مجزرة شهداء سبايكر والسقوط الاول والاخير لداعش
مجزرة سبايكر بعد 12 عاماً: الجرح الذي لا يندمل وصرخة عوائل الضحايا من أجل العدالة
اثنا عشر عاماً على إعدام 1700 عسكري عراقي.. مقابر جماعية تنتظر النبش ومطالبات بمحاسبة القادة المتورطين
في الذكرى الثانية عشرة لمجزرة سبايكر، لا تزال جثث 1700 شهيد تنتظر العدالة. تحقيق خاص يفضح المسؤوليات المتشابكة ويستعرض معاناة العوائل والمقابر الجماعية التي لم تُنبش بعد.
بين انتفاضة خانقة على ضفاف دجلة وتأخر فاضح للعدالة، تأتي الذكرى الثانية عشرة لمجزرة سبايكر لتذكّر العالم بأن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم، وأن مطاردة المجرمين لا تنتظر قراراً سياسياً. فبعد اثني عشر عاماً من الزمن، لا تزال جثث مئات الطلبة العسكريين العزل تنتظر الخروج من قبورها، وبعض العوائل لا تزال تطرق أبواب المسؤولين للمطالبة بنبش مقبرة جماعية جديدة في مجمّع القصور الرئاسي بتكريت.
لم تكن مجزرة سبايكر مجرد حادثة قتل جماعي، بل مثلت صدمة وطنية هزت المجتمع العراقي بأسره، وتحولت إلى رمز للمأساة الإنسانية التي رافقت تمدد تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في مناطق واسعة من البلاد. لقد تركت هذه الجريمة آثاراً عميقة على الوعي العراقي، وأصبحت قضية وطنية وإنسانية تجاوزت حدود المكان والزمان، لتتحول إلى ملف مفتوح للعدالة والذاكرة والتوثيق التاريخي.
اليوم، وبعد اثني عشر عاماً، لا تزال أصوات عوائل الضحايا تعلو في كل ذكرى لتصرخ: أين جثامين أبنائنا؟ أين العدالة؟ ولماذا لا يزال الجناة الحقيقيون طلقاء؟
سبايكر.. حكاية أفظع جريمة في التاريخ العراقي
تقع قاعدة سبايكر الجوية قرب مدينة تكريت في محافظة صلاح الدين شمال العراق، وسميت نسبة إلى الطيار الأمريكي مايكل سكوت سبايكر الذي قُتل خلال حرب الخليج عام 1991. في الثاني عشر من حزيران/يونيو عام 2014، وفي خضم انهيار كارثي للجيش العراقي تلا سقوط الموصل، ارتكبت عصابات تنظيم داعش الإرهابية مجزرة جماعية بحق زهاء 1700 طالب عسكري وعدد من الضباط كانوا يتلقون تدريبهم في القاعدة.
لم يجرّد الطلاب من سلاحهم فقط، بل جُرّدوا من آدميتهم قبل أن يُصفّوا بشكل منظم ودون رحمة في واحدة من أكثر الجرائم دموية في تاريخ العراق والعالم بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر. وفقاً لتحقيق الأمم المتحدة، تم أسر الضحايا وإعدامهم رمياً بالرصاص في مجمّع القصور الرئاسية أو أُلقيت جثثهم في نهر دجلة، في مشاهد عبّرت عن الوحشية التي كان التنظيم يجاهر بها.
كشفت بعثة الأمم المتحدة (يونامي) تفاصيل جديدة تُظهر أن القتل استمر على الأقل ثلاثة أيام متواصلة بمشاركة ما بين 100 إلى 150 شخصاً ينتمون لتنظيم داعش، وكانوا يوزعون الضحايا بين أربع أو خمس نقاط مختلفة للإعدام في مجمّع القصور الرئاسية. أمر والي صلاح الدين التابع لتنظيم داعش بأن تُعرض التوبة على السنة، وأما الشيعة فيُقتلون، وهي التوجيهات التي نفّذها الجناة بدقة مروّعة.
شهادات الناجين وصرخة الأمهات.. “في كل مرة أسمع طرقاً على الباب أتوقع رؤيته”
روى الناجي “ظاهر عبد الكريم” لإحدى القنوات الغربية كيف بدأ المسلحون بإطلاق النار على رأسه رغم اعتقادهم بقتله، ليتذكر لاحقاً صوت الصراخ الذي كان يقطع الصمت بعد كل دفعة يُقدّمها الجلادون. هذه الشهادة المؤلمة تفتح نافذة على لحظات الرعب التي عاشها المئات قبل أن يفارقوا الحياة.
أما والدة أحد الشهداء “حسين” البالغ من العمر 22 عاماً، فقالت بعبارات مفجعة: “في كل مرة أسمع طرقاً على الباب، أتوقع رؤيته يعود إلينا”. لم يكتفِ الجناة بالقتل الجماعي، بل نشروا تسجيلات مرئية لمشاهد الإعدام كأداة دعائية ورعب نفسي بحق أهالي الضحايا.
بعد أكثر من عقد على المجزرة، لا تزال صور الضحايا حاضرة في البيوت العراقية. الأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن عند الأبواب، والآباء الذين حملوا صور أولادهم في ساحات المطالبة بالعدالة، ما زالوا يرون أن القضية لم تنتهِ بمجرد إصدار الأحكام أو اكتشاف المقابر الجماعية. إن صرخة سبايكر ليست مجرد مطالبة بمعاقبة المجرمين، بل هي دعوة للحفاظ على الذاكرة الوطنية ومنع تكرار مثل هذه الجرائم.
من هم الجناة الحقيقيون؟ المسؤولية تتجاوز تنظيم داعش
أخطاء القادة وإغلاق الهواتف.. دور حزب البعث السابق
لم تكن جريمة سبايكر مجرد حادث طارئ، بل نتاجاً طبيعياً لانهيار أمني واستخباري واسع عقب الانسحاب الأمريكي من العراق عام 2011، في ظل حكومة كان يقودها آنذاك رئيس الوزراء نوري المالكي. وبحسب تحقيق برلماني عراقي، لم يكتفِ القادة العسكريون بالهروب من مواقعهم بعد ساعات من الالتحاق بالخدمة فحسب، بل أغلقوا هواتفهم المحمولة عن قصد ليمتنعوا عن إصدار أوامر الانسحاب المنظمة، وهو ما تسبب بوقوع أعداد كبيرة من العسكريين العزل في أيدي داعش.
إلى جانب تقصير القادة، لا يمكن نسيان دور مسلحي حزب البعث والجيش العراقي السابقين الذين انضموا إلى التنظيم مع أوائل حزيران/يونيو 2014. فلم يكن تنظيم داعش وحده الجلاد، بل استعان بمئات السجناء الفارين من سجن التسفيرات بتكريت وآخرين من بقايا النظام السابق الذين تعاونوا مع التنظيم في تصفية الطلاب الشيعة على وجه التحديد بناءً على هوياتهم الطائفية.
مسؤولية سياسية عليا تطال شخصيات نافذة
المرصد العراقي لحقوق الإنسان يؤكد أن الإصرار على تسويق الجريمة وكأن مرتكبيها هم تنظيم داعش حصراً، دون كشف المتورطين من المسؤولين الحكوميين والسياسيين والقادة الأمنيين، هو الذي يطمس الحقيقة ويضيّع حقوق الضحايا حتى يومنا هذا. كثيرون يعتقدون أن بعض هؤلاء المسؤولين استفادوا لاحقاً من الفوضى التي سببتها المجزرة لتكريس مصالحهم السياسية بعيداً عن أعين الرأي العام.
ما زالت بعض عوائل الضحايا تعتقد أن بعض القادة المسؤولين عن تلك الإهمالات تدرّعوا لاحقاً بمناصب سياسية عليا بعيداً عن المحاسبة. وهذا يثير التساؤل الأهم: لماذا لا يزال الجناة الحقيقيون – أولئك الذين تسببوا بانهيار المؤسسة العسكرية والذين تغاضوا عن الإنذارات الاستخبارية – طلقاء يتجولون أحراراً؟
مقابر جماعية وانتظار العدالة: معاناة العوائل المستمرة
لا تزال عوائل ضحايا سبايكر تدفع ثمن هذه الجريمة اليوم بأكثر مما تتحمله أرواح عوائل أي شهداء آخرين. وفقاً لمنظمة الهجرة الدولية، فإن غالبية أسر الضحايا ليست على علم كافٍ بالأطر القانونية التي تخولها الحصول على تعويضاتها وامتيازاتها، مما يحد من فرصها في العدالة رغم صدور أحكام بالإعدام بحق عشرات المتهمين في محاكم عراقية أثارت تساؤلات جدية حول مدى نزاهتها.
عشرات الجثث لا تزال تحت الأنقاض في مواقع متفرقة من تكريت ولم تنتشل بعد، فيما لا يزال نحو 600 شخص في عداد المفقودين لم يُعرف مصيرهم. عوائل الضحايا تطالب بتحقيق العدالة الكاملة ومحاسبة كل المسؤولين السياسيين والعسكريين الذين تسبّبوا في هذه الكارثة، وليس فقط منفذي الجريمة المباشرين.
كما يدعون المجتمع الدولي إلى الضغط على الحكومة العراقية لإنشاء نصب تذكاري رسمي للضحايا يكون شاهداً للأجيال القادمة على عدم تكرار هذه الفظائع. في كلماتهم المليئة بالأسى، لا يريد هؤلاء الآباء والأمهات تعويضات مادية بقدر ما يريدون كرامة أبنائهم وضماناً بأن ما حدث لن يتكرر مع أي أحد.
تحليل: الخلفيات السياسية والطائفية للمجزرة
لم تأت مجزرة سبايكر من فراغ، بل هي نتاج تراكمات سياسية عميقة شهدها العراق بعد عام 2003. ساهم الانهيار السريع للمنظومة الأمنية في شمال العراق خلال صيف 2014 في خلق فراغ أمني كبير استغله تنظيم داعش للسيطرة على مناطق واسعة. كما لعبت حالة الانقسام السياسي والتوترات الاجتماعية دوراً في تهيئة البيئة التي استقطب فيها التنظيم متعاونين محليين من بقايا النظام السابق.
العامل الأبرز كان الفكر المتطرف الذي تبناه تنظيم داعش، والقائم على التكفير والعنف والإبادة الجماعية ضد كل من يصنفهم كخصوم. لكن دون إغفال دور الإهمال العسكري والسياسي الذي حوّل آلاف الشباب العزل إلى فريسة سهلة.
تداعيات مستقبلية: ما الذي ينتظر ملف سبايكر؟
بعد اثني عشر عاماً، يواجه ملف سبايكر تحديات كبيرة:
- أولاً: استمرار وجود مقابر جماعية لم تُنبش بعد، مع ضعف الإمكانات التقنية والقانونية للتعامل معها.
- ثانياً: غياب الإرادة السياسية لمحاسبة كبار المسؤولين المتورطين في الإهمال الذي سبق المجزرة.
- ثالثاً: تراجع الاهتمام الدولي بالقضية بعد إصدار أحكام بحق منفذين صغار، رغم أن ملف العدالة الأوسع لا يزال مفتوحاً.
- رابعاً: معاناة عوائل الضحايا من نقص الوعي القانوني مما يحرمهم من حقوقهم في التعويضات.
تبقى سبايكر وصمة عار في جبين السياسة العراقية، لكنها أيضاً دعوة مفتوحة للعالم بأن جرائم الإبادة لا تموت مع مرور الزمن، خصوصاً إذا كانت ضحاياها لا تزال تحت التراب في انتظار العدالة.
تمثل مجزرة سبايكر جريمة ضد الإنسانية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ليس بسبب عدد الضحايا الذي تجاوز 1700 شهيد فحسب، بل لما جسدته من وحشية منظمة استهدفت شباناً عُزلاً في لحظة انهيار أمني خطير. بعد 12 عاماً على المأساة، بينما تستمر جهود التوثيق والمحاسبة، تبقى ذكرى الشهداء جزءاً من الذاكرة العراقية الجماعية، ورسالة دائمة بأن الجرائم الكبرى لا تسقط بالتقادم، وأن العدالة، مهما تأخرت، تبقى مطلباً لا يمكن التخلي عنه.
السؤال الأصعب الذي يبقى بلا إجابة حتى اليوم: هل سيشهد العراق محاسبة حقيقية لكل المتورطين في هذه المأساة، أم أن سبايكر ستبقى جرحاً مفتوحاً ينزف في جبين الضمير العراقي؟
في ذكرى الجريمة التي هزت الضمير الإنساني، توثيق موسوعي وروايات وفنون تحفظ الدماء الزكية لـ1700 شهيد، وتؤكد أن العدالة وإن تأخرت فإنها آتية.
في منتصف حزيران/يونيو عام 2014، ارتكب تنظيم “داعش” الإرهابي واحدة من أبشع جرائمه ضد الإنسانية، حين أقدم على ذبح 1700 طالب عراقي شمال تكريت، في جريمة عُرفت باسم “مجزرة سبايكر”. تمر علينا ذكراها هذه الأيام، لتظل شاهدة على مدى الوحشية التي يمكن أن يصل إليها البشر حين تتخلى عن قيمهم وأخلاقهم، وتهوي بهم إلى أدنى المراتب.
الموسوعة الوثائقية.. توثيق لا يُنسى
بادرت العتبة العباسية المقدسة، ممثلة بالمركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف، إلى تحمّل مسؤولية توثيق هذه الجريمة المروّعة، ليس في العراق فحسب، بل في المنطقة العربية، تحقيقاً للعدالة، وإنصافاً للضحايا، واستذكاراً للجريمة لمنع تكرارها.
وفي 16-17 حزيران/يونيو 2022، تزامناً مع مهرجان فتوى الدفاع الكفائي، أعلن ممثل المرجعية الدينية العليا، سماحة السيد أحمد الصافي، عن إنجاز “الموسوعة الوثائقية لمجزرة سبايكر”، التي ضمّت ثلاثة وعشرين جزءاً، بما يقارب عشرة آلاف صفحة. وقد تولى فريق العمل فرز الوثائق وتصنيفها، وتضمين بعضها باللغتين الإنجليزية والفرنسية، مع ترجمة أجزاء أخرى إلى العربية.
وتشمل محتويات الموسوعة: أسماء الضحايا وبعض صورهم، شهادات الناجين، مذكرات القبض والتحري الخاصة بالمتهمين مع صور بعض المدانين، إفادات المتهمين، القرارات القضائية، شهادات وفيات (الإعدام) لمرتكبي الجريمة، تقارير الفحص الأنثروبولوجي للضحايا، التقارير الرسمية المحلية والدولية، الأخبار المحلية والعربية وبلغتي الإنجليزية والفرنسية، التحليل المصوّر للمقابر الجماعية، وكل مناسبات الاستذكار السنوية.
“قمر أحمر على سبايكر”.. رواية تخلّد الألم
في إطار الأدب والفن، صدر حديثاً عن دار لندن للطباعة والنشر، رواية “قمر أحمر على سبايكر” للكاتب جمال حيدر، تزامناً مع الذكرى التاسعة للمجزرة. وتسعى الرواية إلى شحذ الذاكرة الجمعية، والحد من القتل الذي يستهدف العراق إنساناً وأرضاً وحضارة، وإثراء الوعي ضد الإرهاب.
يكتب المؤلف في مقدمة عمله: “هذه حكايات بعض الناجين من مجزرة سبايكر 2014. أما آلاف الضحايا الذين ارتقوا إلى السماء، الطافين في مياه نهر دجلة، الذين غدوا طعماً للأسماك، والمقتولين غدراً الممددين في العراء الفسيح، بين الطرق الملتوية الواصلة بين المدن ونقاط التفتيش، والمطمورين تحت التراب في مقابر جماعية، فقد دوّنت حكاياتهم في القلوب التي لا تزال تنزف دماً ولوعة. حكايات بحجم وطن، بحجم تاريخه المسبي والغارق في المآسي.”
ويضيف: “أصابع الذين قتلوا غدراً.. أصابعهم المتيبسة نبتت من تحت الأرض وتومئ نحو السماء، أصابع متصلة بروح العراق.. كل العراق.” ويؤكد أن خيال أي كاتب يعجز عن نقل ألم الضحايا وصرخاتهم، ورسم التوحش البشري وكمية الحقد في عيون الإرهابيين. وقد خُصصت عوائد أرباح الكتاب – الواقع في 194 صفحة – لصالح عائلات شهداء سبايكر.
فيلم “مجزرة سبايكر.. جريمة عصر”.. توثيق بصري صادم
لم تترك الساحة الإعلامية خالية، فقد أنتجت العتبة العباسية المقدسة فيلماً وثائقياً بعنوان “مجزرة سبايكر.. جريمة عصر”، يوثق التفاصيل الحقيقية للمجزرة، ودوافع المجرمين والمتعاونين معهم، ليحكي مرحلة مهمة من تاريخ العراق تمثلت بهيمنة الجماعات المتطرفة على أراضٍ عراقية. تبلغ مدة الفيلم 35 دقيقة، ولم يُعرض على وسائل الإلام بسبب احتوائه مشاهد حية وقاسية قد تسبب أذى للمشاهدين، ويتضمن اعترافات حقيقية للقتلة الذين شاركوا في ارتكابها. وقد تُرجم إلى الإنجليزية، وتطمح العتبة إلى عرضه عالمياً.
فيلم “مجزرة سبايكر”.. حكاية الضحية “عباس”
فيلم عراقي آخر يتناول الجريمة، يحمل الاسم نفسه، ويبدأ بعبارات مؤثرة: “أحداث هذا العمل حقيقية وهي تجسد أكبر جريمة في هذا الزمان.. الإهداء إلى أرواحكم الطاهرة، وعيون أمهاتكم، وحزن آبائكم، وبراءة أطفالكم، ووجع زوجاتكم، وكل من يشتاق إليكم.” يحكي الفيلم قصة أحد الضحايا يدعى “عباس”، ويصور مشاهد قبل ذهابه إلى القاعدة الجوية وبعد استشهاده، وما يجري على عائلته. كما هناك فيلم وثائقي آخر بعنوان “1700”، إشارة إلى عدد الشهداء.
لوحة فنية.. دماء الشهداء مرسومة بالألم
لم يقف الفنان عند حد الكلمة، بل عبر الفنان العراقي عمار سالم الرسام عن المأساة بلوحة فنية نشرها على حسابه في “فيسبوك”، كتب تحتها تعزية للشعب العراقي وذوي الشهداء. تتألف اللوحة من جزءين: نور خافت وظلام، للإشارة إلى وجود الأمل إلى جانب الشعور بفقده. ورسم العدد 1700 على دماء الشهداء الجارية بطريقة مخفية، معلناً هوية المجرمين والمتفرجين على فعلتهم. ويؤكد أن جريمة سبايكر كانت مركبة، بدأت بالضرب والإهانة والتنكيل والتعذيب الجسدي والنفسي، ولم تنته بالقتل، بل امتدت إلى التمثيل بالجثث.
تفاصيل المجزرة.. البداية والنهاية
وقع المجزرة بعد أسر طلاب القوة الجوية في قاعدة سبايكر الجوية يوم 12 حزيران/يونيو 2014، وذلك بعد سيطرة “داعش” على مدينة تكريت، ويوم واحد بعد سيطرتهم على الموصل. أُسر ما بين (2000-2200) طالب، وقادوهم إلى القصور الرئاسية في تكريت ومناطق أخرى، حيث أعدموا رمياً بالرصاص ودفنوا بعضهم أحياء. نجح بعض الطلاب في الهروب إلى ناحية “العلم” التي صمدت حتى 24 حزيران، واستقبلتهم قبيلة الجبور، وأمنت لهم سيارات ومستمسكات للهرب. وقد روى الناجون أن تسليم الطلاب تم بسبب خداع بعض القادة العسكريين وإيهامهم بأن الوضع آمن.
المطالبة بالعدالة.. والقبض على الجناة
أثارت المجزرة موجة غضب عارمة في أوساط عوائل الضحايا والعراقيين، الذين خرجوا في مظاهرات للمطالبة بمحاكمة القادة المتواطئين. تمكنوا في إحداها من دخول البرلمان للمطالبة بالمحاسبة. وقد ألقت القوات الأمنية القبض على عدد من عناصر داعش، واعترفوا بأنهم تلقوا أوامرهم من امرأة تلقب “الست”، يُقال إنها رغد صدام حسين. وقامت “الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة” بتدقيق أسماء 57 مجرماً ثبت تورطهم، وتبين أنهم جميعاً من أعضاء حزب البعث البائد، إلى جانب كونهم من داعش، وكان الدافع طائفياً.
في الذكرى السنوية الخامسة، أحيا ذوو الشهداء الذكرى في مكان الجريمة داخل مجمع القصور الرئاسية، برفقة هيئة الحشد الشعبي، في أجواء من الحزن والألم.
تخليد الذكرى.. مطالب دولية بعدالة عاجلة
يقول رئيس لجنة تخليد مجزرة سبايكر، معين الكاظمي، إن أسر الشهداء طالبت الحكومة العراقية والمجتمع الدولي بمتابعة المجرمين وإحقاق القصاص العادل، وتجريم الدول الداعمة للإرهاب في العراق منذ 2003، والتعويض عن الجريمة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكرارها. وأضاف أن اللجنة ستنظم مؤتمراً دولياً بحضور الحكومة وممثلين عن المجتمع الدولي، لتحمّل مسؤولياتهم في ملاحقة الجناة، وتعريف العالم بالجريمة، والبحث عن المفقودين.

خلاصة القول
يقول العراقيون إن “داعش” سجل تاريخ انهياره منذ ارتكب هذه الجريمة، لأنها كشفت وجهه الحقيقي وجلبت له العداوة والبغضاء من جميع العراقيين. وسيبقى العراقيون يتذكرون بألم وحرقة هذه المأساة جيلاً بعد جيل، لتظل عبرة وتذكرة، ولتبقى أرواح الشهداء خالدة في القلوب، والعدالة وإن تأخرت فهي آتية لا محالة.
الإنسان يمكنه أن يتخلّق بأخلاق وقيم مميزة وجيدة تجعله يرتقي الى مصاف الملائكة، أم تكون له أخلاق سيئة تصل به إلى أدنى مستوى، فيرتكب جرائم يندى لها جبين البشرية، وهذا ما ارتكبته جماعة داعش الإرهابية من جرائم ومجازر ضد الانسانية، ومنها مجزرة سبايكر التي تمر علينا ذكراها في هذه الأيام، جريمة راح ضحيتها 1700 طالب عراقي شمال تكريت.
ارتكب تنظيم داعش الارهابي في منتصف حزيران 2014، مجزرة كبيرة في ما يسمى بـ “قاعدة سبايكر العسكرية” في منطقة تكريت في العراق بحق مئات من طلبة كلية القوة الجوية في قاعدة سبايكر بتكريت تخطت أعدادهم الـ1700 ، استشهدوا في ذلك المكان بدم بارد، وتطرق الكتّاب ومنتجو الأفلام إلى هذه الجريمة، فنقدّم لكم اليوم بعضا منها.
الموسوعة الوثائقية لمجزرة سبايكر
بما أن المجزرة كانت مروّعة جداً وكذلك لأنَّ عملية توثيق جرائم التطرف تعد تأسيسية ليس في العراق فحسب، إنما في المنطقة العربية، فالعتبة العباسية المقدسة ممثلة بالمركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف قد أخذت على عاتقها تحمّل هذه المسؤولية، من أجل تحقيق العدالة وانصاف الضحايا واستذكار الجريمة لمنع تكرارها.
وتزامناً مع مهرجان فتوى الدفاع الكفائي، الذي عُقد في العتبة العباسية المقدسة في 16-17/ 6/ 2022، أعلن ممثل المرجعية الدينية العليا سماحة السيد أحمد الصافي عن إنجاز الموسوعة الوثائقية لمجزرة سبايكر، وتم إعداد موسوعة مجزرة سبايكر الوثائقية لأغراض المساهمة بـ: انصاف الضحايا، وتحقيق العدالة، ومنع تكرار الجريمة، لأن الاستذكار يمنع التكرار، والنسيان يسمح بتكرار الجريمة.
تضمنت الموسوعة ثلاثة وعشرين جزءاً، بما يقارب عشرة آلاف صفحة، وقد تكفل فريق العمل بفرز الوثائق وتصنيفها وفق الأجزاء الثلاثة والعشرين، وقد تم تضمين بعض الوثائق باللغتين الإنجليزية والفرنسية، وبعضها ترجم إلى اللغة العربية، ويمكن إيجاز محتويات الموسوعة بالآتي: أسماء الضحايا وبعض صورهم، وشهادات الناجين، ومذكرات القبض والتحري الخاصة بالمتهمين مع صور بعض المدانين، وإفادات المتهمين، والقرارات القضائية وبعض شهادات وفيات (الإعدام) لمرتكبي الجريمة، وتقارير الفحص الانثروبولوجي للضحايا، والتقارير الرسمية: المحلية والدولية، والأخبار المحلية والعربية، والأخبار باللغة الإنجليزية، والأخبار باللغة الفرنسية، والتحليل المصوّر والمقابر الجماعية، ومناسبات الاستذكار السنوية.
اسر شهداء سبايكر والقضية التي لاتنسى
المتورطون في اعدام طلبة سبايكر لم يستطيعوا الافلات من يد العدالة حيث تم اعتقال الكثير منهم وفي هذا الصدد قال محافظ صلاح الدين إن قوة أمنية من الجيش والشرطة تمكنت وبعد ورود معلومات استخباراتية دقيقة من إلقاء القبض على عدد من عناصر داعش نقلوا إلى مركز أمني للتحقيق معهم ومعرفة الجهات التي كانت معهم لحظة تنفيذ قتل الطلاب.
وكشف مدير الإعلام الحربي في العراق كاظم الركابي أن المعتقلين إعترفوا بأنهم تلقوا أوامرهم من إمرأة بتنفيذ عمليات الإعدام الجماعي لضحايا سبايكر، تلقب الست ويقال إنها رغد صدام حسين.
من جهتها قامت “الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة” بتدقيق أسماء 57 مجرماً ممن ثبت تورطهم في ارتكاب مجزرة قاعدة سبايكر بحق الطلاب الذين التحقوا في صفوف الجيش العراقي.
وأكدت الهيئة في بيانها أنه قد تبين بالدليل القاطع أن هؤلاء المجرمين جميعاً من أعضاء حزب البعث البائد، على الرغم من أن الصور أظهرت أن كل رجل مسلح كان من أعضاء داعش، في حين تذكر المصادر الأمنية أن سبب إعدام هؤلاء الضحايا يعود إلى خلفيات طائفية.
وبحلول الذكرى السنوية الخامسة لمجزرة سبايكر احيا ذوو الشهداء ذكرى المجزرة التي ارتكبت بحق ابنائهم حيث رافقت هيئة الحشد الشعبي عوائل الشهداء لمكان الجريمة داخل مجمع القصور الرئاسية والذين استذكروا الفاجعة الاليمة وسط اجواء من الحزن غلبت على نفوس كل الحاضرين.
وياتي إحياء هذه الذكرى في كل عام لتذكير العالم اجمع بالافعال الوحشية والهمجية التي ارتكبتها عصابات “داعش” الارهابية بحق جميع العراقيين دون استثناء وان ارواح الشهداء ستبقى خالدة في قلوب العراقيين.
تخليد ذكرى الشهداء
وفي هذا الصدد يقول رئيس لجنة تخليد مجزرة سبايكر معين الكاظمي ان الحاضرين من اسر الشهداء قدموا مطالبهم للحكومة العراقية والمجتمع الدولي والتي تلخصت بالمطالبة بمتابعة المجرمين والحاق القصاص العادل بهم، فضلا عن تجريم الدول التي دعمت الارهاب في العراق منذ 2003 وحتى انتهائه، كما طالبوا بالتعويض عن هذه الجريمة واخذ الاجراءات اللازمة لعدم السماح بتكرارها.
وتابع ان لجنة تخليد مجزرة سبايكر ستنظم مؤتمرا دوليا بحضور الحكومة العراقية وممثلين عن المجتمع الدولي لاخذ دورهم فيما يخص المسؤولية التي تقع على عاتقهم ازاء هذه الجريمة الشنعاء لملاحقة الجناة وتعريف العالم بهذه الجريمة، فضلا عن البحث عمن تبقى من المفقودين.
