احتياجاتها الدفاعية العسكرية.
- 100% من الكهرباء ومشتقات النفط والبتروكيماويات.
- اكتفاءً ذاتيًا في الصناعات الجوفضائية (الصواريخ والأقمار الصناعية).
- اكتفاءً ذاتيًا في الغذاء والزراعة.
هل يصح قول الشهيد الصدر؟
وبعد كل هذه الإنجازات التي ذكرناها اختصارًا على سبيل المثال لا الحصر، ألا يصح قول السيد الشهيد محمد باقر الصدر: “لقد حقق الإمام الخميني حلم الأنبياء”؟
ولادة فجر الثورة: حياة الإمام الخميني بين العلم والعرفان والمواجهة
آية الله العظمى السيد روح الله الموسوي الخميني (قدس سره)
الولادة والنشأة
ولد الإمام الخميني في العشرين من جمادى الثانية عام 1320هـ، بمدينة “خمين” إحدى مدن المحافظة المركزية (أراك) في إيران. نشأ في أسرة علوية عريقة، عُرفت بالعلم والهجرة والجهاد.
كان والده الجليل، المرحوم آية الله السيد مصطفى الموسوي، معاصرًا للمرحوم آية الله العظمى الميرزا الشيرازي (رحمه الله). وبعد إتمامه دراسته الدينية في النجف الأشرف ونيله درجة الاجتهاد، عاد إلى إيران وأصبح مرجعًا دينيًا لأهل مدينة “خمين”. غير أن الإمام الخميني لم يبلغ من العمر سوى أشهر قليلة عندما خنق المستبدون وعملاء الحكومة آنذاك صوت الحق في صدر والده، الذي كان قد انتفض على ظلمهم، فأردوه قتيلًا بالرصاص، فاستشهد في الطريق العائد من خمين إلى أراك.
دراسته وأساتذته
أتقن الإمام القراءة والكتابة في وقت قصير، ثم واصل تعلّم الأدب الفارسي. وقبل أن يُتم الخامسة عشرة من عمره، كان قد أتقن اللغة الفارسية، وسار على درب والده في طلب العلوم الإسلامية.
وفي سنة 1338هـ، أنهى دراسة المنطق والنحو والصرف على يد أخيه الأكبر آية الله السيد مرتضى الموسوي، المعروف بـ(پَسَندِيدَه).
بعد ذلك، سافر إلى مدينة أصفهان لمواصلة دراسته، ثم ذهب إلى مدينة أراك لاشتهار الدراسة الحوزوية فيها بزعامة آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري. وبعد أربعة أشهر من هجرة الشيخ الحائري إلى مدينة قم المقدسة، رحل إليها الإمام الخميني، وسكن في مدرسة دار الشفاء، وواصل دراسته فيها.
وسرعان ما نال درجة الاجتهاد، وأصبح من العلماء البارزين، ومن المدرّسين المعروفين في الحوزة العلمية. وبعد وفاة الشيخ الحائري، قدم آية الله العظمى السيد البروجردي إلى قم المقدسة لإلقاء الدروس، فأخذ الإمام يحضر تلك الدروس واستفاد منها كثيرًا.
مسيرته التدريسية
بداية التدريس:
عندما بلغ من العمر سبعة وعشرين عامًا، شرع في تدريس الفلسفة، وكان شديد الحرص على اختيار الطلاب الجيدين والمادة المناسبة. كان يهتم بتربية طلّابه، ويؤكد عليهم ضرورة تهذيب النفس، والتحلي بالفضائل، وتجنب الرذائل.
إلى جانب ذلك، تولى الإمام تدريس علم الأخلاق، فأخذت حلقته الدراسية تتسع رويدًا رويدًا، مما دفع نظام الشاه إلى التفكير في إلغاء هذه الجلسات.
وفي عام (1314هـ)، شرع الإمام بتدريس البحث الخارج في الفقه والأصول، وكان عمره آنذاك (44) سنة.
طريقته في التدريس:
درس الإمام عند آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري، الذي كان يعتمد في تدريسه على الفكر والدقة والمناقشة في الدرجة الأولى، وعلى الآيات الكريمة والروايات الشريفة في الدرجة الثانية.
كما درس عند آية الله العظمى السيد حسين البروجردي، الذي كان يعتمد في تدريسه على الروايات والأسانيد والمتون وأقوال العامة والظرف التاريخي المحيط بالرواية.
وقد استفاد الإمام من هذين الأسلوبين في التدريس، وأخذ يطبقهما في منهاجه التدريسي.
تلامذته:
نذكر منهم ما يلي:
- الشهيد الشيخ مرتضى المطهري.
- الشهيد السيد محمد حسين البهشتي.
- ابنه السيد مصطفى الخميني.
- الشهيد السيد محمد علي القاضي التبريزي.
- الشهيد الشيخ عبد الرحيم الرباني الشيرازي.
- الشهيد الشيخ أشرفي الأصفهاني.
- الشهيد السيد محمد رضا السعيدي.
- الشهيد الشيخ علي القدوسي.
- الشهيد الشيخ فضل الله المحلاتي.
- الشهيد الشيخ محمد مفتح الهمداني.
مؤلفاته
له مؤلفات كثيرة، نذكر منها ما يلي:
- تحرير الوسيلة (ج1).
- تحرير الوسيلة (ج2).
- مختصر في شرح دعاء السحر.
- الأربعون حديثًا.
- المكاسب المحرمة.
- أسرار الصلاة.
- كشف الأسرار.
- نيل الأوطار في بيان قاعدة لا ضرر ولا ضرار (تقريرات لدروسه في البحث الخارج).
- الحكومة الإسلامية.
- حاشية على كتاب الأسفار للملا صدرا.
- ديوان شعر.
- مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية.
الهجرة إلى قم والتحصيل العلمي فيها
بعد رحيل آية الله العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي إلى مدينة “قم” (في يوم النيروز من عام 1921م، الموافق لشهر رجب من عام 1340هـ)، التحق الإمام الخميني بالحوزة العلمية في “قم”، وطوى بسرعة المراحل اللاحقة من دراسته الدينية، ناهلاً العلوم من نخبة من أساتذة الحوزة في قم في ذلك الوقت.
فقد درس تتمة بحوث كتاب “المطول” في علم المعاني والبيان على يد المرحوم آقا ميرزا محمد علي أديب طهراني، وأكمل دروس مرحلة السطح على يد المرحوم آية الله السيد محمد تقي الخونساري. وقضى الشطر الأكبر من مرحلة التتلمذ على يد المرحوم آية الله السيد علي يثربي الكاشاني.
كما تلقى دروس مرحلة الخارج (المرحلة العليا) في الفقه والأصول على يد زعيم الحوزة الدينية في “قم”، آية الله العظمى الحاج الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي. وتزامنًا مع دراسته للفقه والأصول، تلقى سماحته دروسًا في الرياضيات وعلم الفلك والفلسفة على يد المرحوم الحاج السيد أبو الحسن رفيعي القزويني.
وإلى جانب ذلك، درس العلوم الروحية والعرفانية على يد المرحوم آقا ميرزا علي أكبر الحكيمي اليزدي، وعلم العروض والقوافي والفلسفة الإسلامية والفلسفة الغربية على يد المرحوم آقا شيخ محمد رضا المسجدشاهي الأصفهاني، والأخلاق والعرفان على يد المرحوم آية الله الحاج ميرزا جواد الملكي التبريزي. كما انهمك على مدى 6 سنوات في دراسة أعلى درجات العرفان النظري والعملي على يد المرحوم آية الله آقا ميرزا محمد علي الشاه آبادي، فأصبح السير والسلوك المعنوي إلى الله منذ ذلك الحين شغله الشاغل.
تدريسه في الحوزة والنجف وإقبال الطلاب عليه
في الحوزة الدينية بقم، عكف سماحة الإمام (رحمه الله) سنين طويلة على تدريس الفقه والأصول والفلسفة والعرفان والأخلاق الإسلامية لعدة دورات، بالإضافة إلى تدريسه المراحل العليا من علوم أهل البيت (ع) والفقه في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف لمدة تقارب الـ14 سنة. وخلال هذه الفترة، قام بتدريس الأصول النظرية للحكومة الإسلامية عبر سلسلة دروس “ولاية الفقيه”، وذلك لأول مرة.
وينقل تلامذته أن دروسه التي كان يلقيها هناك كانت تُعد من أرقى المناهج الدراسية في الحوزة، حيث كان يصل عدد طلابه في بعض الدورات (أي السنة الدراسية في الحوزة العلمية بقم) إلى 1200 طالب، من بينهم عشرات المجتهدين المعروفين في وقتنا الحاضر.
موقفه من المرجعية بعد وفاة البروجردي
في الثلاثين من مارس عام 1961م، توفي آية الله العظمى البروجردي. وفي هذه الأثناء، ووفقًا لعادته في مراحل حياته السابقة، لم يخطُ الإمام الخميني خطوة واحدة نحو تقلّد مرجعية الحوزة الدينية، على الرغم من ترحيب الحوزة والناس وتحمسهم لهذا الأمر.
بداية المواجهة مع نظام الشاه: قضية المجالس المحلية
مع وفاة آية الله البروجردي وتعدد المرجعية العليا، عجّل نظام الشاه من وتيرة الإصلاحات التي أوعزت بها الولايات المتحدة. ففي 9 أكتوبر من عام 1962م، صادقت وزارة أسد الله علم على لائحة المجالس المحلية التي تنص على إلغاء مبدأ اشتراط أن يكون المرشح مسلمًا، وكذلك إلغاء شرط أداء اليمين الدستورية على القرآن الكريم.
ولكن بمجرد انتشار خبر التصديق على تلك اللائحة، هبّ الإمام الخميني مع عدد من العلماء في قم وطهران، بعد تدارسهم للأمر، إلى إعلان معارضتهم القاطعة ضد النظام الحاكم.
فعمد نظام الشاه في البداية إلى سياسة التهديد والتشنيع على رجال الدين، لكن ذلك لم يَحُلْ دون تفاقم المعارضة، فقد عمّ الإضراب طهران وقم وبعض المدن الأخرى، وتجمّع الناس في المساجد معلنين ولاءهم لحركة علماء الدين. ومن ناحيته، أصرّ سماحة الإمام (رحمه الله) على أن تعمل الحكومة على إعلان إلغاء اللائحة المذكورة رسميًا على المَلأ.
وأخيرًا، لم يجد نظام الشاه مَهربًا من الرضوخ لهذه المطالب، وبالفعل أعلنت الحكومة في 28 نوفمبر من عام 1962م رسميًا إلغاء تلك اللائحة، وأطلعت العلماء ومراجع الدين في طهران وقم على ذلك. ومن جهة أخرى، أكّد الإمام الخميني بعد اجتماعه مع علماء الدين في مدينة قم على مواقفه السابقة، موضحًا أن إلغاء اللائحة المذكورة خلف الكواليس ليس كافيًا، وأن الانتفاضة ستستمر حتى يتم الإعلان عن ذلك الإلغاء عبر وسائل الإعلام العامة.
وفعلًا، قامت الحكومة في صباح اليوم التالي بنشر خبر إلغاء اللائحة المذكورة في الصحف الرسمية.
مذبحة المدرسة الفيضية وتصعيد النظام
إثر هذا الانتصار الذي حققه علماء الدين والشعب المسلم، شنت السلطة الحاكمة حملة واسعة ضد علماء الدين عامة، والإمام الخميني بوجه خاص، وصمّم الشاه على قمع الانتفاضة بكل ما أوتي من قوة. فقام بعض جلاوزة النظام المسلحين، المتنكرين بالزي الديني والمندسين في اجتماع لطلبة العلوم الدينية بالمدرسة الفيضية في مارس من عام 1963م (الموافق لذكرى شهادة الإمام الصادق (عليه السلام))، بتقويض ذلك الاجتماع، ثم مهدوا لقوات شرطة النظام للاغارة بوحشية على المجتمعين بالأسلحة النارية، مما أدى إلى مقتل وجرح العديد منهم. وفي الوقت نفسه، تعرضت مدرسة الطالبية الدينية في تبريز لهجوم مماثل.
رفضه للعلاقة مع إسرائيل وربط القضية الإيرانية بالأمة الإسلامية
في رسالة له بتاريخ 2 مايو عام 1963م، بمناسبة مرور أربعين يومًا على مذبحة المدرسة الفيضية، شدّد الإمام الخميني على وقوف العلماء والشعب الإيراني إلى جانب قادة الدول الإسلامية والعربية في مواجهتهم للاحتلال الإسرائيلي، معلنًا رفضه واستنكاره لاتفاقيات نظام الشاه مع الكيان الصهيوني الغاصب (إسرائيل)، ليؤكد منذ اللحظة الأولى لانطلاق انتفاضته على الارتباط الوثيق للنهضة الإسلامية في إيران مع مصالح الأمة الإسلامية.
مرحلة النفي: من تركيا إلى العراق
في 5 أكتوبر من عام 1965م، تم ترحيل سماحة الإمام (رحمه الله) مع نجله آية الله الحاج مصطفى من تركيا إلى منفاه الثاني في العراق. وخلافًا لتوقعات نظام الشاه، كان الترحيب الكبير الذي لقيه الإمام من قبل طلاب الحوزة الدينية والجماهير في العراق رسالة واضحة بأن انتفاضة الخامس من حزيران كان لها صدى كبير في العراق وفي النجف الأشرف أيضًا.
بدأ الإمام الخميني بإلقاء سلسلة دروس الفقه (مرحلة الخارج / المرحلة العليا) في مسجد الشيخ الأنصاري (رحمه الله) في أكتوبر من عام 1965م، واستمر على ذلك حتى رحلته إلى باريس. ثم بدأ بإلقاء دروسه حول “الحكومة الإسلامية” أو “ولاية الفقيه” في فبراير من عام 1969م، وجُمعت هذه الدروس في كتاب واحد صدر تحت عنوان “ولاية الفقيه” أو “الحكومة الإسلامية”. وقد نُشر هذا الكتاب في إيران والعراق ولبنان، ووزّع في موسم الحج أيضًا، وكان له أثر كبير في تجديد روح الجهاد والمقاومة.
تجدر الإشارة إلى أن الإمام الخميني طيلة سنوات النفي لم يتوقف عن مواصلة الجهاد لحظة واحدة بالرغم من الصعاب التي واجهته، وكانت خطاباته ونداءاته تحيي في القلوب الأمل بالنصر.
وفي فتوى له بمناسبة حرب الأيام الستة بين العرب وإسرائيل في يونيو عام 1967م، حرّم أي علاقات تجارية أو سياسية للدول الإسلامية مع إسرائيل، وكذلك حرّم استهلاك البضائع والمنتجات الإسرائيلية من قبل الشعوب الإسلامية.
مواصلة الجهاد في المنفى: مواجهة حزب “رستاخيز”
في نهاية مارس 1975م، وصل استبداد الشاه إلى ذروته من خلال تأسيسه لحزب “رستاخيز” وفرض نظام الحزب الواحد، حيث صرّح في خطاب له عبر التلفزيون بأن على جميع أفراد الشعب الإيراني الدخول في الحزب المذكور، ومن يرفض ذلك فعليه أن يتسلم جواز سفره ويخرج من البلاد. فور ذلك، أصدر الإمام الخميني فتواه التي جاء فيها:
“نظرًا لمخالفة هذا الحزب المبادئ الإسلامية ومصالح الشعب الإيراني المسلم، فإن الانتماء إليه حرام على جميع أفراد الشعب، وهو يُعد إعانة للظلم واستئصالًا لشأفة المسلمين، ومقاومته من أوضح مصاديق النهي عن المنكر”.
وكان لفتوى الإمام الخميني وبعض العلماء الآخرين أثرها الكبير والفعال، فقد أعلن نظام الشاه رسميًا فشل سياسة حزب “رستاخيز”، ثم حُلّ الحزب بعد بضع سنوات من تأسيسه على الرغم من الدعاية الإعلامية التي سخرتها له أجهزة النظام.
انتفاضات الحوزة واستمرار المواجهة
وانتفضت جماهير طلبة الحوزة مرة أخرى عام 1975م في المدرسة الفيضية خلال الذكرى السنوية لانتفاضة الخامس من يونيو، واستمرت الهتافات التي أطلقتها تلك الجماهير “عاش الخميني” و”الموت للعائلة المالكة” مدة يومين متتاليين، فكانت تلك صدمة كبيرة للشاه وجهاز أمنه “السافاك”. فقامت قوات الشرطة إثر ذلك بمحاصرة المدرسة والهجوم على طلبة العلوم الدينية بوحشية وضراوة، حيث تعرضوا للضرب والإهانة، ثم زُجّ بهم في السجون.
مواجهة التقويم الإمبراطوري
واستمرارًا لنهجه العدواني في استئصال الدين، أقدم الشاه في مارس من عام 1976م على خطوة وقحة تمثلت بتغيير التقويم الرسمي للبلاد، الذي كان يعتمد هجرة الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلى التقويم الإمبراطوري الذي يبدأ بحكم الملوك الأخمينيين. فردّ الإمام الخميني بقوة على ذلك من خلال إصداره فتوى تقضي بتحريم استخدام التقويم الإمبراطوري المفروض. ورحّب الشعب الإيراني بهذه الفتوى كما فعل في السابق مع فتوى تحريم الانتماء إلى حزب “رستاخيز”. فكانت القضيتان بمثابة فضيحة ووصمة عار لنظام الشاه، مما اضطره إلى العدول عن استخدام التقويم الإمبراطوري عام 1978م.
تصاعد وتيرة الثورة الإسلامية عام 1977م
شكّل استشهاد آية الله الحاج مصطفى الخميني في 23 أكتوبر عام 1977م، ومجالس الفاتحة المهيبة التي أقيمت على روحه في إيران، نقطة انطلاق لانتفاضة جديدة للحوزات العلمية والشعب الإيراني المؤمن. وقد اعتبر الإمام الخميني هذه المسألة آنذاك من “الألطاف الإلهية”.
بعد ذلك، نشرت أجهزة النظام مقالة مسيئة للإمام الخميني في صحيفة “اطلاعات” ظنًا منها أنها تنتقم منه. وفي معرض الاعتراض على المقالة المذكورة، تفجرت في التاسع من يناير عام 1977م انتفاضة شعبية راح ضحيتها عدد من طلبة العلوم الدينية الثائرين والأهالي. وأدّت مراسم العزاء التي أقيمت لإحياء ذكرى الشهداء الذين سقطوا في الانتفاضة المذكورة (في مراسم اليوم الثالث واليوم السابع ومراسم الأربعين) إلى تفجر انتفاضات متتالية في مدن تبريز ويزد وأصفهان وطهران.
الرحلة من العراق إلى باريس
في اللقاء الذي تم في نيويورك وضم وزيري خارجية إيران والعراق، اتفق الطرفان على إخراج الإمام من العراق. وعلى أثر ذلك، حوصر منزل الإمام في النجف الأشرف من قبل القوات البعثية في العراق في 24 سبتمبر عام 1978م، حيث عقد مدير الأمن العراقي جلسة مع الإمام ذكّره فيها بأن بقاءه في العراق مرهون بتخليه عن الجهاد والكف عن الخوض في المسائل السياسية. فكان ردّ الإمام حازمًا، إذ قال إنه، لِعِظَم المسؤولية الملقاة على عاتقه تجاه الأمة الإسلامية، غير مستعد للسكوت أو المساومة.
فغادر الإمام الخميني (رحمه الله) النجف الأشرف في 4 أكتوبر من نفس العام متجهًا نحو الحدود الكويتية، لكن الحكومة الكويتية امتنعت عن استقباله وذلك بتوصية من النظام الإيراني. وتجدر الإشارة هنا إلى أنه كان في النية أن يتوجه الإمام إلى لبنان أو سورية، لكنه وبعد التشاور مع نجله المرحوم حجة الإسلام والمسلمين الحاج السيد أحمد الخميني (رحمه الله)، قرر التوجه إلى باريس. وفعلًا حطّ الإمام رحاله بباريس في السادس من أكتوبر، وبعد يومين نزل في بيت أحد الإيرانيين في ضاحية “نوفل لو شاتو” الباريسية.
خلال 4 أشهر من إقامة الإمام في نوفل لو شاتو، أصبحت هذه المدينة أهم المراكز الإعلامية العالمية، وكانت تبث مقابلاته الصحفية ولقاءاته المختلفة ووجهات نظره حول الحكومة الإسلامية وأهداف الثورة المستقبلية. وبهذه الطريقة اطلع عدد أكبر من شعوب العالم على فكر الإمام وثورته، ومن هذا المكان تولى الإمام، في أحلك الظروف، قيادة الثورة في إيران.
تشكيل مجلس الثورة وفرار الشاه
في يناير عام 1979م، شكل الإمام مجلس الثورة. وفي هذه الأثناء، فرّ الشاه من البلاد بعد أن تشكل مجلس الوصاية على العرش، ونالت وزارة بختيار الثقة وذلك في 16 يناير 1979م. انتشر خبر فرار الشاه في طهران وباقي المدن الإيرانية، ونزل الناس إلى الشوارع للتعبير عن فرحتهم وابتهاجهم بهذا الخبر.
العودة إلى الوطن بعد 14 عامًا من النفي
في أوائل فبراير عام 1979م، انتشر في الآفاق قرار عودة الإمام إلى أرض الوطن. وبالرغم من الانتظار الطويل الذي دام 14 عامًا، ظل هاجس الحفاظ على سلامته يشغل أذهان الشعب ورفاقه، وذلك لأن الحكومة التي فرضها الشاه كانت ما تزال تسيطر على المراكز الحساسة والمطارات في البلاد، وكانت الأحكام العرفية لا تزال سارية. لكن الإمام كان قد اتخذ قراره، موضحًا لشعبه في بياناته رغبته في التواجد بين صفوف الشعب الإيراني في هذه الظروف العصيبة والمصيرية.
وأخيرًا، وطئ الإمام أرض الوطن في صبيحة اليوم الأول من فبراير عام 1979م بعد غياب دام 14 عامًا. وكان الاستقبال الذي حظي به الإمام من قبل الشعب الإيراني عظيمًا ورائعًا لدرجة اضطرت معه وكالات الأنباء الغربية إلى الاعتراف بأن عدد الذين خرجوا لاستقباله تراوح بين 4 و6 ملايين شخص.
وتدفقت الجموع من المطار إلى “بهشت زهرا” (مقبرة شهداء الثورة الإسلامية) للاستماع إلى الخطاب التاريخي للإمام. في هذا الخطاب، دوت مقولة الإمام الشهيرة: “سأشكّل الحكومة! سأشكّل الحكومة بمؤازرة الشعب!”. في البداية، لم يعبأ شاهبور بختيار بهذه المقولة، لكن لم تمض إلا أيام قلائل حتى أعلن الإمام عن تعيين رئيس لحكومة الثورة المؤقتة وذلك في الخامس من فبراير 1979م.
انهيار النظام وانتصار الثورة
في الثامن من فبراير عام 1979م، قامت عناصر من القوة الجوية بزيارة الإمام الخميني في مقر إقامته في مدرسة علوي في طهران، وأعلنت عن ولائها التام له. وفي هذه الأثناء، كان الجيش الشاهنشاهي يوشك على الانهيار التام، حيث شهد حالات فرار وتمرد للعديد من الجنود والمراتب المؤمنين، امتثالًا منهم لفتوى الإمام الخميني بترك ثكناتهم والانضمام إلى صفوف الشعب.
في التاسع من فبراير، انتفض الطيارون في أهم قاعدة جوية في طهران، فأرسلت قوة من الحرس الإمبراطوري لمواجهتهم وقمعهم، فانضم الناس إلى صفوف الثوار لدعمهم ومساندتهم.
في العاشر من فبراير، سقطت مراكز الشرطة والدوائر الحكومية الواحدة تلو الأخرى بيد الشعب. وهكذا تم دحر نظام الشاه، وأشرقت في صباح يوم 11 فبراير شمس الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني، وأُسدل الستار على آخر فصل من فصول الحكم الملكي المستبدّ.
تأسيس الجمهورية الإسلامية
في عام 1979م، صوّت الشعب لصالح استقرار نظام الجمهورية الإسلامية في أنزه استفتاء شهدته إيران حتى ذلك التاريخ، ثم تلتها انتخابات تدوين الدستور والمصادقة عليه، ثم انتخاب نواب مجلس الشورى الإسلامي.
كان الإمام يُلقي الخطب والبيانات يوميًا في مقر إقامته وفي المدرسة الفيضية على الآلاف من محبيه، وذلك لتهيئة الأجواء لتدعيم أركان النظام الإسلامي، وبيان أهداف الحكومة الإسلامية وأولوياتها، وتشجيعهم على تسجيل حضور فاعل في جميع الميادين.
إقامته الأخيرة وانتقاله إلى جماران
بعد انتصار الثورة، انتقل الإمام في الأول من مارس عام 1979م من طهران إلى قم، وأقام هناك حتى تعرّضه لأزمة قلبية في 22 يناير 1980م. خضع الإمام للعلاج طيلة 39 يومًا في مستشفى طهران للأمراض القلبية، أقام بعدها وبصفة مؤقتة في منزل يقع في منطقة “دربند” بالقرب من طهران، ثم انتقل بعدها إلى منزل متواضع – حسب طلبه – يقع في محلة “جماران”، فظل مقيمًا في ذلك المنزل حتى وفاته.
السمات الشخصية
كان الإمام الخميني (رحمه الله) مؤمنًا إلى حد كبير بالنظام والترتيب والانضباط في حياته، وكان يخصص ساعات معينة من الليل والنهار للعبادة والذكر وتلاوة القرآن والدعاء والمطالعة. فكانت مناجاته وذكره الله سبحانه وتعالى والتفكير أثناء المشي جزءًا من برنامجه اليومي. ومع اقتراب عمره الشريف من التسعين عامًا، إلا أنه كان يُعتبر من أنشط القادة السياسيين في العالم، بحيث حافظ على تلك الروحية وذلك النشاط حتى في أصعب اللحظات، في سبيل رفعة المجتمع الإسلامي وحل مشاكله.
كان الإمام غالبًا ما يستمع، سواء في الليل أو النهار، إلى التحليلات الإخبارية التي تبثها الإذاعات الأجنبية الناطقة بالفارسية، ليتمكن شخصيًا من الوقوف على سير الإعلام المضاد للثورة وتشخيص السبل الكفيلة بمواجهته، هذا إضافة إلى مطالعته اليومية لأهم الأخبار والتقارير في الصحف الرسمية الداخلية وعشرات النشرات الإخبارية، واستماعه ومشاهدته للبرامج الإذاعية والتلفزيونية في الداخل.
ولم يغفل الإمام (رحمه الله) عن مد جسور الارتباط مع عامة الشعب باعتبارهم الثروة الحقيقية للثورة الإسلامية، فكان باستطاعة الناس على اختلاف طبقاتهم الالتقاء به في أغلب الأيام في حسينية “جماران” لينهلوا من معينه الصافي، وذلك على الرغم من برنامجه اليومي المزدحم واجتماعاته مع مسؤولي النظام الإسلامي.
الوفاة
اهتزّ العالم في الثامن والعشرين من شهر شوال، سنة (1409هـ)، عند سماعه نبأ وفاة الإمام الخميني (قدس سره) من إذاعة وتلفزيون الجمهورية الإسلامية في إيران، في بيان تليَ مبتدئًا بالآية الكريمة:
(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً) [الفجر: 27-28].
لقد رحل الإمام الخميني (قدس سره) بعد عمر طويل ناهز التسعين سنة، قضاه بالجهاد والصبر والسعي لتحرير الإنسان من الجهل والتبعية للاستعمار والظلم والتخلّف.
وقد شيعه (قدس سره) في العاصمة طهران أكثر من عشرة ملايين مشيّع. ودُفن (قدس سره) بجوار مقبرة “جنة الزهراء” (عليها السلام) جنوب طهران، قريبًا من مقبرة الشهداء، وذلك حسب وصيته (قدس سره). فصار مرقده الشريف مزارًا للعارفين الثائرين، والسائرين على خطه، والمنتهجين نهجه الديني الثوري، ليس فقط في إيران، بل وفي أرجاء المعمورة كلها.