هرمز وباب المندب: فكي كماشة النفط.. خسائر يومية بـ10 مليارات دولار تهدد عروش الخليج والعالم
في مشهد استراتيجي يتحول فيه الممران المائيان الأكثر حيوية في العالم إلى ساحتي ردع وصراع، يلوح سيناريو كارثي بإغلاق مضيقَي هرمز وباب المندب، يضع الاقتصاد العالمي أمام خسائر يومية تتجاوز 10 مليارات دولار، ويهدد برفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية تتراوح بين 120 و150 دولاراً للبرميل.
وبينما تكشف الأزمة هشاشة البنى الاستهلاكية الغربية وعجز البدائل البرية للخليج عن تعويض القدرات البحرية، يمضي اليمن قدماً في ترسيخ معادلات ردعه، محوّلاً باب المندب إلى بوابة استراتيجية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية إقليمية مقبلة، وسط تحذيرات خبيرة من أن أي انفلات في هذين المضيقين سيُحدث كساداً عالمياً يعيد تشكيل خريطة القوة والنفوذ في المنطقة.
هرمز وباب المندب… سيناريو الكارثة الاقتصادية يهدد العالم
يلوح في الأفق سيناريو مزدوج يهدد بإغلاق مضيقَي هرمز وباب المندب، مما يعرض نحو 10 مليارات دولار من التجارة العالمية للخطر يومياً، ويرفع أقساط التأمين ويضاعف تكاليف الشحن. بينما تسعى دول الخليج لإيجاد بدائل برية، تؤكد التحليلات الاقتصادية عجزها عن تعويض القدرات البحرية، في وقت تتحول فيه الممرات المائية إلى ساحات ردع، ويعيد اليمن رسم معادلات السيادة في باب المندب.
تداعيات توسع النزاع إلى مضيق باب المندب
تتزايد المخاوف الدولية بشأن احتمال توسع الحرب إلى مضيق باب المندب، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والمدخل الوحيد لقناة السويس، وذلك في وقت يعاني فيه مضيق هرمز من شلل شبه كامل بسبب الصراع المستمر بين إيران والولايات المتحدة.
وفقاً لتقدير نشرته مؤسسة “أوبزرفر”، تشير التقديرات إلى أن الاضطراب المشترك في مضيق هرمز وباب المندب، بالإضافة إلى إغلاق ما يقرب من ربع إمدادات النفط والغاز في العالم، يعرض يومياً حوالي 10 مليارات دولار من التجارة العالمية للخطر.
كما أن إجبار السفن على تجنب البحر الأحمر واتخاذ طريق رأس الرجاء الصالح، يترتب عليه عبء لوجستي كبير؛ فهذا المسار البديل يضيف من 10 إلى 14 يوماً إلى وقت النقل، وتكاليف وقود تتراوح بين 1.2 و1.8 مليون دولار لكل رحلة بحرية.
ورغم جهود دول الخليج لتطوير مسارات بديلة بعد الاضطرابات في مضيق هرمز، لا يزال مضيق باب المندب شرياناً حيوياً وضرورياً، خاصة لصادرات الطاقة إلى الأسواق الآسيوية المتعطشة للطاقة. وهذا يعني أن الإغلاق المحتمل لهذا المضيق سيضعف الميزة الاستراتيجية لموانئ البحر الأحمر بالنسبة لدول الخليج.
الأهمية التجارية لمضيق باب المندب وغياب البدائل
وفقاً لتقرير نشرته منصة “هابتور” البحثية، “على عكس مضيق هرمز الذي يتم تخفيف أثره جزئياً بواسطة خط أنابيب الشرق-الغرب السعودي بمعدل 5 ملايين برميل يومياً، لا يوجد مسار بري بديل مناسب للبضائع التي كان من المفترض أن تغادر البحر الأحمر”.
يمتد تأثير هذه الفجوة مباشرة إلى مبيعات الطاقة؛ فكل ناقلة تغادر ميناء ينبع الغربي في السعودية متجهة إلى آسيا، يجب أن تعبر باب المندب، ويُقدر أن 70 إلى 75% من صادرات ينبع معرضة بشكل مباشر للاضطراب. وبالتالي، ووفقاً للتقرير نفسه، فإن المسار البري نحو الغرب لا يحل المشكلة، بل ينقل الاختناق إلى الممر الجنوبي للبحر الأحمر.
دول الخليج لا تملك بديلاً مناسباً لمضيق باب المندب
تتسارع الإجراءات اللوجستية في الخليج بهدف زيادة المرونة والتكيف مع الاضطرابات البحرية المزدوجة، من خلال تطوير شبكات النقل البري والمتعدد الوسائط. تبرز في هذا السياق مشاريع الربط السككي، مثل السكة الحديدية التي تربط الإمارات وعُمان لربط الموانئ العمانية الواقعة خارج المضائق المغلقة بالشبكة السككية الخليجية.
إلى جانب ذلك، يتم تفعيل ممرات تجارية مرنة مثل ممر “الشارقة-السعودية”، الذي يوفر ربطاً مباشراً يدمج النقل البري والبحري لتسهيل تدفق البضائع عبر ممر لوجستي متكامل. ومع ذلك، ووفقاً لتقييم نشرته “مجلس الأطلسي”، فإن هذه الخطط غير كافية لاستيعاب الحجم الهائل للنقل عبر الخطوط البحرية المغلقة، مما يعزز الحاجة إلى توسيع ممرات الشبكة المتكاملة كبديل للطرق التقليدية.
حسام عايش: الأزمة تضرب الطاقة والتجارة واللوجستيات
قال حسام عايش، الخبير الاقتصادي، في مقابلة، إن توسع الأزمة من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب، سواء أغلقت المضائق تماماً أم واجهت مخاطر جدية على حركة المرور عبرها، يشير إلى زيادة ملحوظة في أزمة الطاقة والتجارة واللوجستيات. ونظراً للأهمية الحيوية لهذا الممر المائي، فإن ذلك يخلق مشكلة عالمية أخرى.
وأضاف عايش: “يشهد باب المندب عبور ما بين 12 إلى 15% من تجارة أوروبا وأمريكا وآسيا، وحوالي 25% من احتياجات أوروبا من الغاز الطبيعي، بمعدل يتراوح بين 55 و60 سفينة يومياً، أو حوالي 20 إلى 21 ألف سفينة سنوياً، تحمل بضائع تزيد قيمتها عن 700 مليار دولار. وبالتالي، فإن أي اضطراب في هذا المسار هو ضربة قاسية لشريان التجارة العالمية”.
وأكد هذا الخبير الاقتصادي الإقليمي أن تحويل مسار شحنات النفط يزيد وقت النقل خارج البحر الأحمر بمقدار أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، أو من 31 إلى 41 يوماً إذا تم النقل عبر رأس الرجاء الصالح بين آسيا وأوروبا.
كارثة اقتصادية للعالم ودول الخليج مع أي اضطراب في باب المندب
أشار حسام عايش إلى أن التحويل القسري للمسار يزيد تكلفة كل سفينة حاويات متوسطة بمقدار 1.7 إلى 2 مليون دولار، مما يفاقم التداعيات الاقتصادية على دول الخليج والاقتصاد العالمي. وهذه التأثيرات لا تقتصر على نقل الطاقة عبر باب المندب، بل قد تمتد الحرب إلى منطقة أوسع وتعطيل إمدادات النفط عبر خطوط الأنابيب البرية.
وأوضح أنه وفقاً لتوقعات سوق الطاقة في حال تصاعد التوترات بشكل كامل، فإن ذلك سيؤدي إلى انخفاض حاد في إمدادات النفط وارتفاع الأسعار، والتي قد تتجاوز، حسب مدة الأزمة، 120 أو 130 أو حتى 150 دولاراً للبرميل.
ستخسر دول الخليج عشرات المليارات من الدولارات من الإيرادات بسبب توقف أو تراجع صادرات الطاقة والبتروكيماويات والأسمدة والكبريت واليوريا والهيليوم والألمنيوم والسلع الأخرى. يفرض هذا المتغير الجديد عبئاً كبيراً على الأنشطة الاقتصادية، ويؤثر سلباً على الصادرات والواردات ومعدلات النمو.
وبناءً على ذلك، ترتبط هذه الخسائر بارتفاع تكاليف النقل والتأمين والتكاليف الإضافية، مما يرفع معدل التضخم العالمي، الذي يقدره صندوق النقد الدولي بـ 4.7%، إلى مستويات أعلى. وهذا يجعل رفع أسعار الفائدة، على الرغم من الجهود المبذولة لمنعه، أمراً لا مفر منه.
يشكل إغلاق مضيق هرمز وباب المندب والتحكم في حركة المرور بالقرب من قناة السويس نوعاً من الحصار الشامل للطرق البحرية المحيطة بدول الخليج، مما يعطل هذه الطرق أو يؤثر عليها بشدة. وفي الوقت نفسه، فإن الاعتماد على الطرق البرية والجوية، والتي هي أيضاً عرضة للخطر، هو أمر مكلف للغاية وخطير. فبينما يظل النقل البري خياراً مناسباً نسبياً لتلبية الاحتياجات الغذائية واللوجستية، إلا أنه لا يمكنه تعويض القدرة الهائلة للأسطول البحري.
أزمة كبرى لدول الخليج واستنزاف الموارد
في الواقع، لا يمكن للأسطول البري تلبية احتياجات دول الخليج بالكامل، حتى فيما يتعلق بدول مثل الأردن وسوريا وتركيا. وأشار الخبير عايش إلى أن هذه الاحتياجات لا تقتصر على الغذاء والخدمات، بل تشمل أيضاً متطلبات المشاريع الكبرى والبنية التحتية والأنشطة الترفيهية والسياحية. وهذا يشير إلى استنزاف الموارد المالية، وبسبب مفاجأة الأزمة وسرعة انتشارها، يصعب التعامل مع السيناريوهات غير المخطط لها.
محمود داغر: تأثيرات تمتد إلى الولايات المتحدة
في هذا السياق، قال محمود داغر، أستاذ كلية الإدارة والاقتصاد في جامعة بغداد، في مقابلة، إن أزمة إغلاق مضيق هرمز أظهرت للعالم أن منطقة الخليج ليست مجرد منطقة لمصدري النفط والغاز، بل هي قطب صناعي كبير يزود العالم بالحديد والصلب والألمنيوم والهيليوم والأسمدة بكميات كبيرة.
وأضاف داغر: “أدى ذلك إلى تأثير مباشر على ارتفاع أسعار هذه المنتجات في الأسواق العالمية. كما تؤثر هذه الأزمة على الدول التي تدعي أنها غير مشاركة أو غير متأثرة، بما في ذلك الولايات المتحدة”.
وأكد هذا الخبير العراقي أن ادعاءات دونالد ترامب، الرئيس الأمريكي، بأن مضيق هرمز لن يؤثر على العالم، غير صحيحة. فالأدلة تظهر أن الجميع تأثر بارتفاع الأسعار، خاصة للوقود والنقل. وإذا أضيف مضيق باب المندب إلى التهديدات القائمة، سيواجه العالم خطراً كبيراً يتمثل في مزيد من التباطؤ في سلاسل التوريد وارتفاع كبير في التكاليف.
وأشار داغر، مستشهداً بالتجربة السابقة لإغلاق مضيق هرمز، إلى أن تكاليف النقل والتأمين تشكل تحدياً كبيراً في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، اضطر العراق إلى خفض سعر نفطه بنسبة 30% لتشجيع الشركات على استخراج النفط العراقي. وإذا تحول مضيق باب المندب إلى ساحة خلاف، فسيكون تأثيره الاقتصادي عالمياً، وسيؤثر على كل من الشرق والغرب.
هرمز كشف هشاشة الاقتصاد الأمريكي والغربي
تواصل المعادلات الاقتصادية والاستراتيجية التي فرضتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية إعادة رسم معادلات الطاقة والتجارة العالمية، بعدما تحولت التطورات المرتبطة بمضيق هرمز إلى عامل ضغط مباشر على الاقتصادات الغربية، وكشفت حجم الارتباط للأسواق الدولية بأمن هذا الممر البحري الحيوي.
أظهرت تداعيات المرحلة الأخيرة، بحسب ما يراه مراقبون، أن محاولات الولايات المتحدة استعادة معادلاتها في المنطقة اصطدمت بوقائع اقتصادية ومالية معاكسة، امتدت من أسواق النفط والطاقة إلى البورصات العالمية وسلاسل الإمداد والصناعات الاستراتيجية، وصولاً إلى تراجع الثقة بمنظومة الردع الأمريكية وبقدرة واشنطن على إدارة الأزمات التي صنعتها بنفسها.
وفي الوقت الذي تسعى فيه الإدارة الأمريكية إلى الالتفاف على معادلات القوة الجديدة عبر البحث عن مسارات بديلة وخطط اقتصادية وأمنية موازية، تتعزز القناعة بأن أي ترتيبات مستقبلية في مضيق هرمز لا يمكن تجاوز الدور الإيراني فيها، سواء على مستوى الأمن البحري أو إدارة حركة الملاحة أو حماية المصالح الاقتصادية الإقليمية والدولية.
سليم الجعدبي: الخسائر الأمريكية تقارب 7 تريليونات دولار
في مداخلة على قناة المسيرة، أكد الخبير الاقتصادي سليم الجعدبي أن التطورات الأخيرة أثبتت للعالم، بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا، الأهمية المحورية لمضيق هرمز بالنسبة للاقتصاد العالمي، مشيراً إلى أن أسعار النفط ارتفعت من نحو 65 دولاراً إلى ما يقارب 120 دولاراً للبرميل، بينما انعكس ذلك مباشرة على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، حيث ارتفع سعر البنزين من نحو 2.5 دولار إلى 4.5 دولار للجالون، فيما وصل سعر الديزل في بعض الولايات، مثل كاليفورنيا، إلى 8 دولارات.
وأشار الجعدبي إلى أن تداعيات الأزمة امتدت إلى المخزونات النفطية العالمية، متطرقاً إلى استنزاف نحو 200 مليون برميل خلال فترة العدوان على إيران، بينما تراجع الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي إلى نحو 331 مليون برميل، وهو ما يغطي نحو 15 يوماً فقط بعد أن كان يغطي 30 يوماً.
وبيّن أن تصريحات الرئيس الأمريكي المتناقضة زادت من حالة عدم اليقين في الأسواق العالمية، وأثرت بصورة مباشرة على البورصات، مبيناً أن القيمة السوقية للبورصة الأمريكية انخفضت من نحو 66 تريليون دولار إلى 59 تريليون دولار، أي بخسائر قاربت 7 تريليونات دولار.
السياسات الأمريكية والنوايا الخبيثة
أضاف الجعدبي أن تصريحات ترامب بشأن تنظيم مضيق هرمز والحصول على 20% من قيمة النفط المار عبره كشفت “النوايا الخبيثة” للإدارة الأمريكية، مؤكداً أن السياسات الأمريكية لم تقتصر على العدوان العسكري، بل امتدت إلى استهداف منشآت نفطية وغازية ومنشآت تكنولوجية كبرى، من بينها منشآت مرتبطة بشركتي جوجل وأمازون.
وبيّن أن اضطراب الملاحة رفع تكاليف الشحن والتأمين بما يقارب مليون دولار يومياً للناقلة النفطية العملاقة، وهو ما انعكس على أسعار السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج في أمريكا، مؤكداً أن الاقتصادات الغربية أثبتت أنها اقتصادات استهلاكية تعتمد على الواردات أكثر من الصادرات.
ونوّه إلى أن الاقتصاد الأمريكي يتحمل خسائر يومية كبيرة نتيجة ارتفاع أسعار الوقود، إذ يستهلك نحو 20 مليون برميل يومياً، مشيراً إلى أن زيادة أسعار الوقود رفعت الأعباء اليومية على الاقتصاد الأمريكي بما يقارب 1.2 مليار دولار، فضلاً عن تفاقم الدين العام الذي تجاوز 39.3 تريليون دولار.
وتطرق إلى أن واشنطن موّلت كلفة العدوان عبر إصدار سندات وأذون خزانة بفوائد مرتفعة وطباعة نحو تريليون دولار، منوّهاً إلى أن الولايات المتحدة ما تزال تعتمد سياسة تمويل الحروب عبر طباعة الدولار.
الرسوم الإيرانية على الملاحة وحقوق الإرشاد البحري
يؤكد الجعدبي أن ارتفاع أسعار التأمين انعكس على أسعار جميع السلع والخدمات، باعتبار أن النفط يدخل في مختلف حلقات الإنتاج، موضحاً أن إيران مارست حقها القانوني عندما تحدثت عن فرض رسوم مقابل خدمات الإرشاد البحري والحماية البيئية وتأمين الملاحة، مضيفاً أن شركات وسفناً عديدة بدأت بالفعل بالتواصل مع مركز الشؤون البحرية الإيراني المسؤول عن إدارة المضيق.
ويوضح أن الولايات المتحدة حاولت خلال فترة الهدنة إيجاد ثلاثة مسارات بحرية بديلة تمر عبر المياه العمانية، إلا أن إيران أكدت أنها ستتعامل مع أي سفينة لا تلتزم بالتعليمات المنظمة لحركة الملاحة، مشدداً على أن الإشراف على المضيق حق مشترك بين إيران وسلطنة عمان، على غرار ما هو معمول به في قناة السويس ومضائق عالمية أخرى.
ويفيد بأن مضيق هرمز ينقل نحو 20 مليون برميل يومياً، بما يمثل نحو 20% من الاستهلاك العالمي و30% من تجارة النفط المنقولة بحراً، مؤكداً أن الأسواق العالمية لا تستطيع تحمل أي صدمة جديدة في هذا الممر الحيوي.
ويضيف الجعدبي أن ترامب برر توقيع الاتفاق مع إيران بالخوف من انهيار المخزون الأمريكي وأسواق الأسهم، معتبراً أن الاقتصاد الأمريكي قائم على الشركات لا المؤسسات، وأن انخفاض أسهم الشركات الأمريكية العملاقة بعد استهداف إيران كشف هشاشة قيمتها السوقية.
الاتحاد الأوروبي والشتاء القاسي
في سياق متصل، يجزم الجعدبي بأن الاتحاد الأوروبي، رغم حديثه عن امتلاك مخزون يكفي ستة أشهر، لم يعد يمتلك سوى مخزون يغطي نحو شهر واحد، في وقت تستعد فيه الدول الأوروبية لتأمين احتياجات الشتاء من النفط والغاز، مشيراً إلى أن وكالة الطاقة العالمية رفعت مستوى التحذير إلى اللون البرتقالي، الذي يسبق حالة الخطر القصوى.
ويرى أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على مواصلة العدوان، وأنها تحاول كسب الوقت لإعادة ترتيب أوضاعها، مشيراً إلى أن الحرب ألحقت خسائر كبيرة بالاقتصاد العسكري الأمريكي، بعدما كشفت فشل القواعد العسكرية التي أنشئت خلال 35 عاماً، وأظهرت عجز مخزون السلاح الأمريكي، وأضعفت سمعة الصناعات العسكرية، بما فيها مقاتلات “إف-35”.
ويتابع قائلاً: إن واشنطن اتجهت بعد الاتفاق إلى البحث عن خطوط تجارية ومسارات بديلة عبر التعاون مع السعودية والإمارات، مبيناً أن الولايات المتحدة تعتمد على “أذرعها الاقتصادية”، في وقت تواصل فيه دعم الجيش اللبناني والرهان على أدوات أخرى لمواجهة محور المقاومة.
وفي ختام مداخلته، شدّد الجعدبي على أن أي خرق أمريكي للاتفاق سيقابل برد مناسب، مستشهداً بالمواقف الحاسمة للقيادة الإيرانية، مشيراً إلى أن “الهدف الاقتصادي القادم” قد يتعزز أكثر إذا أحكمت الجمهورية اليمنية الحصار على باب المندب بالتوازي مع معادلة مضيق هرمز.
الممرات البديلة وتحديات البحر الأحمر
من جانبه، يؤكد الباحث في الشؤون الاقتصادية يعرب خير بيك أن الحرب تركت آثاراً مباشرة على الاقتصاد العالمي، خصوصاً في قطاعات الغذاء والنقل والشحن والتأمين، لافتاً إلى أن الأسواق لم تستعد حتى الآن حالة الاستقرار المطلوبة.
ويوضح في مداخلة على قناة المسيرة، أن ما يطرح بشأن الرسوم الإيرانية لا يتعلق بفرض أعباء عشوائية، وإنما بتكاليف مقابل خدمات أمنية وبيئية ولوجستية أثبتت الحرب ضرورتها، مؤكداً أن إيران لن تتنازل عن هذه الحقوق، وأنها ستشكل مورداً اقتصادياً مهماً، إضافة إلى تعزيز الإشراف على حركة الملاحة.
ويشدّد على أن جميع دول المنطقة والعالم أدركت أن الأمن في مضيق هرمز ليس قضية إيرانية فحسب، بل مصلحة دولية، بعدما أثبتت الحرب أن أي انفلات أمني في المضيق ينعكس على الاقتصاد العالمي بأكمله.
ويكشف أن الدراسات المتعلقة بالمسارات البديلة أظهرت أنها أقل كفاءة، وأكثر تكلفة، وأطول زمناً، وتتطلب عمليات نقل وتخزين إضافية بين البر والبحر، ما يجعلها غير قادرة على منافسة المسار الحالي عبر مضيق هرمز.
ويبيّن أن البدائل المطروحة عبر بحر قزوين أو البحر الأحمر تواجه تحديات استراتيجية كبيرة، لافتاً إلى أن الحديث عن تجاوز باب المندب يتجاهل وجود أنصار الله والمعادلات القائمة في هذا الممر البحري، معتبراً أن الحديث عن البدائل يهدف إلى تضليل الرأي العام العالمي وصناع القرار الإيراني أكثر من كونه حلولاً عملية.
ويرى خير بيك أن العالم يعيش مرحلة تحول عميقة، وأن الانتصار الإيراني سيكون له أثر واسع في إعادة تشكيل النظام الدولي وتعزيز مكانة القوى الشرقية، مشيراً إلى أن مراكز الدراسات الصينية تبني الكثير من قراءاتها المستقبلية على نتائج الانتصار الإيراني.
وفي ختام مداخلته، يعتبر خير بيك أن ما تحقق لا يمثل انتصاراً إيرانياً فحسب، بل يشكل خطوة نحو تغيير النظام العالمي، ومنح شعوب العالم أملاً بإقامة نظام دولي أكثر عدالة.
اليمن.. من الصبر الاستراتيجي إلى معادلة الردع الحاسمة
ترتسم في أفق المشهد اليمني اليوم ملامح مرحلةٍ مفصليةٍ، تتهاوى عند عتباتها رهانات المماطلة السعودية، وتُطوى معها صفحات الصبر الاستراتيجي اليمني الذي طال أمده، لتنبثق حقبة جديدة عنوانها فرض الإرادة الوطنية بمنطق القوة، وترسيخ السيادة بمعادلات الردع الحاسمة، بعيداً عن أوهام الوصاية ومشاريع الإخضاع.
إن ما تشهده الساحة اليمنية من تحول في إيقاع الأحداث، هو انعطافة استراتيجية تعيد رسم موازين القوة، وتؤسس لمعادلة وطنية جديدة قوامها أن القرار اليمني لم يعد رهينة الضغوط، ولا أسير الحصار، ولا خاضعاً لابتزاز القوى الخارجية، وإنما أصبح يستند إلى إرادةٍ صُلبة، وإلى قوة ميدانية قادرة على حماية السيادة وصون الكرامة الوطنية.
جاهزية صنعاء والردع الشامل
تبدو صنعاء وقد بلغت أعلى درجات الجاهزية العسكرية والأمنية، في مشهد يعكس اكتمال منظومة التعبئة القصوى، وبلوغ بنية الردع مرحلةً متقدمة من النضج والتكامل. فلم تعد استراتيجيتها تنحصر في استعادة الأرض أو الدفاع عن السيادة الوطنية فحسب، بل ارتقت إلى بناء منظومة ردعٍ شاملة، قوامها امتلاك عناصر القوة، وتطوير أدوات التأثير، وتوسيع فضاءات الاشتباك، وصناعة توازناتٍ جديدة تُعيد تعريف العلاقة بين القوة والإرادة، وبين القدرة العسكرية والقرار السياسي.
وفي هذا الإطار، تتجلى جاهزية القوات المسلحة، وقوات التعبئة العامة، وقبائل اليمن، باعتبارها ركائز متماسكة في معادلة الدفاع الوطني، تمتلك الاستعداد لتنفيذ ما يُناط بها من مهام وفق توجيهات القيادة، بما يعكس وحدة القرار، وتلاحم الجبهة الداخلية، وانصهار الإرادة الشعبية والعسكرية في صدارة مشروع وطني يقوم على الصمود والاقتدار.
التحول النوعي في مفهوم القوة
لقد أثبتت سنوات العدوان على اليمن أن مفهوم القوة شهد تحولاً بنيوياً عميقاً، فلم تعد الهيمنة العسكرية وحدها كافية لفرض الإرادات، ولم يعد التفوق التقني ضمانةً للحسم. فالردع في الفكر الاستراتيجي الحديث يقوم على القدرة على إيلام الخصم، وتعطيل حساباته، وإجباره على إعادة النظر في خياراته، وهو ما أفرزته التطورات العسكرية خلال السنوات الماضية، عبر امتلاك منظومات صاروخية متطورة، وطائراتٍ مسيّرة بعيدة المدى، وخبراتٍ عملياتية متراكمة في ميادين البر والبحر والجو.
وقد أسهمت هذه القدرات في إعادة صياغة قواعد الاشتباك، وفرض معادلاتٍ عملياتية جديدة امتدت آثارها إلى البحر الأحمر، وباب المندب، والبحر العربي، لتتحول تلك الممرات البحرية إلى جزءٍ لا يتجزأ من معادلة الأمن الإقليمي، بعدما أصبحت الملاحة الدولية ذاتها تتأثر بمسارات الصراع وتوازنات الردع.
استهداف مطار أبها: رسالة متعددة المستويات
في هذا السياق، جاء استهداف مطار أبها الدولي، عقب العدوان السعودي على مطار صنعاء الدولي، مجرد رد محدود، ورسالة استراتيجية متعددة المستويات؛ رسالة تؤكد أن الجغرافيا الاقتصادية لم تعد بمنأى عن تداعيات المواجهة، وأن مراكز الثقل الاقتصادي والسياحي والاستثماري السعودي باتت جزءاً من معادلة الردع المتبادل، وأن استمرار التصعيد قد يفتح الباب أمام انتقال الصراع إلى مستوياتٍ أكثر تعقيداً واتساعاً، بما يجعل كلفة المغامرة السعودية أكبر من أي مكسبٍ متوهم.
انتهاء زمن الإملاءات السعودية
لقد انقضى الزمن الذي كانت تُدار فيه شؤون اليمن بمنطق الإملاءات السعودية، وانكسر الوهم الذي ظن أصحابه أن الحصار الاقتصادي، وإغلاق المنافذ، وتعطيل الموانئ والمطارات، يمكن أن يُخضع شعباً صاغ تاريخه من صخور الكبرياء، وارتوت أرضه بدماء المدافعين عن الحرية والاستقلال. فاليوم يعلن اليمن، بوضوحٍ لا يقبل التأويل، أن عهد الاستفراد به قد انقضى إلى غير رجعة، وأن زمن فرض الوقائع الأحادية قد أصبح من مخلفات الماضي.
الموانئ والمطارات خطوط حمراء
في ظل هذه المعادلة المتجددة، تغدو الموانئ والمطارات والمنافذ الوطنية ركائز السيادة، وعناوين الكرامة الوطنية، وخطوطاً حمراء لا يسمح بالمساس بها أو الانتقاص من دورها، لأنها شرايين حياةٍ وسيادة، ورموز لاستقلال القرار الوطني، تذود عنها الأرواح، وتصان بكل ما تملكه الأمة من عزيمةٍ واقتدار.
إنها مرحلةٌ تكتب فيها المعادلات بمداد الثبات، وترسم فيها حدود الردع بإرادة الرجال. ولم يعد اليمن يكتفي بردود الأفعال، فهو يمتلك اليوم زمام المبادرة، ويؤكد أن سيادته ليست محل تفاوض، وأن حقوقه الوطنية ليست قابلةً للمساومة، وأن كل محاولة للمساس بمقدراته أو محاصرة شعبه ستُواجه بإرادةٍ لا تلين، وعزمٍ لا ينكسر، وقوة تفرض احترامها على موازين الصراع.
السعودية أمام مفترق طرق مصيري
من المنظور الميداني، تجد السعودية نفسها اليوم أمام معادلة تختلف جذرياً عن تلك التي حكمت بدايات الحرب العدوانية على اليمن. فدوائر القرار في الرياض تدرك أن الزمن الاستراتيجي لم يعد يعمل وفق الإيقاع ذاته، وأن استمرار التصعيد والإبقاء على الحصار لم يعودا يمثلان أوراق ضغط، بقدر ما تحولا إلى مصدر استنزافٍ متصاعد، يرفع كلفة الصراع إلى مستويات غير مسبوقة.
إن أي انزلاق نحو مواجهة أوسع لن يبقى محصوراً في ساحات الاشتباك، وسيمتد أثره إلى شرايين الاقتصاد الإقليمي، ومنشآت الطاقة، والموانئ، والبنية التحتية الحيوية، ومراكز الصناعة والاستثمار، بما ينعكس مباشرةً على أسواق الطاقة العالمية، وسلاسل الإمداد الدولية، ويضاعف الضغوط السياسية والاقتصادية الداعية إلى إنهاء الحرب، ورفع الحصار، والانتقال إلى تسويةٍ تفرضها ضرورات الواقع قبل حسابات السياسة.
ومن هنا، فإن على السعودية أن تراجع حساباتها ومصالحها العليا قبل وقوع الفأس على الرأس، والعودة إلى الالتزام الصارم بما أُبرم من اتفاقاتٍ وتفاهمات، وتنفيذ استحقاقات السلام دون إبطاء أو مراوغة، لأن سياسات الذهاب نحو التصعيد وكسب الوقت لم تعد قادرة على تغيير الحقائق التي فرضها الميدان، ولا على إيقاف التحولات العميقة التي أعادت تشكيل ميزان القوى في المنطقة.
لقد برهنت التجارب التاريخية أن الأمم لا تقاس بما تمتلكه من عتاد، وإنما بما تمتلكه من إرادة، ورؤية، وعقلٍ استراتيجي قادر على إدارة الصراع بأدواته المركبة. ومن ثم، فإن المرحلة الراهنة هي انتقال من زمن احتكار القوة إلى زمن توازن الإرادات، ومن منطق الإملاء إلى منطق الردع المتبادل، ومن أحادية القرار إلى تعددية مراكز التأثير.
وعليه، فإن أي قرار سعودي بالمضي في التصعيد العسكري هو مغامرة استراتيجية محفوفة بكلفة سياسية، وأمنية، واقتصادية، قد تتجاوز حدود المملكة إلى الإقليم بأسره، في ظل بيئةٍ دولية شديدة الهشاشة، ونظامٍ اقتصادي عالمي لم يعد يحتمل المزيد من بؤر التوتر والاضطراب.
اليوم يقف مستقبل السعودية والمنطقة أمام لحظة مصيرية؛ فإما أن تبادر السعودية بدفع ما يترتب عليها من استحقاقات نتيجة عدوانها على اليمن طوال عشر سنوات، ورفع الحصار والانسحاب الكامل من اليمن، وتقديم منطق التسويات على أوهام التصعيد العسكري، وإما أن تستمر دوامة التصعيد بما تحمله من ارتدادات نتيجة التدمير الذي سوف يلحق بكل منشآتها الحيوية والنفطية، وتصدير الأزمة لتتجاوز حدود الجغرافيا إلى الأمن العالمي، والاقتصاد الدولي، وعدم الاستقرار للممرات البحرية الحيوية.
وهكذا يفتح اليمن صفحة جديدة من تاريخه المعاصر، عنوانها السيادة أولاً، والكرامة فوق كل اعتبار، والإرادة الوطنية هي الفيصل في رسم مستقبل البلاد وصون مقدراتها، في مشهد يعكس انتقال الدولة من مرحلة الصبر الطويل إلى مرحلة تثبيت معادلات الردع، وترسيخ حقها المشروع في حماية أرضها ومنافذها وسيادتها بكل الوسائل التي يكفلها حق الدفاع عن النفس والسيادة الوطنية.