من هرمز إلى بنت جبيل.. كيف كسرت إيران وحزب الله “بيت العنكبوت” الإسرائيلي؟
تقارير إسرائيلية وأمريكية تعترف: إيران ربطت إعادة فتح مضيق الخليج الفارسي بوقف العدوان على لبنان، مما أجبر ترامب ونتنياهو على الاستسلام للضغوط الدبلوماسية والميدانية.
خلافاً للرواية التي حاولت واشنطن وتل أبيب الترويج لها حول دور المفاوضات المباشرة بين الحكومة اللبنانية والكيان الصهيوني في وقف إطلاق النار، تشير تحليلات وتقارير غربية وإسرائيلية إلى أن العامل الحقيقي وراء إعلان الهدنة في لبنان كان معادلة مختلفة تماماً. فوفقاً لمصادر دبلوماسية وعسكرية، فإن إيران نجحت في ربط وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية بشكل مباشر بإعادة فتح مضيق هرمز، مستخدمةً أداة الضغط الأقوى في ترسانتها: القدرة على تعطيل شريان الطاقة العالمي. هذه المعادلة، إلى جانب صمود مجاهدين حزب الله في ميدان بنت جبيل، شكلت ضغطاً لا يحتمل على الإدارة الأمريكية ورئيس وزراء إسرائيل، مما أجبرهما على قبول وقف إطلاق النار تحت شروط غير معلنة. هذا التقرير يستعرض، استناداً إلى تصريحات واعترافات إسرائيلية وأمريكية، خلفيات فرض هذه الهدنة وكواليسها.
أولاً: فشل المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل
مذبحة “الأربعاء الأسود” تكشف عجز الدبلوماسية الرسمية
وفقاً للأحداث التي رصدها التقرير، أراد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعلان وقف إطلاق النار في لبنان فور انتهاء المفاوضات المباشرة التي جرت بين السفير اللبناني والكيان الصهيوني في واشنطن، تحت إشراف أمريكي. لكن هذه المفاوضات، التي تمهدت بعد أسبوع من رفض المسؤولين اللبنانيين والإسرائيليين والأمريكيين إدراج لبنان في اتفاق الهدنة الأوسع بين إيران وأمريكا في باكستان، لم تؤدِ إلى نتيجة.
بدلاً من ذلك، وقعت مذبحة وحشية شنها جيش الاحتلال الإسرائيلي في جميع أنحاء لبنان. ففي غضون 10 دقائق فقط، شنّت طائرات العدو 160 غارة جوية استهدفت بيروت والضاحية الجنوبية وجبل لبنان وصيدا والبقاع والهرمل، مما أدى إلى استشهاد 303 أشخاص وإصابة 1150 آخرين. هذا اليوم الذي وصف بـ “الأربعاء الأسود” ، كان بحسب المحللين دليلاً على أن إسرائيل، بدعم أمريكي، حصلت على الضوء الأخضر لتوسيع عملياتها العسكرية في جنوب لبنان.
مفاوضات غير قانونية من موقع الضعف
تكشف التحليلات أن المفاوضات المباشرة التي جرت بين الكيان الصهيوني ولبنان تحت وابل النار لم تكن فقط غير قانونية وتفتقر إلى الإجماع الداخلي، بل واجهت معارضة شعبية واسعة. والأهم، أن الجانب اللبناني جلس إلى طاولة المفاوضات “ويداه خاليتان” ، وفقاً للتقرير. فقد دخلت الحكومة اللبنانية هذه المفاوضات بعد أيام من المذبحة، متجاهلة الإنجازات الميدانية للمقاومة، ولم تطرح حتى مطلب انسحاب المحتلين من الأراضي اللبنانية.
وكشف موقع “أكسيوس” نقلاً عن مصدر لبناني أن الوفد اللبناني اقترح العودة إلى أحكام اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في نوفمبر 2024، والذي يمنح إسرائيل عملياً حرية قصف أهداف حزب الله في لبنان. وهذا ما انعكس في بيان وزارة الخارجية الأمريكية، الذي أكد على “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد هجمات حزب الله”، دون أي إشارة إلى آلية لوقف كامل لإطلاق النار. فكيف إذن أُعلن وقف إطلاق النار؟
ثانياً: معادلة طهران.. هرمز مقابل لبنان
إيران تضع قاعدة الاشتباك: إعادة فتح المضيق مقابل وقف العدوان
وراء الكواليس، وخلف ما كان يجري علناً من مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، كانت إيران تضع معادلة مختلفة وأكثر حزماً. فوفقاً لمصادر دبلوماسية، أعلنت طهران صراحة: “إعادة فتح مضيق هرمز، مقابل وقف إطلاق النار في لبنان، وإلا فستعود الحرب” . هذه المعادلة هي ما ثبتها وزير الخارجية الإيراني، الدكتور سيد عباس عراقجي، على لسانه في أكثر من مناسبة، ربطاً مباشراً بين مصير الملاحة في الخليج الفارسي ومصير الجبهة اللبنانية.
يذكر التقرير أن إيران، عندما وافقت على الذهاب إلى إسلام آباد للجولة الأولى من المفاوضات، وضعت شرطاً أساسياً هو وقف إطلاق النار في لبنان. وعندما تم التوصل إلى اتفاق مبدئي لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين يشمل لبنان، تملصت تل أبيب وواشنطن منه. رداً على ذلك، أصرت طهران على موقفها بعدم السماح بالملاحة في مضيق هرمز، مع إبقاء القنوات الدبلوماسية مفتوحة مع لبنان وباكستان والأطراف الدولية.
تحذيرات إيرانية مباشرة لواشنطن
وجهت إيران تحذيرات واضحة للولايات المتحدة، مفادها أن استمرار استهداف إسرائيل للبنان سيقابَل بهجمات إيرانية على مواقع محددة. وفي هذا السياق، صرّح محمد مرندي، الخبير الإيراني في الشؤون الاستراتيجية، في حديث لقناة “الميادين” ، بأن طهران أكدت أنها ستستهدف “مواقع بتروكيماوية ومواقع أخرى مرتبطة بالغاز والوقود والأسمدة” . هذه التهديدات، وفقاً لمرندي، قوبلت بضغوط أمريكية متزايدة على إسرائيل، أجبرتها في النهاية على وقف التصعيد في لبنان.
هذا التحليل يتطابق مع ما أفاد به مصدر عسكري إيراني مطلع لـ”الميادين”، بأن إيران أوقفت عمليات إطلاق الصواريخ رداً على الوعود التي قُطعت بشأن توقيت وقف إطلاق النار في لبنان. وحددت إيران ليلة الأربعاء مهلة نهائية وحاسمة لوقف العدوان، ثم أدى إدراك العدو لجدية البدء بالعمليات، إلى جانب صمود حزب الله، إلى فرض وقف إطلاق النار.
ثالثاً: المساعي السياسية عبر قنوات نبيه بري
اتصالات يومية بين بيروت وطهران
في لبنان، كان نبيه بري، رئيس مجلس النواب اللبناني، على اتصال يومي بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، وفقاً لما نشرته صحيفة “الاخبار” اللبنانية. كان بري يتلقى تأكيداً من وزير الخارجية الإيراني عراقجي بأن طهران لن تقبل بأي وقف لإطلاق النار لا يشمل لبنان.
ووفقاً لمصادر مطلعة لـ”الميادين”، كان من المفترض أن يبدأ وقف إطلاق النار في لبنان تحت الضغوط الإيرانية اعتباراً من يوم الأربعاء الماضي، لكن رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أنهى جلسة مجلس وزرائه دون موافقة، لكسب مزيد من الوقت. السبب، بحسب المصادر، هو أن معارك ضارية كانت لا تزال دائرة بين مقاتلي حزب الله وقوات الاحتلال في بلدة بنت جبيل الحدودية.
رابعاً: الميدان.. هزيمة الصهاينة في مستنقع بنت جبيل
المقاومة تنسج الملاحم في معقل السيد نصر الله
بالتزامن مع الضغوط الإيرانية على هرمز والدبلوماسية، كانت المقاومة الإسلامية في لبنان تخوض معركة وجودية في جنوب لبنان، وتحديداً في بلدة بنت جبيل. هذه المدينة تحمل رمزية خاصة للكيان الصهيوني، فهي المكان الذي أطلق منه الشهيد السيد حسن نصر الله، قبل 26 عاماً، مقولته الشهيرة: “إسرائيل أضعف من بيت العنكبوت” . أراد جيش الاحتلال الثأر لهذه المقولة والخروج من بنت جبيل بصورة النصر قبل وقف إطلاق النار.
لكن المقاومة أحبطت هذه المحاولة مرة أخرى. فبعد أن كان جيش الاحتلال يحاول لمدة أسبوع كامل اقتحام بنت جبيل والعبور منها، اضطر إلى الانسحاب من عدة محاور، وفشل في تحقيق أي تقدم. وقف مقاتلو حزب الله في الخيام وفي جميع محاور الاختراق، ولم يسمحوا لقوات الاحتلال، رغم الغطاء الجوي المكثف، بالتمركز في أي نقطة في جنوب لبنان.
آخر الطلقات للمقاومة قبل الهدنة
في تأكيد على أن الميدان هو من فرض الوقف، واصلت المقاومة التصدي للاعتداءات الإسرائيلية حتى اللحظة الأخيرة. فقبل نصف ساعة فقط من بدء وقف إطلاق النار، استهدفت المقاومة بصواريخها مستوطنات نهاريا وكرميئيل في شمال فلسطين المحتلة، وأوقعت خسائر مؤكدة بالصهاينة، لتكون صاحبة الهجوم الأخير قبل الهدنة. هذا المشهد، وفقاً للمحللين، يحمل رسالة واضحة: المقاومة هي من تفرض إيقاع المعركة، وليس العدو.
خامساً: اعترافات إسرائيلية وأمريكية بالهزيمة والاستسلام للضغوط
“هاآرتص” و”يديعوت أحرونوت”: إيران لفت ذراع إسرائيل
في تطور لافت، اعترفت وسائل إعلام إسرائيلية بشكل صريح بقدرة إيران على إجبار ترامب ونتنياهو على قبول شروطها. ذكرت صحيفة “هاآرتص” العبرية أن تسلسل الأحداث الذي وقع قبل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في باكستان، حيث هدد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف بالامتناع عن التفاوض إذا لم يتم إعلان وقف إطلاق النار في لبنان، أدى في النهاية إلى “لف ذراع إسرائيل” .
كما اعترف رون بن يشاي، المحلل العسكري لصحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، بأن الرئيس ترامب هو من فرض وقف إطلاق النار في لبنان على نتنياهو. والدافع، وفقاً لبن يشاي، هو رغبة ترامب في “إرضاء الإيرانيين” لضمان ألا يكون الصراع في لبنان عقبة أمام صياغة اتفاق دبلوماسي شامل بين واشنطن وطهران عبر الوسيط الباكستاني.
أكدت هذه الوسيلة الإعلامية الصهيونية أن ترامب، الذي كان قد أوقف سابقاً الطائرات الإسرائيلية في طريقها لضرب أهداف إيرانية، يعتبر تهدئة الجبهة اللبنانية مساراً ضرورياً لنجاح المفاوضات الإقليمية الكبرى. هذا الموقف، وفقاً للتحليل، جعل مجلس الوزراء والجيش الإسرائيلي يعتمدان كلياً على ما يصدر من البيت الأبيض، مما يعني فعلياً أن إسرائيل فقدت زمام المبادرة.
السادس: تحليل الخلاصة.. دبلوماسية القوة والميدان تنتصر
دروس من معادلة هرمز – بنت جبيل
ما حدث في الأيام التي سبقت إعلان وقف إطلاق النار في لبنان ليس صدفة، بل هو نموذج متكامل لفعالية “الدبلوماسية من موقع القوة” . في وقت كانت فيه حكومة لبنان الرسمية تجلس إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف، وتقدم تنازلات غير مسبوقة، كانت إيران والمقاومة الإسلامية في لبنان تثبتان أن الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع العدو المحتل دون غطاء ميداني لا يجلب سوى الخسارة.
أبجديات الدبلوماسية تقول: من يمتلك القدرة على تعطيل الاقتصاد العالمي (عبر مضيق هرمز)، ومن يمتلك الإرادة للمقاومة في الميدان (عبر بنت جبيل)، هو من يملي شروطه. وهذا بالضبط ما حدث. صمود المقاومة في جنوب لبنان، وإلحاق الخسائر بالمحتلين دون أن يحققوا أي هدف استراتيجي، بالتزامن مع إغلاق إيران لمضيق الخليج الفارسي والتهديد بالعودة إلى حرب طاقة شاملة، وربط كل ذلك بلبنان، هو ما أجبر ترامب ونتنياهو على الاستسلام.
الخاتمة
في الختام، انتزعت إيران والمقاومة الإسلامية في لبنان وقف إطلاق النار من “حنجرة” ترامب وأداته نتنياهو، كشرط أساسي للتفاوض على أي اتفاق شامل. طهران وحزب الله تؤكدان أن الأيدي ما زالت على الزناد للرد على أي خرق من قبل المحتلين. صورة النصر كانت كما هي دائماً في لبنان: عاد أبناء الجنوب وأنصار المقاومة إلى منازلهم، رافعين صور الشهداء وأعلام حزب الله، متجاوزين الجسور المدمرة والطرق المقطوعة. أهل هذه الأرض يعرفون جيداً من أعادهم إلى منازلهم، ويدركون من تخلى عنهم في وقت الشدة. الأيام المقبلة والجولة التالية من المفاوضات ستحسم إمكانية تمديد الهدنة، لكن الثابت أن المقاومة لن تعود أبداً إلى ما قبل 2 مارس/آذار، وستبقى في كمين العدو.
