الكتب الثقافية

کتاب فاجعة المطار

ابي لواء البهادلي

فاجعة المطار

يتناول في هذا الكتاب أدق التفاصيل عن تلك الليلة ، وعن مرافقي الحاج المهندس الذين نالوا وسام الشهادة معه

عندما أشاهد الصور أتذكر كل تلك التفاصيل التي دونتها بكتاب فاجعة المطار، عن تلك الليلة التي رحل فيها أملنا والأمل.
هنا بقية أقدام محمد رضا الجابري، وهناك على مقود العجلة بقية أيادي محمد الشيباني.
خلف الجابري كان يجلس ضيفنا العزيز، وخلف الشيباني كان يجلس العراق بأكمله.


شعرت بأن أيادي الشهداء المقطعة هي من تأخذ بيدي من أجل أن أكتب عن تلك الأحداث والليلة الدامية؛ لتطلع عامة الناس على مظلوميتهم في هذا الكتاب الذي وسمته بـ (فاجعة المطار) كنت بأمل قبل أن أنهي هذا الكتاب أن يؤخذ الثأر، وأكتب في كتابي هذا قصة بعنون الثأر، وأبقى أتحدث عن تفاصيل الثأر، وكيف أخذ وماذا حقق لنا من ثمرات. لكن للأسف انتهى الكتاب ولم يؤخذ الثأر..

في فجر الثالث من كانون الثاني (يناير) 2020، هزّت فاجعة مروعة ضميرَ العالم، حين استُشهد قادة بارزون من قوى المقاومة في العراق، وعلى رأسهم الفريق الشهيد الحاج قاسم سليماني والشهيد الحاج أبو مهدي المهندس، في هجوم بطائرة مسيرة قرب مطار بغداد الدولي. هذه الحادثة لم تكن مجرد خبر عابر على شاشات التلفاز؛ بل كانت نقطة تحول تاريخية، وزلزالاً سياسياً وأمنياً، وجرحاً عميقاً في قلب أمّة.

يأتي كتاب “فاجعة المطار” للأديب والمؤرخ أبي لواء البهادلي ليسجّل هذه اللحظة المفصلية، لا كتقرير إخباري جاف، بل كرواية إنسانية شاملة تجمع بين دقة التوثيق وعمق التحليل ودفء المشاعر. يُقدّم الكاتب، وهو كاتب معروف بتوثيقه لسير الشهداء كما في كتابه “سليماني منا أهل العراق”، هذا العمل كـ”تجميع وتنسيق” لرواية الحدث من زواياه المتعددة، ليخلد ذكرى الشهداء ويحفظ تفاصيل الليلة التي رُفعت فيها أرواحهم إلى السماء.

يعتمد الكتاب على أسلوب سردي مركب، يجمع بين التسلسل الزمني الدقيق للحدث، واستحضار السيرة النضالية للشهداء، والشهادات الحية والصور المعبرة.

  • تفاصيل الليلة المروعة: يغوص الكتاب في الدقائق الأخيرة التي سبقت الحادث وأعقبته، محاولاً إعادة بناء المشهد بأكبر قدر من التفاصيل، مستنداً إلى ما هو متاح من تقارير ومعلومات، ليرسم صورةً واضحة عن حجم الفاجعة.
  • البعد الإنساني للشهداء: لا يقتصر الكتاب على سرد الحدث، بل يُضيء على الجانب الشخصي والقيادي للشهداء. وهو نهج اعتاد عليه البهادلي، كما ظهر في كتابه “منهل الجهاد” الذي قدّم من خلاله صورة حميمة عن شخصية الحاج حاتم أبو منتظر، بعيداً عن الصورة الإعلامية الرسمية. يُبرز الكتاب، مثلاً، تواضع الشهيد أبو مهدي المهندس من خلال قصص مثل تفقده لأعمال إعمار مرقد الإمامين العسكريين وكتابته اسمه “كجندي” على طابوق القبة.
  • التوثيق بالصور والنصوص: يحتوي الكتاب على مجموعة من الصور غير المتداولة إعلامياً، تظهر لحظات من حياة الشهداء، كصورة للحاج أبو مهدي المهندس بعد أداء مناسك الحج عام 1998. كما يضم نصوصاً شعرية ونثرية تُعبّر عن سموّ الروح وفداحة الفقد، مثل الأبيات الشعرية التي تتصدر الإهداء: “صباحُكَ بينَ أضلاعي حنونٌ… كَوَقعِ الغيثِ في فصلِ الجفافِ”.

على الرغم من أن النتائج البحثية لا تحتوي على اقتباسات نصية مباشرة من كتاب “فاجعة المطار”، إلا أن أسلوب أبي لواء البهادلي وروح كتاباته الأخرى تسمح لنا باستشراف نمط خطابه العميق. فهو يكتب بلغة تجمع بين الوجدان الصادق والحكمة المستفادة من المأساة:

“إن العظمة هي أن ينهض المرء للجهاد في سبيل الله ويقدم روحه ثمناً لذلك، دون أن تغره الشعارات السياسية، والغرور الشيطاني، وهنا تكمن عظمة الرجال الربانيين…”.

“نرجع لنأخذ القوة من مناسبة الشهداء… عندما يقف الإنسان أمام مناسبة الشهداء يستشعر بأن هناك مسؤوليات كبيرة يتحمّلها ويجب عليه أن يقف مسؤولاً أمامها”.

يسعى الكتاب لتحقيق عدة أهداف عميقة تتجاوز مجرد السرد التاريخي:

  • التأريخ والتخليد: الهدف الأساسي هو توثيق الحدث للأجيال القادمة، وضمان ألاّ تطوي صفحة النسيان تضحيات رجال سطّروا تاريخاً جديداً للمنطقة. وهو جهد يواصل فيه البهادلي مشروعه في حفظ “آثار الشهداء القادة”.
  • التوعية وإعادة القراءة: يدعو القارئ إلى إعادة قراءة الحدث بعين التأمل والتحليل، لفهم أبعاده الجيوسياسية وأسبابه البعيدة، بعيداً عن التلقي السلبي للأخبار.
  • استلهام العبر والدروس: يحوّل الكتاب المأساة إلى منبع للإلهام وقوة دافعة. فهو يشدد على أن ذكرى الشهداء ليست للبكاء فحسب، بل “لنأخذ القوة” منها، ولنستشعر “المسؤوليات الكبيرة” التي تنتقل إلينا بعد رحيلهم.
  • الدعوة إلى الوحدة والعمل: في خلفية النص، ثمة دعوة ضمنية إلى توحيد الصفوف ومواصلة المسيرة التي بدأها الشهداء، سواء على الصعيد العسكري أو المدني، حيث يذكر البهادلي في منشور آخر أهمية المشاركة في الانتخابات المحلية كفرصة للتغيير.

كتاب “فاجعة المطار” لأبي لواء البهادلي هو أكثر من مجرد كتاب؛ إنه أرشيف حي لذكرى، ودرس في التأريخ الحي، ومرثية أدبية رفيعة المستوى. هو جهدٌ يليق بعظمة الحدث وعظمة من سقطوا فيه.

لمن يريد فهم كيف تُروى الوقائع الكبرى بعين المؤمن الواعي، ولمن يبحث عن الجسر الذي يربط بين الحدث السياسي الصادم وعواطف الناس وأحلامهم، فإن هذا الكتاب هو خيار لا غنى عنه. يمكن للقراء المهتمين الوصول إلى الكتاب بصيغة PDF من خلال القنوات المخصصة لنشر تراث الشهداء، ليكون دليلاً مفتوحاً على أن قلم الكاتب قد يكون السلاح الأقوى في حفظ الحقائق ومواجهة محاولات التشويه والنسيان.

زر الذهاب إلى الأعلى