تركيا تسعى لتشكيل هياكل أمنية وعسكرية في سوريا بتعاون متسارع مع دمشق
تحليلات دفاعية: أنقرة ترسم معماراً دفاعياً جديداً لسوريا يشمل جسوراً عائمة واتفاقيات تدريب وإعادة تأهيل مؤسسات الأمن والجيش
كشفت معطيات وتحليلات دفاعية أن تركيا تعمل، بتنسيق مع الحكومة السورية المؤقتة، على رسم معمار دفاعي وأمني جديد لسوريا، يشمل بناء جسور عائمة عسكرية، وتوقيع اتفاقيات تدريب وتعاون عسكري، وإعادة تأهيل مؤسسات الأمن والجيش، وذلك في أعقاب هجوم إسرائيلي استهدف قاعدة أبو ظهور في أغسطس 2025، ولم يوقف تسارع التعاون بين أنقرة ودمشق.

التعاون العسكري يتجاوز التنفيذ إلى بناء المؤسسات
أفادت تقارير إعلامية تركية وتحليلات دفاعية بأن التعاون العسكري والأمني بين تركيا والحكومة السورية المؤقتة بقيادة أحمد الشرع، قد شهد تسارعاً ملحوظاً خلال الأشهر الأخيرة، متجاوزاً مجرد التعاقدات التنفيذية إلى مرحلة بناء المؤسسات وتحديد الاستراتيجيات الدفاعية والأمنية.
جاء هذا التطور بعد أيام من هجوم شنّه الكيان الصهيوني، في 18 أغسطس 2025، على القاعدة الجوية المهجورة في أبو ظهور بإدلب، الواقعة على بُعد 70 كيلومتراً من هاتاي التركية. وأعلنت إسرائيل آنذاك أن الهجوم كان إجراءً استباقياً لمواجهة توسع النفوذ العسكري التركي في سوريا. إلا أن المعطيات تشير إلى أن الهجوم لم يوقف التعاون، بل زاد من تسارعه.

جسر عائم يربط تركيا بدير الزور
في هذا السياق، أشارت صحيفة “حرييت” التركية إلى أن الوجود العسكري التركي المتزايد في سوريا سيستمر، مع افتتاح جسر عائم عسكري جديد على نهر الفرات، يُعد خطوة جديدة في التعاون الدفاعي بين أنقرة ودمشق. ونقلت صحيفة “ملييت” عن مصادر أن الجسر، الذي يربط ضفتي نهر الفرات في دير الزور، قد تم بناؤه بجهود مشتركة بين القوات المسلحة التركية والجيش السوري، ودخل الخدمة قبل بضعة أيام.
وأوضح نوح يلماز، السفير التركي في دمشق، أن هذا الجسر بُني ليحل محل جسر قديم دمرته الفيضانات، وهو المشروع الثاني من نوعه الذي يتم تنفيذه بشكل مشترك بين القوتين. من جانبه، قال مرهف أبو قصرة، وزير الدفاع السوري، إن الهدف من إنشاء الجسر هو تخفيف عبء النقل عن أهالي دير الزور، متوجهاً بالشكر إلى وزير الدفاع التركي، الجنرال يشار غولر.
وبحسب وزارة الدفاع السورية، يجري حالياً استكمال جسر آخر يربط ضفتي نهر الفرات بالتعاون مع محافظة دير الزور، فيما يبلغ طول الجسر العائم العسكري المُنشأ قرب معبر “السياسة” حوالي 280 متراً، بطاقة استيعابية تبلغ 70 طناً. كما تولت تركيا أيضاً مشروع إعادة بناء جسر “السياسة”، المقرر أن يكتمل خلال 12 شهراً.
علاقة تتجاوز الجسر العائم
رأت وسائل إعلام عربية، ولا سيما الجزيرة، أن إنشاء وزارة الدفاع التركية لجسر عائم عسكري، يُعد دليلاً مهماً على استمرار الدعم التركي لحكومة أحمد الشرع. وأشارت التقارير إلى أن أهالي دير الزور كانوا سابقاً يسافرون بين تركيا وسوريا بواسطة قوارب غير آمنة، بينما أصبحت الحركة حالياً ممكنة عبر الجسر، حيث تمر يومياً عشرات الشاحنات المحمّلة بالمعدات الدفاعية من تركيا إلى سوريا لإعادة بناء الثكنات والبنى التحتية العسكرية.
ويرى محللون دفاعيون أن إسرائيل قصفت أبو ظهور لمنع تركيا من إنشاء قاعدة هناك، مبررة هجومها بادعاء أن تركيا كانت تستعد لنشر رادارات وأنظمة دفاع جوي في الموقع. لكن الحقيقة، حسب المحللين، أن علاقات حكومة أردوغان والهيكل المؤقت في دمشق تتجاوز مجرد التخطيط لإعادة بناء مطار مهجور أو بناء جسر عائم.
ففي الأيام الأولى لوصول أحمد الشرع إلى السلطة، سيطرت تركيا، بالتنسيق مع دمشق، على أمن مطار دمشق، وتم إرسال المعدات اللازمة لتولي الأمن في مطار حلب بسرعة. ويرى خبراء أن أنقرة تعمل حالياً على تحديد معمار دفاعي-أمني جديد لسوريا، حيث تمتلك الغلبة في كل شيء، بدءاً من المعدات والأسلحة، وصولاً إلى القوى البشرية وهندسة النظام وصنع السياسات والتنفيذ.
ومن الأدوات التي تضمن تنفيذ هذه الإجراءات، وصول بيروقراطيين وتكنوقراط إلى هياكل السلطة في سوريا، إما أنهم درسوا في الجامعات التركية ويتقنون اللغة التركية، أو أنهم يخضعون لدورات تدريبية. وذكرت وسائل إعلام تركية أن العديد من المسؤولين، بدءاً من وزير الخارجية أسعد الشيباني، وصولاً إلى مسؤولين في وزارتي الداخلية والدفاع والقائمين على البنى التحتية، يتواصلون بسهولة باللغة التركية مع المسؤولين الأتراك.
اتفاقيات في جميع المجالات
دخلت تركيا في مجالات متعددة تشمل الدفاع والطاقة والاتصالات والنقل، وتم توقيع مذكرة تفاهم للتعاون التعليمي والاستشاري العسكري بين تركيا وسوريا في أغسطس 2025، وتضمنت بنوداً للتنسيق والتخطيط للتدريب العسكري، وتبادل المعلومات والخبرات، وتوفير المعدات العسكرية وأنظمة الأسلحة والمعدات اللوجستية والدعم الفني.
وفي أكتوبر 2025، أعلنت وزارة الدفاع التركية أن 49 طالباً عسكرياً سورياً التحقوا بالأكاديميات العسكرية التركية، منهم 10 للتدريب على مستوى القيادة العليا للقوات البرية، و18 للقوات البحرية، و21 للقوات الجوية. وأشارت وكالة رويترز في تقرير مفصل إلى أن المذكرة ستكون المرحلة الأولى من اتفاقية عسكرية أوسع.
في ذلك الوقت، قيل أيضاً إن فريقاً من مستشاري رئيس جهاز الاستخبارات التركي (MIT)، إبراهيم كالن، تولى إعادة بناء جهاز الاستخبارات والأمن السوري في مجالي البنية التحتية وهندسة المفاهيم. والآن، بالإضافة إلى إنتاج محتوى تدريبي للجيش السوري، قدمت تركيا برنامجاً تدريبياً لوزارة الداخلية، وتتولى بشكل غير مباشر تدريب جيل جديد من رجال الأمن في مرحلة ما بعد الأسد.

بناء المؤسسات وتحديد الاستراتيجية
يعتقد متخصصون في دراسات الأمن الوطني أن إجراءات تركيا لإعادة بناء الهياكل الدفاعية والشرطية والأمنية في سوريا، تحظى بأهمية فائقة من منظور بناء الدولة العسكري، لأن انعكاساتها السياسية-الأمنية ستستمر لمدة لا تقل عن 10 إلى 20 عاماً.
في 18 يونيو 2026، ذهب وفد عسكري سوري برئاسة الجنرال سليم إدريس إلى جامعة الدفاع الوطني التركية في إسطنبول، وأجرى لقاءات مع رئيس الجامعة وكبار الضباط الأتراك، تركزت حول “التعليم، التطوير المهني، بناء المؤسسات العسكرية”. وبهذا الإجراء، تدخل تركيا فعلياً في هندسة إنتاج المعرفة العسكرية السورية، وهي خطوة تتجاوز وأكثر أهمية من مجرد نشر الأسلحة.
ردود فعل إقليمية ودولية
جذبت الإجراءات التركية انتباه جهاز الاستخبارات الإماراتي، حيث أكدت دراسة في مركز دراسات سياسات الشرق الأوسط بالإمارات، أن اتفاق أغسطس 2025 أنشأ إطاراً للتعاون العسكري التركي-السوري يتجاوز مجرد التدريب والاستشارات. كما أصبحت مراكز الفكر الصهيونية حساسة تجاه الموضوع، واستخدم مركز “ألما” في تحليل له صادر في مايو 2026، مصطلح “الراعي الاستراتيجي” (strategic patron) لوصف موقع تركيا في المعمار الدفاعي-الأمني السوري.










