كيف تحولت الحرب المفترضة بين إيران وأمريكا إلى معادلة جديدة للقوة في هرمز؟
تحليلات غربية واعترافات مسؤولين سابقين تكشف فشل استراتيجية تغيير النظام في إيران، وسيطرة طهران على مضيق هرمز كسلاح جيوسياسي يعيد تعريف موازين الطاقة العالمية.
تشير مجموعة متزايدة من التحليلات الصادرة عن وسائل إعلام ومراكز أبحاث غربية، إلى أن المواجهة العسكرية التي استمرت أربعين يوماً بين إيران والولايات المتحدة (وصفتها بعض المصادر بـ “الحرب المفروضة الثالثة”) لم تنتهِ بانهيار الجمهورية الإسلامية كما كان متوقعاً، بل على العكس، أسفرت عن ترسيخ موقع إيران كقوة إقليمية مؤثرة تمتلك أداة ضغط استراتيجية جديدة: الإدارة المباشرة لمضيق هرمز. فبعد اغتيال قادة كبار، وضربات متبادلة، وتفاوض في إسلام آباد بوساطة باكستان، يرى خبراء استراتيجيون أن طهران خرجت من هذه الحرب أقوى مما دخلتها، بينما تواجه واشنطن أزمة ثقة مع حلفائها وانهياراً في رواية “النصر” التي روّج لها البيت الأبيض. هذا التقرير يستعرض، استناداً إلى تصريحات وتحليلات منشورة، كيف قرأ العالم هذه الحرب ومن اعتبر المنتصر الحقيقي فيها.
أولاً: الانقسام في الجبهة الغربية.. وتآكل الشرعية الأخلاقية والسياسية لأمريكا
الفاتيكان ينتقد وكندا تبتعد.. أوروبا ترسم مساراً مستقلاً
لم تقتصر تداعيات الحرب على الميدان، بل امتدت إلى الدبلوماسية العامة والشرعية الأخلاقية للسياسة الخارجية الأمريكية. ففي خطوة غير مسبوقة، دخل الفاتيكان على خط النقد العلني للعدوان. فنقلت التحليلات عن بابا الفاتيكان تصريحات تاريخية أدان فيها الهجمات العسكرية الأمريكية، مؤكداً أن “الله لا يبارك أي صراع عسكري. كل من يتبع المسيح، لا يقف أبداً إلى جانب أولئك الذين كانوا أمس يسحبون السيوف واليوم يلقون القنابل”. هذا الموقف، وفقاً لمجلة “نيوزويك”، قد يؤدي إلى تراجع كبير في شعبية الرئيس الأمريكي بين الناخبين الكاثوليك داخل الولايات المتحدة.
على الصعيد السياسي، أعلن حلفاء تقليديون لواشنطن انفصالهم عن مسارها الحربي. فصرّح رئيس وزراء كندا قائلاً إن “عصر الاعتماد على أمريكا يقترب من نهايته”، مؤكداً أن بلاده أنهت سياسة إرسال 70% من ميزانية الدفاع إلى أمريكا. كما أعلن رئيس الوزراء البريطاني أن بلاده لا تدعم حصار مضيق هرمز ولن تدخل الحرب مع إيران تحت أي ضغط. وفي مؤشر آخر على الشرخ الغربي، أكدت إسبانيا أنها ستستخدم حق النقض (الفيتو) داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) لمنع دخول الحلف في أي حرب ضد إيران.
أوروبا وإدراك جديد: إيران لاعب عاقل وإسرائيل مغامر
يشير التقرير الاستقصائي إلى أن إيران استغلت فترة الهدنة لتعميق الانقسام بين أوروبا وأمريكا، وذلك من خلال إصرارها على إدراج لبنان في أي اتفاق لوقف إطلاق النار. وقد دفع هذا الوزراء الأوروبيين إلى التأكيد على ضرورة وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان، في موقف نادر يعكس انزعاجاً أوروبياً حقيقياً. والسبب، وفقاً للتحليل، هو أن الدول الأوروبية أدركت عمق أزمة الطاقة التي تنتظرها، واستنتجت أنه لا يوجد حل عسكري لقضية مضيق هرمز، وأن إيران هي اللاعب العاقل في هذه الحرب، بينما الكيان الصهيوني يوصف بأنه “اللاعب المغامر” الذي تنتهي مغامراته ضد المصالح الأوروبية.
ثانياً: الإدارة الذكية لمضيق هرمز.. السلاح الاستراتيجي الإيراني الأقوى من النووي
من “التهديد بالإغلاق” إلى “فرض نظام رسوم” واقع جديد في الخليج الفارسي
ربما كان أبرز إنجاز حققته إيران خلال أربعين يوماً من الحرب، وفقاً للتحليلات الغربية، هو الانتقال من مرحلة التهديد بإغلاق المضيق إلى مرحلة “الإدارة الذكية والسيادة التشغيلية الكاملة” على مضيق هرمز. فبدلاً من إغلاقه بشكل كامل، قامت إيران بفرض نظام للرسوم والتصفية الأمنية على السفن المارة، مما أعطاها عوائد اقتصادية وسيادة فعلية على هذا الممر الحيوي.
هذا الواقع الجديد دفع مجلة “فورين بوليسي” إلى الاعتراف بأن هذه الحرب لن تنتهي بسقوط طهران، بل بـ “إنشاء كشك رسوم على هرمز”. وكتبت “وول ستريت جورنال” في هذا الشأن: “عصر البحار المفتوحة يقترب من نهايته؛ من الآن فصاعداً، يجب على الجميع دفع المال”، معترفة بأن الرسوم الإيرانية حطمت الاستراتيجية البحرية الأمريكية لعقود القائمة على حرية الملاحة.
أقوى من سلاح نووي.. محللون غربيون يعترفون
يعتقد المحللون أن أداة السيطرة على مضيق هرمز تمنح إيران قوة تفوق حتى أسلحة الدمار الشامل. فنقل التقرير عن نيكولاس بيلهام، كاتب في مجلة “إيكونوميست”، قوله إن سيطرة إيران على المضيق تعمل كعامل ردع “أقوى بكثير من برنامج نووي”. كما أكدت “سكاي نيوز” أن الإيرانيين سيطروا على الاقتصاد العالمي عبر هرمز.
أما على المستوى العسكري الأمريكي، فاعترف الأدميرال جون ميلر، القائد السابق للأسطول البحري للقيادة المركزية الأمريكية (سنتكام)، بأن الرئيس ترامب يشعر بالإحباط من إغلاق إيران للمضيق، وأن إعادة فتحه عسكرياً هو أمر “مستحيل عملياً أو مكلف للغاية” نظراً لقدرات إيران المسيرة والصاروخية. وخلص السيناتور الأمريكي رافائيل وارنوك إلى القول: “يجب على العالم الآن أن يدفع لإيران تكلفة كل برميل نفط يخرج من الشرق الأوسط؛ وهو وضع لم يكن موجوداً قبل جنون ترامب”.
ثالثاً: فشل نظرية “تغيير النظام”.. وتآكل الآلة الحربية الإسرائيلية
إيران كـ “رابع قوة عالمية صاعدة”.. واعترافات بالهزيمة الاستراتيجية
الحرب التي بدأت بهدف تدمير إيران أو تغيير نظامها، انتهت إلى ترسيخ قوتها. فقد نقل التقرير عن البروفيسور روبرت بيب من جامعة شيكاغو قوله إن الحرب حولت إيران إلى “رابع قوة عالمية صاعدة”. وفي تحليل مذهل، كتبت صحيفة “هاآرتص” الإسرائيلية أن ما بدأ بوعود براقة لتغيير النظام، ينتهي الآن بهدنة هشة وتآكل عميق لمكانة إسرائيل، وأن بقاء إيران في وجه الضغط الأقصى العسكري هو “النصر النهائي”.
أما أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي السابق، فاعترف بمرارة قائلاً: “نحن على الرغم من النجاحات التكتيكية، نواجه هزيمة استراتيجية. نحن نواجه إيران التي تمتلك ميزة جديدة وحاسمة تتمثل بالسيطرة على مضيق هرمز، وهو ما لم يكن لديها من قبل”. ووصف روبرت بيب هذه الحرب بأنها “أحد أسوأ الهزائم الاستراتيجية لأمريكا منذ حرب فيتنام”، مشيراً إلى أن إيران باتت فعلياً على أعتاب أن تصبح قوة نووية بكمية كافية من اليورانيوم المخصب.
إسرائيل: فشل استخباراتي وتغيير في القيادة
أشار التقرير إلى أن الفشل الاستخباراتي الإسرائيلي كان واضحاً، حيث تم تغيير رئيس “الموساد” واستبداله فور الهدنة. فقد بنى الموساد حساباته على افتراض أن الاضطرابات الداخلية في إيران ستتزامن مع الحرب وتؤدي إلى انهيار الحكومة، لكن ذلك لم يحدث. كما أقرت صحيفة “جيروزاليم بوست” بأن الاستراتيجية الأمنية والعسكرية للكيان الصهيوني ضد إيران قد فشلت.
رابعاً: الجنون الاستراتيجي لترامب.. والانتحار الاقتصادي لأمريكا
معادلة هانكي: “رسوم ترامب الجمركية + حروب ترامب = أفقر أمريكا”
لم تكن الخسائر الأمريكية سياسية وعسكرية فحسب، بل كانت اقتصادية أيضاً. فقد صاغ الاقتصادي الشهير ستيف هانكي معادلة قاسية: “رسوم ترامب الجمركية + حروب ترامب = أفقر أمريكا مرة أخرى”، مشيراً إلى أن مؤشر نمو الاقتصاد الإيراني خلال الحرب كان مشابهاً لنمو أوروبا، ولم ينهار كما روّجت الدعاية الغربية.
أفادت مجلة “فوربس” بأن تشاؤم الأمريكيين تجاه المستقبل الاقتصادي وصل إلى أعلى مستوى في التاريخ. وتوقع بيتر شيف، الاقتصادي البارز، أن تؤدي إجراءات ترامب إلى إغلاق المضيق بشكل أكثر إحكاماً، محذراً من أنه يجب توقع “نفط بـ 150 دولاراً”، وقال صراحةً: “إيران تعلم الآن أن أمريكا في موقف ضعف”. وفي وصف لاذع، كتبت مجلة “نيوستيتمان” عنواناً مثيراً للجدل: “كيف دمر دونالد ترامب الإمبراطورية الأمريكية”.
خامساً: طبيعة الوفود المفاوضة.. أزمة هوية في واشنطن
هل يتفاوض الفريق الأمريكي من أجل أمريكا أم من أجل إسرائيل؟
أحد التحديات الأساسية التي أثارها المحللون هو تداخل المصالح الأمريكية مع المصالح الإسرائيلية في فريق التفاوض الأمريكي. فقد أشار ألون مزراحي في تحليل دقيق إلى أن “الفريق المفاوض الإيراني يتفاوض من أجل إيران، لكن الفريق الأمريكي في الواقع يتفاوض من أجل إسرائيل”. هذا الرأي تكرر من قبل فيليب جيرالدي، ضابط وكالة المخابرات المركزية (CIA) السابق، الذي وصف ترامب بأنه “نرجسي مضطرب عقلياً” يدمر مصالح أمريكا فقط “كخدمة لدولة فصل عنصري تسمى إسرائيل”.
حتى ماكس بلومنتال، الصحفي الأمريكي، أشار إلى أن الوفد الأمريكي بقيادة شخصيات مثل كوشنر وويتكوف هم فعلياً “عملاء لإسرائيل”، مما أدى إلى اقتراحات متطرفة مثل اغتيال المفاوضين الإيرانيين في حال عدم التوصل إلى اتفاق، وهو ما يعكس، وفقاً للتقرير، يأساً في التفكير الاستراتيجي الأمريكي.
سادساً: حقائق الميدان.. والنصر على الطريقة الإيرانية
ميرشايمر: إيران تنتصر ومصلحتها في استمرار المعركة
خلافاً للدعاية الإعلامية الغربية، حدد خبراء الواقعية الدولية المنتصر في الميدان. فقد أكد جون ميرشايمر، منظّر الواقعية الكبير، أن “إيران تنتصر في هذه الحرب، ومصلحتها الاستراتيجية هي في استمرار المعركة حتى تتحقق مطالبها”، مشيراً إلى أن تضرع ترامب إلى باكستان للوساطة يدل على إدراك المخاطر الجسيمة التي تواجهها أمريكا.
كما كتب كريم سجادبور في مجلة “أتلانتيك” أن “إيران الآن هي التي تحدد المستقبل السياسي لترامب”، وأنها وجدت “حق النقض (الفيتو)” حتى على مستقبل نائبه جي دي فانس. وفي سياق موازٍ، اتخذت تركيا موقفاً جديداً، حيث وصف الرئيس رجب طيب أردوغان إسرائيل بأنها “اسطبل” وهدد بالتدخل العسكري إذا لم تؤد المفاوضات إلى سلام عادل، مما يشير إلى انهيار الخوف من الهيمنة الأمريكية في المنطقة.
سابعاً: فشل مشروع تدمير البنية التحتية.. والعلم الإيراني لا يقصف
جون كيري: القنابل لا تدمر المعرفة في رؤوس العلماء
لقد فشل المسعى الأمريكي لإعادة إيران إلى “العصر الحجري” من خلال قصف البنية التحتية. فقد حذّر جون كيري، وزير الخارجية السابق، في كلام منطقي، من أنه لا يمكن بالقنابل تدمير المعرفة الموجودة في عقول العلماء الإيرانيين، مؤكداً أن إيران أتقنت دورة الوقود النووي بشكل كامل. وأشار التقرير إلى أن قدرة إيران على توجيه ضربات استراتيجية لآبار النفط في جنوب الخليج الفارسي، من الكويت إلى السعودية، خلقت أداة ضغط مضادة يمكن أن تضع العالم على شفا “العصر الجليدي”، وهو توازن للرعب في مجال الطاقة جعل أمريكا تقبل بالشروط الإيرانية لبدء المفاوضات.
الخلاصة والنتيجة النهائية: إيران تغادر الحرب أقوى مما دخلتها
يجمع المحللون الذين استعرضهم هذا التقرير الاستقصائي على أن حرب الأربعين يوماً بين إيران وأمريكا لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت نقطة نهاية لعصر الهيمنة الأمريكية الأحادية في غرب آسيا. وخلص التقرير إلى أربع نتائج رئيسية:
- ترسيخ السيادة الإيرانية: أثبتت إيران أن قوتها الوطنية لا تعتمد على فرد، بل على مؤسسات وخطاب ثوري صامد، حتى بعد فقدان قادة كبار.
- السيادة الفعلية على مضيق هرمز: تحولت الإدارة الذكية للمضيق من تهديد إعلامي إلى واقع عالمي، لا تستطيع القوة العسكرية الأمريكية زحزحته، مما يفرض على التجارة العالمية التعامل مع إيران كشريك جيوسياسي لا يمكن تجاوزه.
- إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية: انفصال حلفاء تقليديين (كندا، بريطانيا، إسبانيا) عن السياسات الأمريكية، وتهديدات تركيا المباشرة لإسرائيل، يشير إلى عزلة غير مسبوقة لمحور تل أبيب-واشنطن.
- فشل النموذج الأمني الإسرائيلي: سقوط رئيس “الموساد” واعترافات الصحف الإسرائيلية تظهر فشل الاستراتيجية العسكرية والأمنية ضد إيران.
كما أكد جون ميرشايمر وروبرت بيب، فإن إيران الآن في وضع أقوى بكثير مما كانت عليه قبل الحرب. أي اتفاق في إسلام آباد أو غيره يجب أن يعترف بهذا الواقع الجديد: لا توجد قوة لديها القدرة على إعادة إيران إلى الوراء، بل إن مفتاح تجنب “العصر الجليدي” للاقتصاد العالمي أصبح بيد القوات المسلحة الإيرانية. على أمريكا إما أن تخضع لهذا الواقع، وإما أن تشاهد الانهيار التدريجي لإمبراطوريتها وسط نفط بـ 150 دولاراً، وخروج حلفائها من تحت مظلة واشنطن. المنتصر النهائي في هذه الحرب، وفقاً لهذه الرواية، هو النظام الذي يحدد الآن قواعد اللعبة في قلب رقعة الشطرنج العالمية.

