“شطرنج الخليج: ترامب يحرق آخر أوراقه في ‘لعبة (الجبناء) أو (الدجاجات)’ الخاسرة مع إيران”
على رقعة شطرنج الخليج الممتدة من مياه الخليج الفارسي إلى سواحل بحر عمان، تتراصف قطع الصراع الإيراني-الأمريكي في مشهد دراماتيكي يعيد إلى الأذهان أشرس جولات الحرب الباردة في المنطقة.
فبينما يرفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سقف التهديدات، وينقل قطعاً عسكرية ضخمة كالقلاع على هذه الرقعة الجغرافية-السياسية، ثمة ما يحدث خلف الكواليس يناقض تماماً منطق القوة الذي يحاول الترويج له.
في هذه المعركة المعقدة، لا يبدو ترامب وكأنه اللاعب المهيمن الذي اعتاد الجمهور رؤيته، بل كقائد يحرق أوراقه الأخيرة الواحدة تلو الأخرى في لعبة لم يعد يحسن قراءة قواعدها. ما يجري في ممرات البنتاغون الضيقة، وفي جلسات مجلس الأمن القومي المغلقة، وفي تقارير الاستخبارات الأمريكية المقلقة، يرسم صورة مختلفة تماماً عن صورة “الرجل القوي” الذي يواجه إيران: صورة رئيس يواجه فيتو عسكرياً داخلياً، ونائباً يعترض، ووزير خارجية منشغلاً بقضايا أخرى، وجنرالات يحذرون من استنزاف مخزون الصواريخ الدفاعية في حرب قد تطول.
هذا التحليل المتعمق يفكك خيوط “لعبة الجبان” التي يمارسها ترامب على رقعة الخليج، ويكشف لماذا تتحول هذه اللعبة -التي راهن عليها دائماً لكسر الخصوم- إلى فخ استراتيجي ينقلب على صانعه هذه المرة. من دروس حرب الأيام الـ12، إلى حسابات الانتخابات النصفية، ومن صواريخ الحوثي في باب المندب إلى مخاوف انهيار أسعار النفط، نرسم خريطة كاملة للعبة الشطرنج الأكثر تعقيداً في غرب آسيا اليوم، والتي تقترب قطعها من نهاية اللعبة، ولكن ليس بالضرورة بالنهاية التي توقعها ترامب.
لعبة (الجبناء) أو (الدجاجات) التي يمارسها ترامب في حرب الإرادات مع إيران
تشير المعطيات المختلفة إلى أن إدارة دونالد ترامب تسعى، في إطار حرب الإرادات الدائرة، إلى دفع إيران إلى الركوع والاستسلام.
ثمة مؤشرات متعددة تفيد بأن الإدارة الأمريكية برئاسة ترامب، وعلى الرغم من تهديداتها العلنية ضد إيران وحشدها العسكري الكبير في منطقة غرب آسيا، لم تتخذ بعد القرار النهائي بشن عمل عسكري. بل تسعى في المقام الأول إلى استغلال هذه التحركات كورقة في ما يشبه “لعبة الجبان” بهدف إرغام طهران على الخضوع.
ما هي نظرية “لعبة الجبان”؟
تستند نظرية “لعبة (الجبناء) أو (الدجاجات)” (Game of Chicken) إلى مبدأ قوامه وجود حالة افتراضية بين لاعبين متنازعين أو متنافسين على موارد. يحاول كل طرف، مستخدماً كل الأدوات والإمكانات المتاحة له، التظاهر بأنه مستعد لأسوأ السيناريوهات المحتملة، بهدف بث الرعب في قلب الخصم وإجباره على الانسحاب من الميدان.
يعود أصل التسمية إلى لعبة شوارع حيث يتجه سائقان بسرعة عالية نحو بعضهما البعض من اتجاهين متعاكسين على طريق واحد. على أحد السائقين أن يقرر الانحراف عن مساره قبل فوات الأوان، وإلا فسيصطدم العجلان ويموت الاثنان معاً.
في السيناريو الذي يستسلم فيه أحد السائقين ويحيد بمركبته عن المسار، يعتبر خاسراً ويوصف بـ “الجبان” بسبب ردة فعله التي أدت إلى الهزيمة. أما السائق الآخر الذي واصل طريقه فيُعتبر فائزاً لأنه نجح في إجبار منافسه على الانسحاب. من الطبيعي أن أي طرف يعتقد أن الطرف المقابل جبان وسينحني عن المسار، فسيواصل التقدم في طريقه دون تردد.
لقد استخدم ترامب هذه التكتيكات مراراً خلال ولايته الرئاسية الأولى، سواء ضد إيران أو غيرها من الدول. كان يسعى دوماً لإظهار نفسه كرجل مجنون، فقد صوابه ومستعد لتجربة أكثر الخيارات تطرفاً لدفع الخصم إلى التراجع.
إعادة اختبار “لعبة الجبان” في حرب الإرادات مع إيران
فيما يخص إيران، على سبيل المثال، قام ترامب في أيار/مايو 2019 (خلال ولايته الأولى) بإرسال حاملات طائرات وقاذفات من طراز B-52 إلى المنطقة، وسعى من خلال مناورات إعلامية دعائية للتظاهر بأن المواجهة العسكرية مع إيران ممكنة في أي لحظة.
إن تجميع مجموعة من الشواهد والحجج يظهر أن هذه المرة أيضاً، ورغم عدم استبعاد نشوب حرب بشكل كامل، إلا أن شكوكاً جدية تسود الأوساط السياسية والعسكرية الأمريكية حيال ذلك. يبدو أن الهدف الأول لترامب من إرسال هذه المعدات إلى المنطقة هو دفع إيران لتقديم تنازلات كبرى في المفاوضات دون الدخول في صراع عسكري.
تصريحات ستيفن ويتكوف، المبعوث الخاص لترامب، الذي قال إن ترامب مندهش من عدم استسلام إيران بعد رغم هذا الحشد العسكري الكبير، تُظهر أن هدف ترامب من التحركات العسكرية في الأسابيع الماضية كان خلق تصور بوجود حرب بهدف تغيير حسابات إيران.
جوانب التردد الأمريكي في العمل العسكري ضد إيران
أحد الجوانب الرئيسية لهذا التردد يكمن في التقييمات العسكرية الداخلية. فقد ذكر موقع “أكسيوس” أمس أن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، الجنرال دن كين، حذّر في جلسات داخلية ترامب ومجلس الأمن القومي من أن عملية واسعة ضد إيران قد تؤدي إلى وقوع خسائر بشرية في صفوف الأمريكيين وحلفائهم، كما أنها ستستهلك بسرعة مخزونات الذخائر الحيوية مثل صواريخ الدفاع الجوي “ثاد” و”باتريوت”، وتزيد من خطر نشوب صراع طويل الأمد.
ووفقاً للتقارير، فإن الإنتاج السنوي لهذه الذخائر لا يتجاوز بضع مئات فقط، وقد يستغرق تعويض كل صاروخ مدة تصل إلى سنتين، مما يعقّد العمليات بشكل أكبر.
إضافة إلى ذلك، تواجه الولايات المتحدة دعماً غير كافٍ من حلفائها الإقليميين لشن حرب جديدة، كما أن ضرورة ضرب مئات الأهداف في بلد تبلغ مساحته ثلاثة أضعاف مساحة العراق ترفع منسوب المخاطر.
تشير التقارير إلى أنه لم يتم حتى الآن تحقيق أي توافق في الآراء بين كبار مستشاري ترامب بشأن الحرب. فقد أظهرت العديد من التقارير في وسائل الإعلام الأمريكية أن جي. دي. فانس، نائب ترامب، أعرب خلال المشاورات الداخلية في الأيام الأخيرة عن مخاوفه بشأن تبعات الانخراط في أزمة طويلة الأمد.
فقد كتب موقع “أكسيوس” في تقريره أمس أن فانس طرح أسئلة جدية، متحدياً بذلك تعقيدات ومخاطر العملية العسكرية. إلى جانبه، يبدو أن ماركو روبيو، وزير الخارجية، بات مهمشاً عملياً بدلاً من اتخاذ موقف حاسم بتأييد أو معارضة الهجوم. فروبيو، الذي كان دائم التشدق بمواقف متصلبة ضد إيران سابقاً، ركز جهوده في الأسابيع الأخيرة على قضايا فنزويلا وكوبا.
تعقيدات خاصة أمام ترامب
ما يزيد المسألة تعقيداً بالنسبة لترامب هو الملفات الداخلية الأمريكية مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية. لقد أشار خبراء مثل ريتشارد هاس من مجلس العلاقات الخارجية إلى أن الحرب مع إيران قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وتؤثر على الاقتصاد الأمريكي، خاصة وأن التضخم لا يزال الشاغل الرئيسي للأميركيين.
من ناحية أخرى، لا يزال الأميركيون غير متأكدين مما قد يحدث إذا أدى عملهم العسكري في إيران إلى فراغ في السلطة. أحد المخاوف التي أعربوا عنها صراحة هو أنه ليس من الواضح ما إذا كانت جماعات أكثر عداءً لأميركا قد تحل محل القادة السياسيين الحاليين في إيران حتى لو تمت إزالتهم.
على سبيل المثال، قال ماركو روبيو، وزير خارجية الإدارة الأمريكية، في جلسة استماع عقدت في مجلس الشيوخ قبل بضعة أسابيع، بعد أن شرح نجاح العملية الأمريكية في فنزويلا، إن المسألة مع إيران “أكثر تعقيداً بكثير وأوسع نطاقاً، لأننا في إيران نتعامل مع من كانوا هناك وحكموا لسنوات طويلة”. كما أضاف أنه لا أحد يعلم ما الذي سيحدث بعد ذلك إذا حدث انقلاب في إيران.
دروس حرب الأيام الـ12
تعد تجربة حرب الأيام الـ12 بين إيران والكيان الموقت الصهيوني في حزيران/يونيو وتموز/يوليو من العام الجاري أحد العوامل المؤثرة في هذه التقييمات. ففي ذلك النزاع، ورغم تعرض الجمهورية الإسلامية لاغتيال قادتها العسكريين، تمكنت بسرعة من استعادة توازنها والرد بقوة على الهجمات الإسرائيلية. علاوة على ذلك، تسببت تلك الحرب، خلافاً لتخطيط أميركا والكيان الصهيوني، في توحيد المجتمع الإيراني خلف النظام.
استهدفت أميركا في المراحل النهائية ثلاثة مواقع نووية إيرانية رئيسية مثل فردو وأصفهان ونطنز، وادعى ترامب تدمير البرنامج النووي الإيراني. ولكن حتى رافاييل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، نفى هذا الادعاء، قائلاً إن البرنامج النووي الإيراني تضرر لكنه قابل للاسترداد وإعادة البناء.
يعلم الأميركيون، استناداً إلى تجربة تلك الحرب، أن هجومهم المحتمل سيواجه برد فعل حتماً؛ رد فعل سيكون هذه المرة أوسع نطاقاً بكل تأكيد؛ سيشمل إسرائيل، وقواعدهم في المنطقة، وجميع مصالحهم في البر والبحر والجو.
خبراء غربيون مثل جوزيف فوتيل، الجنرال المتقاعد بالجيش الأميركي، قالوا في الأشهر الماضية إن تجربة تلك الحرب أظهرت أن العمليات المحدودة يمكن أن تتحول إلى صراع استنزافي دون تحقيق الأهداف النهائية مثل تغيير النظام.
أحد الأسباب الأخرى لتردد الأميركيين هو المخاطر الجيوسياسية. فإغلاق إيران لمضيق هرمز يمكن أن يرفع أسعار النفط إلى أكثر من 100 دولار ويعطل الاقتصاد العالمي، كما أن فقدان مليون برميل يومياً من النفط الإيراني يعني أن سعر هذه السلعة يمكن أن يرتفع بشكل باهظ. ناهيك عن أن دعم أنصار الله اليمني لإيران يمكن أن يعطل التجارة البحرية في باب المندب، الذي يمر عبره 12% من إجمالي التجارة البحرية للنفط في العالم.
وبالتالي، يبقى هذا التقييم قائماً: نظم الأميركيون تحركاتهم الإعلامية وحتى العسكرية في المقام الأول بهدف دفع إيران للاستسلام، والقتال ليس هو هدفهم الأساسي. في ظل هذه الظروف، ما يمكنه تحويل الحرب من خيار ثانوي إلى أولي هو إظهار أي علامة ضعف من قبل إيران في حرب الإرادات التي تشنها الإدارة الأمريكية.


