كتاب “سلام على إبراهيم: مذكرات من حياة الشهيد إبراهيم هادي”

✤ مقدمة الترجمة
لطالما ذكّرنا القائد الخامنئي دام ظله بمفاخر جبهتنا وكنوزها؛ وثقافة الحرب وأعلام الخنادق؛ إذ يقول: “هذه الحرب كنز. فهل سنقدر على استخراج هذا الكنز أم لا!؟ هذا هو فنّنا (*)؛ أن نتمكّن من استخراج هذا الكنز، فالإمام السجاد عليه السلام استخرج كنز ساعات عاشوراء المعدودة؛ وكذلك الإمام الباقر والأئمة من بعده عليهم السلام قد استخرجوا جواهر وكنوز من سبقهم، وأجروا مثل هذا النبع الفوّار والذي لا زال جاريًا حتّى الآن، ولطالما كان منشأً للخير في حياتنا، وملقّنًا للدروس وموقظًا لنا على الدوام، ومذكرًا دائماً بما يجب القيام به. والآن الأمر كذلك. فكلّ واحد منا عندما يقرأ أي جملةٍ من كلمات الإمام الحسين عليه السلام التي بقيت ووصلتنا؛ يستذكر، ويشعر أنه يأخذ روحًا جديدة ويتعلّمُ كلامًا جديدًا”.(حديث الولاية؛ ج7؛ص238)
صحيح أنّ نقلَ ما يجري في جبهات الحرب والدفاع المقدّس والكشف عن كنوزها يجب أن يكون وفق الأسلوب العلمي؛ ابتغاء الدقة والأمانة التاريخية، وأن يتّسم بصبغة الأدب ويتّصل بفنون الرواية والكتابة؛ إلّا أن ذلك، في أحيانٍ كثيرة، قد لا يكفي؛ فلا يتقيّد القلمُ بالفنون ..؛ فيجري بما باحت به ألسنة الشهود وذاكرة الرفاق ودموع الإخوة والأهل وحرارة أشواقهم، فعند حديث الشهادة قد يعيا اللسان ويعجزُ القلم. وكما في جبهة السيف؛ أيضًا في ساحة القلم واللسان؛ تمسّ الحاجة إلى الجهاد والصبر والألم والتحمّل وإلى الشهادة، شهادة بيضاء؛ تبهر العيون وتُتِمّ النور ولو كره الكافرون.
✧ هوية الكتاب
الناشر : آماج الاخبارية
لمحة أدبية شاملة عن كتاب “سلام على إبراهيم: مذكرات من حياة الشهيد إبراهيم هادي”
1- تقديم عام للكتاب
كتاب “سلام على إبراهيم” هو عمل سردي توثيقي يروي سيرة وحياة الشهيد الإيراني إبراهيم هادي، الذي استشهد في الحرب الإيرانية والحزب البعث ولم يُعثر على جثمانه. نُشر الكتاب أولاً بالفارسية عام 2010 بعنوان “سلام بر ابرهيم”، وحقق انتشاراً واسعاً إذ بيعت منه أكثر من مليون نسخة ورقية وقراءة أكثر من خمسة ملايين نسخة إلكترونية، ووصل إلى أكثر من 139 طبعة، ليصبح من أكثر الكتب مبيعاً في إيران.
أهمية الكتاب تكمن في كونه نافذة على تجربة إنسانية وتاريخية مميزة؛ فهو ليس مجرد سيرة لشهيد، بل هو “شرح حال رجل ختم بطولاته وشجاعته ومروءته بالحصول على ميدالية الشهادة”. يصوّر الكتاب كنوز ما تسمى “ثقافة الحرب” و”أعلام الخنادق” وفق رؤية ناشريه، مقدماً نموذجاً تربوياً وإنسانياً يُطرح للشباب في مواجهة النماذج “الوضعة” التي تقدمها المجالات الرياضية والفنية في عصرنا، كي “تضيء مصباحاً في الليالي المظلمة”.
أسلوب السرد يعتمد على الرواية الشفوية والتجميع التوثيقي، حيث جاء نتيجة “أكثر من خمسين مقابلة مع عائلة وأصدقاء ومحبي هذا الشهيد”. هذا الأسلوب التعددي في جمع الروايات يمنح المذكرات مصداقية وتنوعاً في الزوايا، مما يؤثر في القارئ ويجعله أمام لوحة إنسانية غنية لشخصية متعددة الأبعاد، وليس مجرد بطولة عسكرية أحادية.
2- محتوى المذكرات والمحطات الرئيسية
يقدم الكتاب حياة إبراهيم هادي من خلال محطات تكشف عن عمق شخصيته الإنسانية والدينية قبل أن تكون العسكرية. ومن أبرز المحطات والمواقف:
- الالتزام الديني والأخلاقي العميق: يُصوَّر إبراهيم كشاب يجمع بين المرح والجدية الروحية. ففي النهار كان “إنسانًا مرحًا وكثير المزاح”، لكنه في الليل “كان يستيقظ قبل السحر ليصلي صلاة الليل” سراً. وكان حريصاً على الصلاة في المسجد، مؤمناً بأن من يختلف إليه يصيب “أخًا مستفادًا في الله، أو علمًا مستطرفًا، أو آية محكمة”.
- القدوة في السلوك الاجتماعي: اهتم إبراهيم بـ تأثيره السلوكي على الآخرين. كان ينصح بتواضع، قائلاً: “تأكد، لا شيء كالسلوك الحسن يؤثر في الناس”. وكان حريصاً على مراعاة المشاعر وصون الكرامة، حتى في تعامله مع الأسرى، حيث كان يعاملهم باحترام ويشاركهم الطعام، مما جعل بعضهم يرفضون المغادرة ويطلبون البقاء معه.
- روح المسؤولية والعطاء: يروي الكتاب كيف كان إبراهيم يوزع راتبه على العائلات الفقيرة دون أن يعلن عن ذلك، ويهتم بمستقبل الأمة من خلال العمل في المدارس، قائلاً: “إذا كنا نريد أن تبقى الثورة راسخة، … علينا أن نبذل جهدنا في المدارس”.
- التحدي والموقف من الأعداء: امتلك إبراهيم نظرة إنسانية حتى نحو الخصم، فكان يكرر: “إن أكثر أعدائنا هم جهلة وغير مدركين، وعلينا أن نريهم الإسلام الحقيقي في تصرفاتنا”. وبدلاً من الإسراع إلى القتل، كان يفكر في أسر الأعداء لإعادتهم إلى جادة الصواب.
- الاستشهاد والفقد المقصود: تتميز نهاية إبراهيم بكونها مجهولة القبر، وهو ما طلبه هو بنفسه كما يُروى، ليبقى مجهول الأثر، مما أضاف بعداً غامضاً ومأساوياً لسيرته.
3- الأسلوب الأدبي واللغة
- لغة السرد: تتميز لغة الكتاب بالميل إلى الخطابية والعاطفية أحياناً، انطلاقاً من طبيعته التربوية والهادفة إلى إلهام الشباب. تستخدم لغة وصفيّة غنية بالصور والتشبيهات، كتشبيه البحث عن القدوات بالنظر إلى “بحر جميل” والبحث عن “اللآلئ” في أعماقه.
- بنية السرد: يعتمد الكتاب أسلوب المذكرات المجمَّعة، حيث تسرد الحكايات من وجهات نظر متعددة (الأهل، الأصدقاء، الرفاق). هذا التعدد في الأصوات الروائية يخلق صورة بانورامية متكاملة للشخصية، تاركاً للقارئ تجميع ملامحها بنفسه. وهو أسلوب قريب من السيرة الذاتية الجماعية.
- الاقتباسات والتضمينات: يُثرِي المؤلف النص باقتباسات دينية وأدبية كثيرة، منها:
- اقتباسات قرآنية حول مضامين الصبر والإخلاص والتضحية.
- أحاديث وأقوال مأثورة عن أهل البيت (وفق المعتقد الشيعي) وعن الإمام علي، لتأكيد القيم التي تجسدها حياة إبراهيم.
- اقتباسات شعرية، كأبيات لحافظ الشيرازي، تضفي عمقاً فلسفياً وجمالياً على السرد.
- الحوار والحدث: يعتمد الكتاب الحوار المباشر ونقل المواقف اليومية العادية والاستثنائية، مما يجعل الشخصية قريبة ومتاحة للقارئ، ويكسر الصورة النمطية للبطل الأسطوري البعيد.
4- اقتباسات مختارة تعبّر عن روح الكتاب
| الاقتباس | السياق والدلالة |
|---|---|
| “يا أخي، قم دائمًا بالأعمال التي يرتضيها الله وليس الناس.” | يلخص هذا القول جوهر إخلاص إبراهيم هادي. كان همه رضا الله في كل صغيرة وكبيرة، مما يجعله نموذجاً للاستقلال الأخلاقي وعدم الانقياد لمدح أو ذم الآخرين. |
| “تأكد، لا شيء كالسلوك الحسن يؤثر في الناس… لنتعلم سلوك الرسول.” | يعكس المنهج التربوي الذي اتبعه إبراهيم. كان يؤمن بأن القوة الناعمة للأخلاق والسلوك هي الأقدر على التغيير والإقناع، مقارنة بالخطاب المباشر أو الأمر والنهي. |
| “إذا كنا نريد أن تبقى الثورة راسخة… علينا أن نبذل جهدنا في المدارس؛ لأن مستقبل البلاد سيتسلمه أفراد لم يعاينوا… أيام الطاغوت.” | يكشف عن بعد النظر والحكمة الاجتماعية والسياسية. فهو يربط بين استمرارية القيم وبين الاستثمار في التربية والتعليم للأجيال الجديدة، مع إدراكه لفجوة التجربة بين الأجيال. |
| “إن أكثر أعدائنا هم جهلة وغير مدركين، وعلينا أن نريهم الإسلام الحقيقي في تصرفاتنا.” | يظهر النظرة الإنسانية المتسامحة والمعقدة تجاه العدو. فهو لا يختزله في شر مطلق، بل يحاول فهم دوافعه (كالجهل)، ويرى أن واجب المسلم هو تقديم النموذج العملي الجذاب للإسلام. |
| “كان يكرر دومًا الآية «وجعلنا». قلت له يومًا: … «لا أعداء هنا». نظر إلي نظرة عميقة وأجابني: «وهل ثمّة عدو أكبر من الشيطان؟» | يكشف عن العمق الروحي والجهاد الأكبر في شخصية إبراهيم. فهو لا يرى التحدي في العدو الخارجي فحسب، بل في صراع النفس والهوى الداخلي، معتبراً إياه المعركة الأساسية. |
5- القيمة الأدبية والإنسانية
- الإثراء الأدبي: يضيف الكتاب إلى المكتبة العربية، وتحديداً في باب “أدب الجبهة” أو “أدب الحرب”، نموذجاً متميزاً يرتفع فوق السرد العسكري المباشر إلى تصوير العالم الداخلي والإنساني للمقاتل. يندرج ضمن سلسلة “سادة القافلة” التي تهدف إلى تقديم نماذج القدوة.
- القيمة التاريخية والاجتماعية: كُتب بلغة عربية رصينة (من خلال الترجمة عن الفارسية) ليحفظ ذاكرة مرحلة تاريخية حرجة (الحرب الإيرانية والحزب البعث) من منظور إيراني، ويعكس القيم والهموم الاجتماعية والدينية لشريحة من الشباب الإيراني في تلك الحقبة.
- التأثير الإنساني والإلهامي: يحقق الكتاب هدفه الإلهامي بشكل لافت، كما يتجلى في ردود الفعل القوية عليه. فقد قال المرشد الإيراني علي الخامنئي عنه: “لقد قرأت كتاباً رائعاً… من الجاذبية بحيث أنها تجتذب الإنسان كما يفعل المغناطيس”. وأثنى على الشخصية المعروفة فيه، داعياً للبحث عن أمثالها. كما أن إحدى القارئات عبرت عن تأثير الكتاب العميق بقولها: “هذا الكتاب اكثر من كونه مجرد حكايا… يختزن بداخله عشرات بل آلاف الدروس!”.
- الدروس المستفادة للقارئ: يقدم الكتاب للقارئ، بغض النظر عن انتمائه، فهماً عميقاً لطبيعة القدوة؛ فهي لا تقتصر على المناصب القيادية العالية، بل يمكن أن توجد في الإنسان العادي الذي يتمسك بقيمه في التفاصيل اليومية. كما يقدم درساً في قوة اللطف والثبات الأخلاقي حتى في أحلك ظروف الحرب، وفي الرؤية الاستراتيجية التي تربط بين السلوك الفردي ومصير المجتمع.
باختصار، “سلام على إبراهيم” هو نصب تذكاري أدبي لشخصية استثنائية، نجح في تحويل سيرة فرد إلى مرآة تعكس قيماً إنسانية عالمية كالإخلاص والتضحية والرحمة والحكمة، مما يجعله عملاً أدبياً مؤثراً يتجاوز سياقه المكاني والزماني المحدد.










