مواكب كتائب سيدالشهداء تحي أربعينية الامام الحسين (ع) في كربلاء








أربعينية الامام الحسين (ع) في كربلاء
بقلم: الشيخ حسين إنصاريان
لقد احتلت الرقم أربعين مكانة خاصة في التشريع الإلهي والتاريخ البشري، فهي سر من أسرار الله تعالى التي وردت في كتابه العزيز، وتكرر ذكرها في سُنَن الأنبياء وأحوال الأمم.
الأربعون في القرآن الكريم
ذكر الله تعالى الأربعين في عدة مواضع، تحمل كل منها معنى عميقاً:
- في قصة موسى (عليه السلام):
﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: 51]، وهي المدة التي كلم الله فيها موسى وأعطاه التوراة. - في عقوبة قوم موسى:
﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 26]. - في سن الكمال البشري:
﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: 15]، حيث يصل الإنسان إلى مرحلة النضج الكامل.
الأربعون في السنة الشريفة
وردت أحاديث كثيرة تُظهر أهمية العدد أربعين:
- قال الإمام الصادق (عليه السلام): “مَن حفظ من شيعتنا أربعين حديثاً؛ بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً، فلم يعذبه”.
- وفي حديث آخر: “إذا مات المؤمن فحضر جنازته أربعون رجلاً من المؤمنين، فقالوا: اللهم إنا لا نعلم منه إلا خيراً، وأنت أعلم به منا، قال الله تعالى: قد أجزت شهادتكم، وغفرت له ما علمت مما لا تعلمون”.
- وقال (عليه السلام): “من قدم في دعائه أربعين من المؤمنين، ثم دعا لنفسه؛ استجيب له”.
بكاء الكون على المؤمن والإمام
- ورد عن أبي ذر وابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): “إن الأرض تبكي على المؤمن أربعين صباحاً”.
- أما بالنسبة للإمام الحسين (عليه السلام)، فقد ورد: “إن السماء بكت على الحسين أربعين صباحاً بالدم، والأرض بكت عليه أربعين صباحاً بالسواد، والشمس بكت عليه أربعين صباحاً بالكسوف والحمرة، والملائكة بكت عليه أربعين صباحاً”.
عادة الأربعين عبر الحضارات
لم تختص مسألة إحياء ذكرى الأربعين بالمسلمين فقط، بل:
- النصارى يقيمون حفلة تأبينية يوم الأربعين من وفاة فقيدهم.
- اليهود يعيدون الحداد بعد ثلاثين يوماً، وتسعة أشهر، وعند تمام السنة.
كل هذه الشعائر تؤكد أن إحياء الذكرى بعد أربعين يوماً أمر فطري إنساني.
زيارة الأربعين للإمام الحسين (عليه السلام)
إذا كانت هذه مكانة الأربعين في الشرائع، فكيف بمن هو سيد الشهداء وإمام المتقين؟
الأدلة على مشروعيتها:
- من علامات المؤمن: قال الإمام العسكري (عليه السلام): “من علامات المؤمن خمس: صلاة الإحدى والخمسين، وزيارة الأربعين…”.
- وقت الزيارة: عن الإمام الصادق (عليه السلام): “تزور عند ارتفاع النهار”.
قصة زيارة جابر بن عبد الله:
خرج جابر بن عبد الله الأنصاري مع عطية العوفي لزيارة قبر الحسين (عليه السلام)، وعندما وصل إلى كربلاء، اغتسل وائتزار، ثم توجه إلى القبر وهو يذكر الله، حتى خرَّ على القبر مغشياً عليه.
وعندما سأله عطية: كيف نشترك في أجرهم ولم نحضر الواقعة؟
أجاب جابر: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: “من أحب عمل قوم؛ أشرك في عملهم”.
معاني ودلالات زيارة الأربعين
- رسالة مقاومة: هي صرخة مدوية ضد الظلم والطغيان عبر العصور.
- تجديد العهد: تجديد البيعة للإمام الحسين (عليه السلام) ونهجه.
- تواصل الأجيال: إظهار الاستمرارية في نصرة القضية الحسينية.
- الفوائد الروحية: تقوية الإيمان والارتباط بأهل البيت (عليهم السلام).
- الفوائد الصحية: خاصة في الزيارة مشياً على الأقدام.
بكاء الأئمة على الحسين (عليه السلام)
- الإمام زين العابدين (عليه السلام): بكى على أبيه ثلاثين سنة.
- الإمام الصادق (عليه السلام): كان يبكي عند تذكر المصيبة ويستنشد الشعر في رثائه.
- الإمام الكاظم (عليه السلام): إذا دخل شهر محرم لا يُرى ضاحكاً.
- الإمام الرضا (عليه السلام): “إن يوم الحسين أقرح جفوننا، وأسال دموعنا”.
زيارة الأربعين المباركة
زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) يوم الأربعين:
يُزار عند ارتفاع النهار بهذه الزيارة الخاصة التي تبدأ:
“السلام على ولي الله وحبيبه، السلام على خليل الله ونجيبه…”
ثم يصلي الزائر ركعتين ويدعو بما يشاء.
خاتمة: دروس وعبر
زيارة الأربعين ليست مجرد عادة أو تقليد، بل هي:
- وفاء للعهد الذي قطعه المؤمنون على أنفسهم.
- تأكيد على استمرارية النهج الحسيني.
- إعلان أن دم الحسين (عليه السلام) لم ولن يذهب هدراً.
- تجسيد لحقيقة أن القيم الإلهية باقية ما بقي الليل والنهار.
فحري بنا أن نحيي هذه الذكرى العظيمة، ونجدد العهد مع إمامنا الحسين (عليه السلام)، لنكون من الموالين له حقاً، والذابين عن حياض دينه ومبادئه.











