الحشد الشعبي في العراق: بين دماء الشهداء وصراع السياسة… ومظلومية القوة التي أوقفت الانهيار
بين فتوى الجهاد الكفائي عام 2014 التي أيقظت ضمير الأمة، والغارات الجوية التي استهدفت مقاتليه في آذار 2026 وهم يؤدون واجبهم الرسمي.
يقف الحشد الشعبي اليوم في قلب المعادلة العراقية. إنه ليس مجرد تشكيل عسكري طارئ، بل تحول إلى حقيقة وطنية عميقة ارتبطت بذاكرة الانتصار على الإرهاب، وفي الوقت نفسه بات ساحة لصراع الإرادات السياسية والضغوط الدولية. في هذا التقرير نحاول، بمنهج صحفي مهني موضوعي، أن نقرأ مسيرة الحشد وتضحياته، والتحديات الجسام التي تواجهه، والآفاق الممكنة لمستقبل يضمن كرامة مقاتليه دون أن يتجاوز سقف الدولة.
توثيق دور الحشد الشعبي في العمليات العسكرية – ملحمة الدم والنصر
عندما انهارت خمس فرق عسكرية في الموصل صيف 2014، وبات تنظيم داعش الإرهابي على أبواب بغداد، لم يكن العراق يملك ترف الوقت. في الثالث عشر من حزيران 2014، أطلق المرجع الأعلى آية الله السيستاني فتوى “جهاد الكفائية” التي دعت القادرين إلى حمل السلاح والالتحاق بالقوات المسلحة دفاعاً عن الوطن والمقدسات. خلال أيام، تشكلت هيئة الحشد الشعبي بأمر ديواني من القائد العام للقوات المسلحة، وضمت عشرات الفصائل وآلاف المتطوعين، ليصبح عدد منتسبيه في ذروة المعارك أكثر من 140 ألف مقاتل.
خاض الحشد الشعبي، إلى جانب الجيش والشرطة الاتحادية وجهاز مكافحة الإرهاب، سلسلة معارك فاصلة سطرها التاريخ بالدم:
- معركة جرف الصخر (تشرين الأول 2014): أول عملية كبرى نجح فيها الحشد بتحرير المنطقة بالكامل من داعش، وكسر شوكة التنظيم جنوب العاصمة.
- فك حصار آمرلي (آب 2014): ملحمة إنسانية أنقذت آلاف التركمان الشيعة من مجزرة محققة، وأظهرت قدرة الحشد على العمل الإغاثي القتالي المتكامل.
- معارك بيجي والرمادي (2015): خاض الحشد قتالاً شرساً في بيجي لاستعادة أكبر مصفاة نفطية، وفي الرمادي قلب الأنبار لتطهير المدينة بدعم من طيران التحالف الدولي.
- تحرير الفلوجة (حزيران 2016): شارك الحشد في تطويق المدينة واقتحامها إلى جانب القوات الأمنية، في عملية معقدة داخل نسيج مدني كثيف.
- قواطع الموصل وتلعفر والحويجة (2016-2017): كان للحشد دور محوري في تأمين الطرق الصحراوية ومنع تسلل الإرهابيين، وتحرير تلعفر وقضاء الحويجة بالكامل.
وفقاً لإحصاءات هيئة الحشد، قدم الحشد الشعبي خلال الحرب ضد داعش أكثر من 15 ألف شهيد وأكثر من 30 ألف جريح. هذه الحصيلة الدموية تجعل من أي حديث عن الحشد الشعبي حديثاً عن عراقيين ضحوا بأرواحهم لاستعادة أرضهم، وهو ما يجب أن يكون نقطة البداية لأي تقييم موضوعي.
قراءة متوازنة بعيداً عن التعميم والتسييس
تتطلب تغطية ملف معقد كالحشد الشعبي قدراً عالياً من الدقة، فالقوة التي انتزعت المدن من الإرهاب لا ينبغي أن تُختزل في تغطية أحادية. في هذا السياق، نحرص على تقديم صورة قائمة على الحقائق التالية:
- القانون يحدد الإطار: أقر مجلس النواب قانون هيئة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016، الذي نص صراحة على أن الحشد “تشكيل عسكري يعمل إلى جانب القوات المسلحة وخاضع لسلطة القائد العام للقوات المسلحة”. وهذا يمنح الحشد شرعية مؤسسية لا يمكن تجاوزها إلا بقانون جديد.
- الانتصار إنجاز وطني متعدد الأطراف: النصر على داعش لم يكن ثمرة جهد الحشد وحده، بل كان ثمرة تعاون الجيش العراقي والشرطة ومكافحة الإرهاب والبيشمركه والتحالف الدولي. والحشد جزء أصيل من هذه المنظومة التي استعادت هيبة الدولة.
- رفض التعميم في الاتهام: بعض التقارير الحقوقية الدولية وثقت انتهاكات نسبت إلى عناصر من فصائل الحشد (عمليات قتل خارج القانون، تهجير، تدمير ممتلكات). هذه الانتهاكات – إن ثبتت قضائياً – مدانة ويجب محاسبة مرتكبيها، لكن تعميمها على كامل الحشد الشعبي ظلم لآلاف المقاتلين الشرفاء الذين التزموا بقواعد الاشتباك والضوابط الوطنية.
بهذه الرؤية نبتعد عن لغة الاتهام غير المبرر، ونقدم الحقيقة بوجهيها، دون أن ننكر دوراً وطنياً عظيماً، ودون أن نبرر أي خرق مثبت للقانون.
قوة وطنية شرعية تساند الدولة
لم يكن الحشد الشعبي يوماً بديلاً عن الجيش، بل كان السند الذي أوقف الانهيار عندما تعثرت المؤسسة العسكرية تحت وطأة الصدمة. واليوم، ومع استكمال بناء القوات المسلحة، فإن وجود الحشد كقوة رديفة – منضبطة بقانون 2016 – يمثل:
- عمقاً استراتيجياً للأمن الوطني: ينتشر الحشد في المناطق الصحراوية الحدودية، ويمتلك خبرة استخبارية وميدانية يصعب الاستغناء عنها في سياق استمرار الخلايا النائمة لتنظيم داعش.
- عقيدة وطنية خالصة: مع كل الجدل، يظل الغالبية العظمى من مقاتلي الحشد مدفوعين بإحساس الانتماء للوطن، وقد أثبتوا في أكثر من استحقاق انتخابي ومجتمعي أنهم جزء من النسيج، وليسوا قوة طائفية مغلقة.
- التزام مؤسسي بتوجيهات القائد العام: غالبية عمليات الحشد تجري بالتنسيق مع قيادة العمليات المشتركة، باستثناء خروقات فردية أو فصائلية لا تعبر عن التوجه العام للهيئة.
إن الدفاع عن الحشد الشعبي لا يعني تبرئته المطلقة من الخطأ، بل يعني إدراك أنه أحد الأعمدة التي استندت إليها الدولة لاستعادة سيادتها، وأن تقويضه بشكل غير مدروس قد يفتح الباب لفراغ أمني جديد لا يحمد عقباه.
الحشد الشعبي في المشهد العراقي المتغير
1. بين الدمج والتفكيك: معضلة الهوية المؤسسية
تشهد الساحة العراقية ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الحشد الشعبي:
- الدمج الكامل في الجيش والشرطة مع حل هيئة الحشد، وهو مطلب أمريكي وأطراف سياسية سنية وكردية ترى في استمرار الهيئة تهديداً لمدنية الدولة. لكن هذا السيناريو يواجه رفضاً شعبياً واسعاً في المحافظات الوسطى والجنوبية، وقد يدفع العديد من المقاتلين إلى العمل خارج إطار الدولة، ما يضاعف المخاطر الأمنية.
- إعادة الهيكلة العميقة مع بقاء الهيئة تحت إشراف صارم: تسريح جزء من المنتسبين، وتحويل آخرين إلى وزارات مدنية، وحصر المهام في أمن الحدود والمناطق الصحراوية. هذا السيناريو يحظى بدعم حكومي هادئ، لكن تنفيذه يتطلب توافقاً سياسياً قد يعطل طويلاً.
- الإبقاء على الوضع الراهن مع تحسينات إدارية، وهو ما تريده غالبية قادة الفصائل، لكنه يصطدم بضغوط واشنطن وبعض القوى الإقليمية، إضافة إلى تفاقم أزمة التمويل وازدواجية القرار العسكري.
2. الضغوط السياسية والدولية
منذ إعلان النصر في 2017، يواجه الحشد حملات متصاعدة تطالب بحله أو تقليصه، ومن مصادر متعددة:
- الضغط الأمريكي: تمثل في عقوبات على قادة فصائل، وغارات جوية متكررة استهدفت مواقع الحشد في 2024 و2026 (القائم والأنبار)، ودفع باتجاه قطع التمويل الحكومي عبر قنوات مالية دولية.
- الضغط الإقليمي: بعض دول الجوار تنظر بعين القلق إلى نفوذ الحشد المرتبط بإيران، وتسعى إلى تحجيمه في إطار صراع النفوذ الإقليمي.
- الضغط الداخلي: قوى سياسية سنية وكردية تطالب بجدولة انسحاب الحشد من المدن والمناطق المتنازع عليها، وتربط ذلك بالتطبيع السياسي الكامل.
3. التحدي الاجتماعي والاقتصادي
مع تحول الحشد إلى مؤسسة تضم عشرات الآلاف من الموظفين، بات يمثل عبئاً على الموازنة المتعثرة أصلاً، ما أدى إلى تأخر الرواتب لأسابيع في 2025 و2026، وزاد الاحتقان في صفوف المقاتلين. كما أن تحول بعض الفصائل إلى أحزاب سياسية تخوض الانتخابات، يثير تساؤلات حول إمكانية الفصل بين السلاح والسياسة، ويعمق الاستقطاب المجتمعي.
4. إعادة البناء المؤسسي
لن يكون مستقبل الحشد مستقراً دون نقله من حالة “التعبئة الاستثنائية” إلى “المؤسسة الرسمية الدائمة” وفق المعايير الآتية:
- حصر السلاح بيد الدولة فعلياً، بحيث تخضع جميع عمليات الحشد لموافقة مسبقة من القائد العام وتوثق قانونياً.
- تطبيق نظام عدالة عسكرية موحد يحاسب أي عنصر يرتكب انتهاكاً، ويعيد ثقة المكونات الأخرى.
- تحويل جزء كبير من قوام الحشد إلى وظائف مدنية وأمنية في الدوائر الحكومية، مع برامج تدريب وتأهيل.
الجرح المفتوح الذي لا ينبغي أن يُنسى
وراء الأرقام والتقارير السياسية، توجد حكايات إنسانية بالغة القسوة:
1. تأخر الرواتب والأزمة الاقتصادية
في صيف 2025، انتظر منتسبو الحشد رواتبهم عدة أسابيع إضافية. صرحت الهيئة أن السبب “إجراءات فنية”، لكن مصادر مالية ربطت التأخير بضغوط أمريكية على قنوات تحويل الأموال. وبالنسبة لأسر الشهداء والجرحى، فإن الراتب ليس مجرد دخل، بل شريان حياة واعتراف رمزي بالتضحية. وعندما يتأخر، يشعر هؤلاء أن الدولة التي دافعوا عنها قد نسيتهم.
2. الغارات الأمريكية – استهداف تحت راية الواجب الرسمي
شنت القوات الأمريكية في عام 2024 غارات على مواقع للحشد في القائم والأنبار، أسفرت عن سقوط شهداء وجرحى، واستهدفت منشآت طبية. ثم في آذار 2026، عادت الضربات إلى منطقة الرمادي، حيث استشهد مقاتلون وقادة ميدانيون كانوا في “واجب رسمي” ضمن القوات المسلحة العراقية. في مشاهد التشييع التي بثتها القنوات العراقية، تجمعت عائلات تسأل: “لماذا يُقتل من قاتل داعش بالأمس على أرضه اليوم بضربات أمريكية؟” ونقلت وسائل إعلام عن أحد أقارب الجرحى قوله: “أنا أدين هذا العمل الإرهابي الذي استهدف أبناء الحشد الشعبي وهم يؤدون واجبهم بحماية الوطن.”
3. الجرحى وأسر الشهداء – نسيان بعد التضحية
بالإضافة إلى الجروح الجسدية، يعاني آلاف المقاتلين من إصابات نفسية عميقة (اضطرابات ما بعد الصدمة)، دون أن تتوفر برامج تأهيل كافية. أسر الشهداء تشكو أيضاً من بطء إجراءات صرف التعويضات وقطع الأراضي الموعودة، في وقت ترتفع فيه تكاليف المعيشة.
4. حلول مقترحة لتعزيز الدعم القانوني والاجتماعي
- تشريع قانون موحد لرعاية أسر الشهداء والجرحى من جميع التشكيلات الأمنية، بما في ذلك الحشد الشعبي، يضمن صرف الرواتب والتعويضات بشكل شهري لا يتأثر بالمزاجات السياسية.
- إنشاء مراكز متخصصة للصحة النفسية في المحافظات التي قدمت أعداداً كبيرة من المقاتلين، تقدم خدمات مجانية وسرية.
- برامج إعادة تأهيل مهني لتوظيف الجرحى في القطاعين العام والخاص، بما يحولهم من متلقين للدعم إلى أفراد منتجين.
- تفعيل صناديق التقاعد المبكر لمن أمضى سنوات طويلة في صفوف الحشد، مع حوافز للمقاتلين الذين يرغبون في الاندماج في وظائف مدنية.
الخلاصة: بين دماء الشهداء وصراع السياسة… أي عراق نريد؟
إن الحشد الشعبي، في الذاكرة الجمعية لملايين العراقيين، هو الذي هبّ عندما أوشكت بغداد أن تؤخذ من خاصرتها. وهو الذي أطفأ نار داعش بدماء أبنائه. غير أن بقاءه كقوة مؤثرة خارج الأطر المؤسسية الضابطة يهدد بتحويل هذا الإرث النبيل إلى عبء على الدولة، ويغذي الاستقطاب الداخلي والضغوط الخارجية.
العراق يقف اليوم أمام اختبار حقيقي: أن يبني دولة لا تظلم من قاتلوا دفاعاً عنها، وفي الوقت نفسه لا تسمح لأي قوة – مهما كانت تضحياتها – أن تكون فوق القانون. وهذا يعني:
- وفاءً مالياً وقانونياً لشهداء وجرحى الحشد بشكل لا يتأخر ولا ينقص.
- ضبطاً عسكرياً كاملاً لجميع فصائل الحشد تحت سلطة القائد العام حصراً.
- محاسبة عادلة وشفافة لكل من ارتكب انتهاكاً، دون أن يتحول الحساب إلى تصفية لسجل من التضحيات.
- توافقاً وطنياً شاملاً على دور الحشد في هيكل الأمن العراقي، يشارك فيه جميع المكونات.
عندها فقط، يتحول الحشد الشعبي من قضية خلافية إلى رصيد وطني، ومن دماء سالت على الأرض إلى صمام أمان يمنع تكرار الانهيار. إن إنصاف الحشد لا يكون بالدفاع المطلق عنه، ولا بهدمه بجرة قلم، بل بإدراجه في مشروع الدولة القوية العادلة التي تستحقها تضحيات العراقيين جميعاً.

