مضيق هرمز وسيادة الكابلات: هل تفرض إيران رسوماً على عمالقة التكنولوجيا؟
رسوم كابلات الإنترنت في مضيق هرمز | إيران والسيادة الرقمية
يطرح تحليل قانوني واستراتيجي موسع مسألة فرض الجمهورية الإسلامية الإيرانية رسوماً سيادية على كابلات الإنترنت البحرية التابعة لعمالقة التكنولوجيا العالمية التي تعبر من مياهها الإقليمية في مضيق هرمز، ولا سيما نظاما FALCON وGBI. ويستند هذا التوجه إلى فراغ قانوني في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تترك تنظيم الكابلات في البحر الإقليمي للقوانين الداخلية للدولة الساحلية. ويأتي هذا الطرح في وقت تحوّل فيه مضيق هرمز من شريان لنقل الطاقة إلى نقطة اختناق رقمية شديدة الهشاشة، تعبر منها سبعة أنظمة كابلات رئيسية على الأقل تربط دول الخليج الفارسي بمراكز البيانات العالمية.
البنية التحتية الخفية للإنترنت العالمي
يعتمد نحو 99 في المائة من حركة البيانات بين القارات على كابلات الإنترنت البحرية، في حين لا تتجاوز حصة الأقمار الاصطناعية -حتى مع شبكات متقدمة مثل ستارلينك- واحداً في المائة، وفقاً للدراسات الإحصائية الواردة في المادة. وتشكل هذه الكابلات العمود الفقري للاتصالات الحكومية والأنظمة المالية العالمية والحوسبة السحابية وإنترنت المستهلكين.
وبحسب بيانات خريطة الكابلات البحرية لمؤسسة تيليجيوغرافي (TeleGeography) لعام 2026، تتكون الشبكة العالمية من 694 نظام كابلات مميز و1893 محطة هبوط تربط سواحل الدول ببعضها. وتستضيف الولايات المتحدة 167 محطة هبوط، وكندا 155، وإندونيسيا 143، وبريطانيا 125 محطة.
وتشير المادة إلى تحول جوهري في ملكية هذه البنى التحتية من كونسورتيومات الاتصالات الحكومية نحو عمالقة التكنولوجيا، إذ تمتلك شركات مثل غوغل ملكية مباشرة أو أسهماً رئيسية في 34 نظام كابلات، وميتا في 20 نظام كابلات.
مضيق هرمز: نقطة اختناق رقمية
تحوّل مضيق هرمز، المعروف تقليدياً بأنه أهم شريان لنقل الطاقة والنفط في العالم، إلى ممر حرج لنقل البيانات الرقمية بين آسيا والشرق الأوسط وأوروبا. وتعبر سبعة أنظمة كابلات رئيسية على الأقل من هذه المنطقة، تُنشئ روابط رقمية لدول حاشية الخليج الفارسي مع مراكز البيانات الكبرى.
ونظراً لضيق عرض المضيق، وتجاور السيادة بين إيران وعُمان، والتركيز العالي للكابلات في منطقة جغرافية محدودة، تحوّل هذا الممر إلى “نقطة اختناق رقمية” شديدة الهشاشة. وتشير المادة إلى أن نظامي FALCON وGBI (Gulf Bridge International) يعبران مباشرة من داخل المياه الإقليمية الإيرانية في مضيق هرمز.
الإطار القانوني الدولي: من باريس إلى UNCLOS
تعود الحماية القانونية للكابلات البحرية إلى “اتفاقية باريس لحماية الكابلات البحرية” عام 1884، التي ألزمت الحكومات بمعاقبة من يلحق الضرر بالكابلات بشكل متعمد أو نتيجة “إهمال يستحق اللوم”. وأُدرجت أحكامها لاحقاً في اتفاقية جنيف بشأن الجرف القاري (1958)، وبلغت ذروتها في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS).
وتنص المادة 58 والمادة 87 من الاتفاقية على حرية تركيب الكابلات في المنطقة الاقتصادية الخالصة وأعالي البحار، بينما تنشئ المواد 112 إلى 115 إطاراً داعماً وتعويضات لأصحاب السفن. أما المادة 79، فتنص على أن تحديد مسار خطوط الأنابيب يخضع لموافقة الدولة الساحلية، لكن الكابلات البحرية لا تحتاج ترخيصاً لتحديد المسار، مع السماح للدولة الساحلية باتخاذ “إجراءات معقولة” لاستكشاف موارد الجرف القاري.
“النقطة العمياء” في البحر الإقليمي
يبدأ التعقيد الرئيسي عندما تدخل الكابلات نطاق 12 ميلاً بحرياً من البحر الإقليمي. فوفقاً للمادة 2 من الاتفاقية، فإن سيادة الدولة الساحلية في هذا الشريط مطلقة، وتمتد إلى الفضاء الجوي وقاع البحر وباطنه. وتشير المادة إلى أن الاتفاقية “صامتة تماماً” في هذا الشأن، ولا توجد أي مادة تُلزم الدولة الساحلية بإصدار إذن بمرور الكابلات الأجنبية من قاع بحرها الإقليمي أو بالامتناع عن فرض رسوم وضرائب وقوانين جمركية صارمة عليها.
وتُعرف هذه المسألة في الأدبيات القانونية بـ”النقطة العمياء للاتفاقية في البحر الإقليمي” (UNCLOS Territorial Sea Blind Spot). فعندما يدخل كابل بحري إلى المياه الإقليمية، يخرج تماماً من النظام القانوني الدولي ويخضع للاختصاص الجنائي والمدني للقوانين الداخلية للدولة الساحلية.
تقابل العبور الترانسيتي والعبور البريء
نظراً لأن عرض مضيق هرمز في أضيق نقطة له يبلغ حوالي 21 ميلاً بحرياً، وقد أعلنت إيران وعُمان عرض بحرهما الإقليمي بالحد الأقصى (12 ميلاً)، فإن كامل المسطح المائي للمضيق يقع تحت غطاء المياه الإقليمية المتداخلة للبلدين، ولا يمر عبره أي مسار لأعالي البحار.
ويقوم نظام “العبور الترانسيتي” (Transit Passage) على ضمان حرية الملاحة والتحليق لجميع السفن والطائرات، مع عدم قابلية التعليق وفقاً للمادة 44. في المقابل، يمنح نظام “العبور البريء” (Innocent Passage) صلاحيات أوسع للدولة الساحلية، إذ يمكنها تعليق العبور وفقاً للمادة 25، وتعتبر إجراءات مثل جمع المعلومات وإجراء أبحاث المسح والزلزلة مُخلّة ببراءة العبور وفقاً للمادة 19.
العقيدة القانونية الإيرانية
وقّعت إيران على اتفاقية قانون البحار في 10 ديسمبر 1982، لكنها لم تصدّق عليها في مجلس الشورى الإسلامي. وأصدرت “إعلاناً تفسيرياً” اعتبرت فيه أن أحكام “العبور الترانسيتي” هي نتاج تسوية تعاقدية (Quid Pro Quo) ولا تعكس قاعدة في “القانون الدولي العرفي”. وبناءً على ذلك، تعتقد إيران أن الدول غير الأعضاء في الاتفاقية (ومن أبرزها الولايات المتحدة) لا يحق لها الاستفادة من مزاياها، بما في ذلك نظام العبور الترانسيتي.
ويرى فقهاء القانون الدولي (استناداً إلى القاعدة 15 للجنة القانون الدولي) أن الدولة التي عارضت القاعدة باستمرار وعلناً منذ بداية تشكّلها، ستكون مستثناة من نطاقها، وهو ما يعرف بوضع “المعترض المستمر” (Persistent Objector).
قانون المناطق البحرية الإيراني لعام 1993
ذروة الممارسة التشريعية الإيرانية هي المصادقة على “قانون المناطق البحرية للجمهورية الإسلامية الإيرانية” في 31 فروردين 1372 (1993). وتنص المادة 1 على أن السيادة الإيرانية تُمارس على “الفضاء العلوي، والقاع والباطن” للبحر الإقليمي. وتحدد المادة 2 عرض البحر الإقليمي بـ12 ميلاً بحرياً. وتنص المادة 5 على أن عبور السفن الأجنبية يخضع حصراً لمبدأ “العبور البريء”. وتُدرج المادة 6 ضمن الحالات التي تجعل العبور غير بريء: جمع المعلومات الأمنية، وإحداث إخلاء في أنظمة الاتصالات، و”إجراء أي نوع من البحث العلمي، والمسح، والزلزلة، وأخذ العينات”. كما تمنح المادة 8 إيران حق تعليق عبور السفن الأجنبية، وتشترط المادة 9 موافقة مسبقة لعبور السفن الحربية والغواصات وسفن الأبحاث.
فرض الرسوم على عمالقة التكنولوجيا
تطرح المادة إمكانية إلزام شركات عمالقة التكنولوجيا الغربية (Big Tech) مثل غوغل وميتا ومايكروسوفت وأمازون -التي تمتلك جزءاً كبيراً من سعة هذه الكابلات- بالحصول على تراخيص العبور ودفع تكاليف مستمرة لرسوم العبور (Passage Fees). ويُستند في ذلك إلى أن قاع المياه الإقليمية يخضع للسيادة غير المتنازع عليها للدولة الساحلية، وبالتالي فإن إيران “تطبق قوانينها الداخلية الضريبية والخصوصية على البنى التحتية الفيزيائية المستقرة في أرضها”.
وتشير المادة إلى أن “اتفاقية 1982 لم تضع أي قيد مماثل لفرض رسوم على البنى التحتية الثابتة المدفونة في قاع البحر الإقليمي”، مما يجعل الحجة القانونية لفرض رسوم على الكابلات “أكثر متانة بكثير من السفن”.
التحديات اللوجستية لإصلاح الكابلات
تُعد عمليات إصلاح وصيانة الكابلات في الخليج الفارسي وبحر عُمان من مسؤولية شركة “إي-مارين” (e-Marine) الإماراتية، التي تمتلك أسطولاً من خمس سفن متخصصة. غير أن تحليل بيانات انتشار الأسطول يُظهر أن واحدة فقط من هذه السفن مستقرة داخل الخليج الفارسي، بينما تعمل السفن الأربع الأخرى في النطاق الواسع للبحر الأحمر والمحيط الهندي. وفي حال تصاعد الصراعات العسكرية في مضيق هرمز، لن يصبح دخول السفن الأربع مستحيلاً فحسب، بل إن السفينة المستقرة في المنطقة ستتحول إلى هدف شديد الهشاشة.
وتشير المادة إلى أن الحصول على تصريح دخول المياه الإقليمية المتوترة لتنفيذ الإصلاحات “يُنشئ بيروقراطية مضاعفة تؤجل عودة الكابلات إلى الخدمة لأشهر”. كما تذكر أن المادة 6 من قانون المناطق البحرية الإيراني تعتبر أي نشاط للمسح أو الزلزلة منافياً للعبور البريء، مما يستلزم حصول سفن الإصلاح على تراخيص خاصة وإجراءات جمركية معقدة.
كابلات الإنترنت في ظروف النزاع المسلح
في حال نشوب حرب، تُدفع قوانين زمن السلم الواردة في اتفاقية قانون البحار إلى الهامش، وتحل محلها قواعد “قانون النزاعات المسلحة في البحر”، المدونة في “دليل سان ريمو”. وتشير المادة إلى أن إيران استندت إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة (الحق في الدفاع المشروع) وأعلنت أن إجراءاتها تهدف إلى حماية الأمن الوطني. ولم تُغلق إيران المضيق بالكامل، بل أنشأت “نظام وصول انتقائي ومتحكم” (Controlled Access Mechanism).
وفيما يتعلق بكابلات الإنترنت كأهداف عسكرية، تنص المادتان 51 و52 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف والقاعدتان 40 و41 من دليل سان ريمو على أن البنى التحتية المدنية ذات الطبيعة المزدوجة (Dual-use) يمكن استهدافها إذا كان لها “مشاركة فعالة” في العمليات العسكرية. وتشير المادة إلى أن “دخول الاستخدام العسكري إلى شبكات الاتصالات في الخليج الفارسي من قبل قوى أجنبية ينتهك الأمن المشترك للمنطقة”.
تحليل شامل: السيادة الرقمية في القرن الحادي والعشرين
تخلص المادة إلى أن “التحولات الجوهرية حول مضيق هرمز تُظهر أنه كما كان هذا الممر في القرن العشرين ساحة تقابل كتل القوى على أمن الطاقة، فقد تحوّل في القرن الحادي والعشرين إلى نقطة محورية للتنافس على السيادة الرقمية وأمن البيانات”.
وتؤكد أن “استراتيجية إيران تجاه مضيق هرمز ليست موقفاً مؤقتاً، بل تستند إلى عقود من صنع الممارسة القانونية المتماسكة”، تشمل عدم الانضمام إلى اتفاقية قانون البحار، والإعلان التفسيري، ونهج “المعترض المستمر”، وقانون المناطق البحرية لعام 1993.
FAQ
س1: ما أهمية مضيق هرمز لكابلات الإنترنت؟
ج: يعبر منه سبعة أنظمة كابلات رئيسية على الأقل، تربط دول الخليج الفارسي بمراكز البيانات العالمية، مما يجعله نقطة اختناق رقمية حيوية.
س2: ما الأساس القانوني الذي تستند إليه إيران لفرض رسوم على الكابلات؟
ج: تستند إيران إلى أن قاع البحر الإقليمي يخضع لسيادتها المطلقة وفقاً لاتفاقية قانون البحار، وأن الاتفاقية صامتة بشأن تنظيم الكابلات في هذه المنطقة.
س3: ما الفرق بين العبور الترانسيتي والعبور البريء؟
ج: العبور الترانسيتي يضمن حرية الملاحة والتحليق ولا يمكن تعليقه، بينما العبور البريء يمنح الدولة الساحلية صلاحيات أوسع، بما في ذلك تعليق العبور.
س4: لماذا لم تصدّق إيران على اتفاقية قانون البحار؟
ج: بسبب تعارضات قانونية مع السيادة الوطنية، وأصدرت إعلاناً تفسيرياً يرفض الاعتبار العرفي لنظام العبور الترانسيتي.
س5: ما التحديات اللوجستية لإصلاح الكابلات في مضيق هرمز؟
ج: تعتمد عمليات الإصلاح على أسطول محدود، وتتطلب تصاريح دخول المياه الإقليمية، وقد تتأخر لأشهر في ظروف الأزمات.



