الآثار النفسية للقوة الصاروخية الإيرانية: كيف تعيد حسابات المنطقة؟
باتت القدرات الصاروخية الإيرانية تلعب دوراً حاسماً في المشهد الأمني الإقليمي، لا من خلال الاستخدام الفعلي فحسب، بل عبر التأثير النفسي والاستراتيجي العميق الذي تمارسه على الخصوم.
يشهد الواقع الراهن حالة من القلق المتصاعد داخل الكيان الإسرائيلي وتردداً في القرار الأمريكي، في ظل معادلة ردع أعادت تشكيل مفاهيم الأمن والهشاشة في المنطقة.
انهيار وهم المناعة الإسرائيلية
شكَّلت الحرب التي استمرت 12 يوماً محطة مفصلية كشفت عن هشاشة العمق الاجتماعي الإسرائيلي. لم تكن تلك المواجهة مجرد تبادل لإطلاق النار، بل كانت اختباراً حقيقياً لقدرة المجتمع على الصمود، أسفر عن حالة من القلق الجماعي والخوف المزمن من تكرار الضربة. لقد تحطمت فكرة “المناعة” التي طالما روَّجت لها الدعاية الإسرائيلية، بعد أن أثبتت الهجمات الصاروخية المكثفة – المباشرة منها والتي تنفذ عبر الحلفاء الإقليميين – عجز الجبهة الداخلية عن تحمل مواجهة استنزافية طويلة.

المعادلة الاستراتيجية: إيران والرد متعدد الجبهات
تستند العقيدة الإيرانية المعلنة والخبرة العملية إلى مبدأ الرد متعدد الطبقات والجبهات. وأوضحت طهران بشكل صريح أن أي عدوان ضدها لن يستهدف فقط الطرف المعتدي المباشر، بل سيشمل أيضاً إسرائيل بوصفها الشريك الاستراتيجي. هذا الواقع يضع واشنطن أمام معضلة استراتيجية، حيث إن أي عمل عسكري ضد إيران يعني المخاطرة بضرب القواعد الأمريكية في المنطقة من جهة، وإشعال مواجهة صاروخية مع إسرائيل من جهة أخرى. وتظهر التجربة السابقة أن حتى الهجمات المحدودة يمكن أن تُطلق سلسلة ردود فعل يصعب السيطرة عليها.
الاستنزاف النفسي: السلاح غير المنظور
يتمثل الهدف الاستراتيجي لإيران، بالإضافة إلى إلحاق الدمار المادي، في استهداف “الإرادة الاجتماعية” الإسرائيلية. ويعمل القلق المزمن والتوقع الدائم للضربة على تآكل نسيج الحياة اليومية، وتعزيز الهجرة المعاكسة، وتقويض الثقة بالمؤسسات الأمنية. بمعنى آخر، إن التهديد الحقيقي لتل أبيب لم يعد محصوراً بالصواريخ القادمة فحسب، بل بتوقع تلك الصواريخ الذي ينخر باستقرار المجتمع ليل نهار.
المساعدات الأمريكية: مظاهر القوة أم دلائل الضعف؟
يُفسَّر الإعلان عن بيع أسلحة أمريكية جديدة لإسرائيل بقيمة تتجاوز 6.5 مليار دولار، إلى جانب الوجود البحري العسكري الأمريكي قبالة ميناء إيلات، في سياق أوسع. فهو لا يعكس قوة الكيان الإسرائيلي بقدر ما يكشف عن أزمته الهيكلية واستنزافه النفسي والأمني. تشير التجارب الميدانية، بما فيها حرب الـ12 يوماً، إلى أن تل أبيب تفتقر لقدرة البقاء دون الدعم الأمريكي والأوروبي المباشر. وبالتالي، فإن هذه المساعدات تمثل محاولة لتعويض ضعف داخلي عميق ووقف الانهيار النفسي، في وقت يواجه فيه القرار الأمريكي ضغوطاً داخلية ودولية.
مخاطر التصعيد وضغوط الرأي العام
يُثير أي تصعيد محتمل مخاوف دول إقليمية عديدة، لا تعبر بالضرورة عن تعاطف مع إسرائيل أو أمريكا، بل عن خشية من تدفق عدم الاستقرار الذي قد يعطل خطوط الطاقة والتجارة والأمن في المنطقة بأسرها. هذا العامل الإقليمي، إلى جانب عدم رغبة الرأي العام الأمريكي في خوض حرب مكلفة جديدة، يقيد خيارات واشنطن ويُعقِّد حساباتها. وتُظهر الدعاية الإعلامية والحملات الإدراكية الأمريكية محاولة لخلق واقع ضغط نفسي واقتصادي على إيران وحلفائها.

في موازين القوة النفسية: إيران ليست فنزويلا
أعادت معادلة الردع الإقليمية الجديدة تعريف مصادر القوة، حيث بات العامل النفسي والاجتماعي لا يقل أهمية عن العامل العسكري المادي. تواجه إسرائيل تحدياً وجودياً يتجاوز التهديد الملموس ليصل إلى مجال التوقع والقلق الجماعي المستمر. وفي الوقت نفسه، يجد القرار الأمريكي نفسه محاصراً بين مخاطر التصعيد غير المحسوب وضغوط حليف يشهد تآكلاً في مرونته النفسية والاجتماعية.
في تحليل عميق للواقع الاستراتيجي الإقليمي، حذرت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية من أن أي مواجهة عسكرية مع إيران قد تُكلِّف الولايات المتحدة وحلفاءها ثمناً باهظاً وغير متوقع، مؤكدة أن إيران تشكل تحدياً أكثر تعقيداً وخطورة من فنزويلا، ولا يمكن معالجته بنفس المقاربات أو التوقعات.
الفوارق الجوهرية: القدرات الصاروخية والنفوذ الممتد
أشارت الصحيفة إلى أن التهديدات الأمريكية تجاه إيران تتجاهل فوارق أساسية تجعل منها لاعباً إقليمياً فاعلاً يصعب احتواؤه. حيث تمتلك طهران برنامجاً صاروخياً متقدماً يصل مداه إلى 2000 كيلومتر، مما يمكنها من استهداف مواقع حيوية في عمق المنطقة. والأهم من ذلك، أن نفوذها الممتد عبر غرب آسيا يمنحها القدرة على نقل ساحة المواجهة خارج حدودها الوطنية، ورفع احتمالات تحول أي صراع محدود إلى مواجهة إقليمية شاملة ذات تداعيات غير محسوبة.
تحالفات معقدة وأدوات ردع متعددة
سلط التحليل الضوء على شبكة الحلفاء الإقليميين التي تزيد من تعقيد أي مواجهة محتملة. فبالإضافة إلى العلاقات الوثيقة مع فصائل مقاومة في العراق أعلنت استعدادها للدفاع عن طهران، تمتلك جماعات في اليمن قدرات مؤثرة على الممرات البحرية الحيوية، مما يمنح إيران أدوات ردع متعددة وغير تقليدية. هذه العوامل مجتمعة تخلق واقعاً استراتيجياً مختلفاً كلياً عن حالة دول مثل فنزويلا، وتزيد من مخاطر تفجر عدم الاستقرار عبر منطقة واسعة.
الرد الإيراني: من منطق البقاء إلى استراتيجية التصعيد
كشف التقرير أن القيادة الإيرانية تتعامل مع التهديدات الأمريكية الحالية باعتبارها مسألة وجودية تتعلق بأمن النظام الوطني. وقد حذرت طهران صراحة من أن أي هجوم سيواجه برد قوي وشامل، يشمل استهداف “الكيان الإسرائيلي” والقوات الأمريكية المنتشرة في المنطقة. وتشير الخبرات السابقة إلى أن الضربات الموجهة ضد المنشآت الإيرانية لم تُضعف عزم طهران، بل قد تدفع باتجاه استراتيجيات تصعيدية أكثر جرأة في المرحلة المقبلة.

ضبابية الاستراتيجية الأمريكية وارتباك الأهداف
انتقدت “نيويورك تايمز” غياب الرؤية الواضحة للاستراتيجية الأمريكية من التصعيد الأخير، سواء تعلق الأمر بهدف تغيير النظام في إيران أو كبح برنامجها الصاروخي أو تفكيك ملفها النووي. وأشارت إلى أن الردود المتناقضة من المسؤولين الأمريكيين تعكس ارتباكاً استراتيجياً عميقاً، كما أن العمل العسكري المحتمل قد يفشل في تحقيق تلك الأهداف الطموحة، بل قد يفتح الباب أمام مواجهات ممتدة وعواقب غير مقصودة.
منطق الردع وإعادة الحساب
يخلص التقرير إلى أن سياسة التهديدات العلنية والضغوط القصوى التي تتبعها الإدارات الأمريكية تجاه إيران تحمل مخاطر جسيمة، خاصة في ظل امتلاك طهران ترسانة متكاملة من أدوات الردع التقليدية وغير التقليدية، وشبكة حلفاء إقليميين فاعلين. وتظل الحسابات الاستراتيجية المعقدة، المتمثلة في الثمن الباهظ والنتائج غير المؤكدة لأي مواجهة، عاملاً أساسياً في كبح أي تحول متسرع نحو الصراع العسكري المباشر.
يبقى السؤال الأكبر: من يخشى الحرب حقاً، ومن يستفيد من حالة اللا حرب ولا السلم التي تطحن الاستقرار الإقليمي يومياً؟ هذا الواقع الاستراتيجي المختلف جذرياً عن الحالة الفنزويلية، يفرض على صناع القرار الأمريكي إعادة النظر في مقارباتهم وأدواتهم، في منطقة حيث قد تكون كلفة الحرب أعلى بكثير من أي مكاسب متوقعة، وكيفية التعامل مع معادلة القوة التي بات العامل النفسي فيها سلاحاً لا يقل فتكاً عن الصواريخ نفسها.










