آخر الأخبارالمقالات

إيران تصنع الانتصار: كيف قلبَت ورقة التفاوض رأساً على عقب في مواجهة الضغوط الأمريكية؟

ما تقرأهُ في هذا الخبر 🔻

من قلب أزمة دولية طاحنة، وفي خضم تصعيد عسكري غير مسبوق، تخرج إيران بخطوة دبلوماسية جريئة تُعيد كتابة قواعد الصراع في المنطقة. لم تنتظر طهرانُ الضغوطَ الدولية لتحديد مسارها، بل فرضَت واقعاً جديداً: تفاوض على طاولتها، بشروطها، وضمن أولوياتها.

فبينما تبحث واشنطن عن مخرج سياسي من مأزقها الاستراتيجي، تقود طهران دفة الأحداث من موقع القوة، محوّلة المسار من أزمة نووية إلى اختبار حاسم لإرادة المقاومة والصمود.

هذا هو المشهد الذي تقدمه مفاوضات مسقط، حيث تتحول الدبلوماسية إلى ساحة جديدة لصراع الأجيال، وتُعلن إيران للعالم أنها ليست طرفاً في الأزمة، بل صانعة للقرار وصاحبة الكلمة العليا.

قبل ساعات من انطلاق المحادثات في مسقط، بدا المشهد وكأنه حُسم لمصلحة إيران منذ البداية. فرفض طهران القاطع لأي أجندة خارج الملف النووي، وإصرارها على نقل مكان التفاوض إلى عُمان، وتوقيت الإعلان الرسمي عن الاجتماع، كلها رسائل واضحة: الدبلوماسية الإيرانية لا تتعامل بردود الفعل، بل تفرض الوقائع. وهذا ليس مفاجئاً لمن يتابع مسيرة الثورة الإسلامية التي حوّلت التحديات إلى فرص، والعقوبات إلى محركات للاكتفاء الذاتي، والتهديدات إلى منصات للابتكار العسكري والتقني.

بين الموقف الصلب والرفض القاطع.. إيران تبدأ مفاوضات غير مباشرة مع أمريكا في عُمان
إيران تكسب المعركة قبل المعركة

السر في القوة التفاوضية الإيرانية لا يكمن في قاعة المحادثات فحسب، بل في ساحات المواجهة الأوسع. فالقدرات الصاروخية المتطورة، والتحالفات الإستراتيجية مع محور المقاومة، والسيطرة على بوابات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، والشراكات الدولية مع قوى كبرى مثل روسيا والصين، كلها تشكل “حزمة ردع” متكاملة جعلت من أي مغامرة عسكرية ضد إيران كابوساً استراتيجياً لأمريكا وحلفائها. هذا هو المنطق الذي حوّل مسار الأزمة: فإيران لم تأتِ إلى طاولة المفاوضات خائفة، بل جاءت وهي تعلم أن الخصم هو من يخشى المواجهة.

وسط هذا المشهد المعقد، تبرز سلطنة عُمان كطرف وسيط نزيه يحظى بثقة جميع الأطراف. فخبرة مسقط الطويلة في الجسر الدبلوماسي، وحيادها الإقليمي، وقدرتها على توفير مساحة آمنة للحوار السري والجاد، جعلتها الملاذ الأخير لإنقاذ العملية التفاوضية من الانهيار. هذه الثقة ليست وليدة اليوم، بل نتاج سياسة عُمانية حكيمة تعتمد على الحوار وتجنب المحاور، مما يعطي مفاوضات مسقط فرصة حقيقية قد لا توفرها عواصم أخرى.

رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد باقري إضافة العديد من المعدات القيمة إلى القوات البحرية التابعة للجيش الإيراني
عندما تكون الدبلوماسية امتداداً للمواجهة بوسائل أخرى

المتابع للخطاب الإيراني يلحظ تركيزاً واضحاً على مفهوم “الدبلوماسية المدعومة بالجاهزية”. فطهران لا تنظر إلى المفاوضات كبديل عن الاستعداد العسكري، بل كوجه آخر من أوجه الصراع. وهذا النهج المتكامل هو ما يجعل موقفها التفاوضي صلباً: فكل كلمة في قاعة المحادثات تُقال وهي مدعومة بقوة على الأرض، وكل مطلب يطرح وهو محمي بقدرة على الرد حال فشل الحوار. إنها معادلة واضحة: التفاوض من موقع القوة، والحوار مع حارس البوابة مفتوحة.

في الخلفية، يقف حلفاء إيران في المنطقة شاهدين على نجاح النموذج الإيراني في تحويل التحديات إلى مصادر قوة. وفي الجهة المقابلة، يترقب الخصوم بقلق تحول ميزان القوى لصالح محور المقاومة. فالنجاح الإيراني في فرض شروط التفاوض ليس انتصاراً لإيران وحدها، بل رسالة لكل دول المنطقة: الاستقلال في القرار والسيادة على الثروات والموارد هو الطريق الوحيد للخروج من الهيمنة الخارجية.

تبقى مفاوضات مسقط محطة في صراع طويل، لكنها محطة فارقة تثبت فيها إيران مرة أخرى أنها لاعب إقليمي ودولي لا يمكن تجاوزه أو تجاهله. فمهما كانت نتائج هذه الجولة، فإن الرسالة الأهم قد وصلت: إيران قادرة على حماية مصالحها وشروطها، وهي تدخل أي حوار من بوابة القوة والمنطق، لا من بوابة الضعف والتنازل. وهذا في حد ذاته انتصار دبلوماسي وسياسي يضاف إلى سجل الثورة الإسلامية الحافل بتحويل المستحيل إلى ممكن، والأزمات إلى فرص، والتهديدات إلى منصات للقوة والتقدم.

تتجه الأنظار إلى العاصمة العمانية مسقط، حيث تلوح في الأفق لقاءات محتملة، بينما تخيّم شبكة معقدة من التحديات على المشهد الإيراني الأمريكي. وفي الوقت الذي تصر فيه طهران على مفاوضات محصورة في الملف النووي ومبنية على “الندية والكرامة”، تحاول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتزاع تنازلات استراتيجية تشمل الملف الصاروخي والنفوذ الإقليمي. هذا التجاذب يضع المنطقة أمام خيارين: إما تسوية دبلوماسية عسيرة، أو انفجار عسكري تلوح فيه نذر التصعيد.

بعثة إيران لدى الأمم المتحدة
الموقف الإيراني الثابت

في هذا الإطار، أوضح الكاتب والإعلامي، خليل نصر الله، أن إيران لا تزال متمسكة بخطوطها الحمراء الواضحة، خاصة فيما يخص برنامجها النووي السلمي وحقها في التخصيب. وأشار نصر الله في حديثه لقناة “المسيرة” إلى أن مراهنة الجانب الأمريكي على انتزاع تنازلات في ملف الصواريخ الباليستية أو النفوذ الإقليمي الإيراني هو ضرب من “الوهم”، مؤكداً أن هذه الملفات تشكل جزءاً أصيلاً من السياسة الدفاعية وسيادة طهران الاستراتيجية.

ولفت إلى أن الرهانات الأمريكية على تأثير العقوبات في إحداث شرخ بالجبهة الداخلية الإيرانية لم تُثمر، وأن الرد الإيراني الميداني والسياسي المتزن هو ما دفع واشنطن للتراجع عن سقف مطالبها العالي. كما بيّن نصر الله أن إيران، رغم انفتاحها على المسار الدبلوماسي، تحافظ على جاهزيتها العسكرية الكاملة، محذراً من أن أي خطأ في التقدير الأمريكي قد يُشعل انفجاراً إقليمياً شاملاً، خاصة مع امتلاك طهران أوراق ضغط استراتيجية مثل مضيق هرمز وقدرتها على استهداف عمق الكيان الإسرائيلي.

اليمن يعلن استهداف حاملة طائرات أمريكية وأهداف إسرائيلية بطائرات مسيرة وصواريخ مجنحة
فشل سياسة الابتزاز الأمريكي

من جهته، وصف الخبير في العلاقات الدولية، الدكتور علي بيضون، التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الأمريكي بأنها محاولة أمريكية “للمناورة والنزول عن الشجرة” بعد فشل سياسات القوة. وأوضح بيضون في حديثه لقناة “المسيرة” أن استعداد واشنطن للتعامل مع إيران دون تصوير ذلك كـ”تنازل” هو اعتراف مبطن بإخفاق مشروعها لـ”ليّ ذراع طهران”.

وأكد أن إيران لم تعد دولة يمكن الاستفراد بها، لا سيما بعد تطويرها لقدرات دفاعية هائلة في مجالات الدفاع الجوي والصواريخ فائقة الصوت، وتعاونها العسكري المتنامي مع روسيا والصين، مما غيّر معادلات القوى. كما حذّر بيضون من إمكانية استخدام المسار الدبلوماسي كغطاء لعملية عسكرية مباغتة، مشدداً على أن الجاهزية العسكرية الإيرانية الدائمة هي الضمانة الوحيدة لردع مثل هذا السيناريو.

تزداد تعقيداً المعضلة الاستراتيجية الأمريكية في الملف الإيراني، فبالإضافة إلى التكاليف العسكرية الباهظة، تدرك واشنطن أن أي مغامرة عسكرية ضد طهران ستفتح الباب على مصراعيه أمام صعود الصين كلاعب عالمي منافس. وفي هذا السياق، قال الكاتب والباحث السياسي جواد سلهب: “مجرد دخول أمريكا في معترك حرب مع إيران سيعطي الفرصة الحقيقية للصين للصعود، وهي تدرك أن عدواها الحقيقي هي الصين وليست الجمهورية الإسلامية”.

وأوضح سلهب أن أي حرب محتملة لن تحقق أهدافها بسهولة، ولن تتمكن واشنطن من شل النظام الإيراني من الضربة الأولى، محذراً من ارتدادات عكسية ستطال المصالح الأمريكية في المنطقة، في إشارة إلى قدرة إيران على الرد الاستراتيجي. كما أشار إلى أن المعادلة القائمة هي “الأمن مقابل الأمن”، وأن أي عدوان إسرائيلي على إيران سيكون له تداعيات وجودية على الكيان الإسرائيلي نفسه.

عادت المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى مسارها المُقرّر في مسقط، بعد أيام من البلبة بسبب تسريبات أمريكية عن إلغائها. وجاء ذلك عقب رفض طهران القاطع مناقشة أي ملف آخر سوى الملف النووي في هذه الجولات. وقال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إن “المحادثات النووية مع الولايات المتحدة ستُعقد عند العاشرة صباحًا يوم الجمعة”، مشيداً بدور سلطنة عُمان في الترتيب للقاء.

وكانت تسريبات قد نقلت عن مسؤولين أمريكيين رفض واشنطن طلباً إيرانياً بنقل المحادثات من إسطنبول إلى مسقط وإجرائها بشكل ثنائي لضمان تركيزها على الملف النووي وحده، بعيداً عن قضايا الصواريخ التي تريد الولايات المتحدة إدراجها. غير أن ضغوطاً مكثفة من قادة عرب ومسلمين دفعت إدارة ترامب للعودة عن قرار الإلغاء، احتراماً لحلفائها وتفادياً لإغلاق الباب الدبلوماسي.

وفقاً لمصادر إيرانية مطلعة، تُبدي طهران ثقة كبيرة بالدور الذي تلعبه سلطنة عُمان كوسيط نزيه. وتوفر مسقط، بحسب هذه المصادر، أجواءً أكثر ملاءمة لمفاوضات حساسة وسرية، بعيداً عن الضغوط الإعلامية والأجواء الدعائية التي قد تُستخدم للتأثير في مسار التفاوض. هذا لا يعني تجاهل الجهود الإقليمية الأخرى، مثل المساعي التركية، لكن طهران لا تُبدي حماسة لتحويل المفاوضات إلى اجتماع إقليمي واسع، خشية أن يتحول إلى “استعراض سياسي” يُضعف جديتها.

على الأرض، استمر الطرفان في استعراض قدراتهما حتى أثناء الاستعداد للدخول في مسار تفاوضي. فقد شهد بحر العرب ومضيق هرمز حوادث متزامنة، حيث أعلنت واشنطن إسقاط طائرة مسيرة إيرانية اقتربت من حاملة طائرات أمريكية، بينما نفت طهران ذلك. وفي الوقت ذاته، زعمت الولايات المتحدة محاولة زوارق إيرانية احتجاز ناقلة نفط أمريكية، وهو ما نفته طهران أيضاً.

وبالتوازي، نشرت وكالات إيرانية صوراً لزيارة قادة عسكريين رفيعي المستوى لإحدى “المدن الصاروخية” التابعة للحرس الثوري، لتقييم مستوى الجاهزية القتالية. كما تحدثت تقارير عن اتخاذ “قرارات مهمّة” على المستويين الهيكلي والإداري في القطاع الدفاعي الإيراني، بهدف تعزيز الكفاءة والتماسك لمواجهة التهديدات الجديدة.

تجمع التحليلات على أن المرحلة المقبلة هي “صراع إرادات” بامتياز؛ فإيران تدخل المفاوضات من موقع القوة والندية، مستندة إلى معادلة “الأمن مقابل الأمن”. وفي المقابل، يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه في سباق مع الزمن لتحقيق انتصار سياسي يخفف عنه كلفة الحرب الباهظة، في ظل بيئة دولية وإقليمية لم تعد تحتمل سياسات الضغط والابتزاز. وتكشف التطورات الأخيرة أن معادلة الردع الإيرانية نجحت في فرض حسابات معقدة على واشنطن، مما يجعل خيار الحرب، رغم ترديد تهديداته، خياراً بالغ التكلفة على جميع المستويات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى