آخر الأخبارالمقالات والتقارير

صراع المعايير والضغوط: الإطار التنسيقي يعجز عن حسم مرشح رئاسة الوزراء في العراق

ما تقرأهُ في هذا الخبر 🔻

العراق: خلافات داخل الإطار التنسيقي تعرقل اختيار رئيس الوزراء الجديد، وضغوط أمريكية تستبعد المالكي، ومعايير جديدة تشترط القبول الوطني والالتزام بالمرجعية.

مع انقضاء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس وزراء جديد في العراق، تتصاعد حدة الخلافات داخل “الإطار التنسيقي”، أكبر تحالف شيعي حاكم، حول هوية المرشح وآلية اختياره. فبين إصرار بعض الأطراف على التوافق الكامل، ودعوات أخرى لآلية بديلة، تلقي الضغوط الأمريكية بظلالها على المشاورات، وخاصة بعد اعتراض الرئيس دونالد ترامب على تسمية نوري المالكي. هذا التقرير يستعرض أبعاد الأزمة، والمواقف المتضاربة، والسيناريوهات المحتملة، في وقت يتزايد فيه القلق من فراغ سياسي جديد يهدد استقرار البلاد.

تنص المادة 76 من الدستور العراقي (الفقرة أ) على أن “يكلف رئيس الجمهورية، خلال 15 يوماً من تاريخ انتخابه، مرشح الكتلة النيابية الأكثر عدداً بتشكيل مجلس الوزراء”. ومع انتخاب نزار عامدي رئيساً للبلاد في 11 نيسان/أبريل الجاري، تكون المهلة الدستورية قد انتهت عملياً، مما يضع العراق أمام اختبار حقيقي لقدرة قواه السياسية على تجاوز خلافاتها.

تعتبر كتلة “الإطار التنسيقي” الكتلة الأكبر في مجلس النواب، حيث تشير نتائج الانتخابات الأخيرة إلى حصولها على ما بين 130 و140 مقعداً من أصل 329. هذا التفوق العددي يمنحها الحق الدستوري في تسمية رئيس الوزراء، لكن الخلافات الداخلية حالت دون حسم الملف حتى الآن.

الإطار التنسيقي يؤكد على أهمية الاتفاق العراقي - التركي للمياه في الحفاظ على الأمن المائي والسيادة الوطنية
أسباب تعثر المشاورات داخل الإطار التنسيقي

كشفت مصادر مطلعة لمراسل “آماج” في بغداد أن الخلاف لا يقتصر على تقديم شخصية المرشح، بل يمتد إلى الآلية الكاملة للترشيح. فبينما يطالب بعض الأعضاء بالتوافق التام بين جميع التيارات داخل الإطار التنسيقي، يتحدث آخرون عن ضرورة إنشاء آلية بديلة لا تستلزم إجماع جميع التيارات الشيعية على مرشح واحد. كما يشمل الخلاف طريقة التصويت والضمانات المتعلقة بتوزيع الحقائب الوزارية بين التيارات المختلفة، مما يعقد عملية التوافق.

رغم أن الإطار التنسيقي كان قد أعلن في 24 كانون الثاني/يناير الماضي ترشيح نوري المالكي لرئاسة الوزراء، فإن هذا الترشيح واجه اعتراضات داخلية وخارجية. وتتنافس حالياً أسماء أخرى، أبرزها:

  • محمد شياع السوداني، رئيس الوزراء الحالي، الذي يتمتع بدعم ائتلاف “البناء والتطوير” وبعض النواب الذين يطالبون بتمديد ولايته لإكمال المشاريع الجارية في قطاع الخدمات العامة.
  • باسم البدري، رئيس لجنة مساءلة أعضاء حزب البعث، والذي تشير تقارير إلى أن قوى داخل الإطار تتجه إلى الاتفاق على ترشيحه بأغلبية الثلثين.
  • حميد الشطري، رئيس جهاز المخابرات، الذي يتمتع بخبرة أمنية واسعة.

يمثل الموقف الأمريكي أحد أبرز عوامل التعقيد. فقد هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في 27 كانون الثاني/يناير الماضي، بوقف الدعم عن العراق في حال عودة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة. هذا التهديد، الذي يعد تدخلاً صريحاً في الشأن الداخلي العراقي، دفع قادة الإطار التنسيقي إلى البحث عن بدائل، رغم أنهم لم يسحبوا رسمياً دعمهم للمالكي.

لم تقتصر الاعتراضات على المالكي على الجانب الأمريكي، بل امتدت إلى قوى داخل الإطار التنسيقي نفسه، أبرزها تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، وحركة “عصائب أهل الحق” بزعامة قيس الخزعلي. هذا الاعتراض الداخلي زاد من تعقيد المشاورات وأطال أمدها.

الإطار التنسيقي يعقد اجتماعه الدوري بحضور محمد شياع السوداني
مواقف القوى السياسية

أفاد بعض نواب البرلمان العراقي في حديثهم لـ”آماج” بأنهم طالبوا قادة الإطار التنسيقي بالإسراع في تقديم المرشح، مع انتهاء المهلة الدستورية. لكن المطالب نفسها تباينت: فبينما طالب بعض النواب بتقديم شخصية جديدة تماماً، دعا آخرون، بمن فيهم نواب ائتلاف “البناء والتطوير”، إلى استمرار ولاية محمد شياع السوداني لأربع سنوات أخرى. وهذه المجموعة تستند إلى نجاح أداء حكومة السوداني، خاصة في قطاع الخدمات العامة، لضرورة منحه الفرصة لإكمال المشاريع الجارية.

في تصريح حديث، أوضح حسين عنكوشي، نائب ائتلاف “البناء والتطوير” الذي يتزعمه رئيس الوزراء الحالي، أن دعم ائتلافه للمرشح الذي سيوافق عليه الإطار التنسيقي مرهون بـ”الإجماع الوطني”. كما أشار عنكوشي إلى التحديات الداخلية والخارجية الكبيرة التي تواجه رئيس الوزراء القادم، مؤكداً أن العراق بحاجة إلى قيادة تحظى بدعم سياسي وبرلماني واسع.

من جهته، دعا غيث أبو شعبة، نائب ائتلاف “الأساس”، إلى الإسراع في حسم الملف، مشدداً على أن المسؤولية تقع على عاتق الإطار التنسيقي. وأضاف أن المرشح يجب أن يكون قادراً على إدارة ملفات معقدة مثل الأمن والاقتصاد وأزمة المياه، بالإضافة إلى تشكيل حكومة قادرة على ضمان النجاح.

في محاولة لضبط عملية الاختيار، حدد رئيس المجلس الأعلى الإسلامي في العراق، همام حمودي، أحد القادة البارزين في الإطار التنسيقي، ثلاثة معايير رئيسية لحسم الاختيار، وهي:

  1. القبول الوطني: أن يحظى المرشح بقبول واسع من مختلف القوى السياسية والمكونات العراقية.
  2. الالتزام برؤية المرجعية العليا: أن يكون ملتزماً بتوجيهات المرجعية الدينية في النجف، التي تلعب دوراً محورياً في توجيه العملية السياسية.
  3. تحقيق مصلحة العراق: أن تكون أولوياته وسياساته موجهة لخدمة البلاد وليس لأجندات ضيقة.

وشدد حمودي على أن الإطار التنسيقي “حريص على أن يكون المرشح قادراً على النجاح في المنصب، ويحظى بإجماع قوى الإطار التنسيقي”، وأضاف أن الإطار يمثل “المرجعية السياسية لرئيس الوزراء المقبل”. وهذه المعايير، كما يرى مراقبون، تحاول التوفيق بين المتطلبات الوطنية والمرجعية والحزبية، لكنها تظل بحاجة إلى ترجمة عملية على أرض الواقع.

ايران و العراق
الدور الإيراني في المشاورات

على النقيض من الضغوط الأميركية، تحاول إيران تعزيز نفوذها للحفاظ على تماسك حلفائها في العراق. وقد قام قائد فيلق القدس تابع لحرس الثورة الإسلامية ، إسماعيل قاآني، بزيارة غير معلنة إلى بغداد الأسبوع الماضي التقى خلالها بقادة من “الإطار التنسيقي”، وذلك في مسعى لحل الخلافات والتوصل إلى تفاهم بشأن مرشح رئاسة الوزراء. وتعكس هذه التحركات الدور الإيراني في المشهد السياسي العراقي، وهي تثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود السيادة الوطنية واستقلالية القرار العراقي.

مع انتهاء المهلة الدستورية، يدخل العراق في منطقة خطرة قد تؤدي إلى فراغ سياسي مشابه لما حدث بعد انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2021، والذي استمر نحو عام كامل قبل أن يتم التوافق على تكليف محمد شياع السوداني في 27 تشرين الأول/أكتوبر 2022.

وهذا السيناريو غير مرغوب فيه من جميع الأطراف، لأنه يعني:

  • شل عمل الحكومة وتعطيل اتخاذ القرارات المصيرية.
  • توقف المشاريع الخدمية والتنموية، مما يفاقم معاناة المواطنين.
  • زيادة حالة عدم اليقين التي تستغلها الجماعات المتطرفة وتضعف الأمن.
  • تآكل ثقة المستثمرين والجهات المانحة.

أياً كان المرشح الذي سيفوز بتكليف تشكيل الحكومة، فإن التحديات الملقاة على عاتقه ستكون هائلة وتتطلب حكمة وقدرة على المناورة:

على الرغم من تحسن الوضع الأمني النسبي مقارنة بسنوات مضت، لا تزال هناك تحديات مرتبطة ببقايا خلايا تنظيم داعش، والنشاط المسلح في بعض المناطق، والتهديدات الإرهابية المحتملة.

يعاني العراق من أزمة مالية خانقة، وتدهور في قيمة العملة، وارتفاع في معدلات البطالة والفقر. كما أن الاعتماد شبه الكلي على النفط يجعل الاقتصاد عرضة للصدمات الخارجية.

تعد أزمة شح المياه من أخطر التحديات التي تواجه العراق، حيث تهدد الموسم الزراعي وتسبب نزوحاً داخلياً وتوتيرات مع دول الجوار. كما أن التغير المناخي والتصحر يضاعفان من معاناة البلاد.

يرى مراقبون للشأن العراقي أن التحدي الأكبر الذي سيواجه رئيس الوزراء المقبل، يتمثل في قدرته على تحقيق توازن دقيق يراعي مصالح العراق والمنطقة، في مقابل التعامل مع الضغوط الأمريكية، دون المساس بالسيادة الوطنية.

هذا التوازن ليس مجرد خيار دبلوماسي، بل ضرورة فرضتها الجغرافيا السياسية للعراق، الذي لا يزال يشكل ساحة تنافس إقليمي ودولي.

اشتعال المنطقة يضاعف الصعوبة

ويتزايد تعقيد هذه المعادلة في ظل اشتعال المنطقة على وقع الأحداث الأخيرة في الخليج الفارسي وما حوله، حيث تتصاعد حدة التوتر بين القوى الكبرى، وينعكس ذلك مباشرة على المشهد العراقي الداخلي.

دبلوماسية ماهرة مطلوبة

ويؤكد المحللون أن النجاح في هذا الملف يتطلب دبلوماسية ماهرة، وقدرة على إدارة الأزمات، وثباتاً على مبادئ سيادة العراق واستقلالية قراره، بعيداً عن الرضوخ لأي ضغوط خارجية.

السيادة الوطنية خط أحمر

ويشددت أوساط سياسية عراقية على أن أي رئيس حكومة مقبل سيكون مطالباً بالحفاظ على مسافة واحدة من جميع الأطراف، مع رفض تحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات أو فرض أجندات تتعارض مع مصلحة الشعب العراقي أولاً.

التوازن بين مصالح العراق والمنطقة من جهة، والضغوط الأمريكية من جهة أخرى، يبقى التحدي الأكبر لرئيس الوزراء العراقي المقبل، في ظل اشتعال الأحداث بالمنطقة، وسط تأكيدات على أن السيادة الوطنية خط أحمر لا يمكن تجاوزه.

لا يزال المشهد السياسي العراقي يعاني من انقسامات عميقة بين المكونات (شيعة، سنة، كرد). وسيكون على رئيس الوزراء الجديد أن يعمل على رد الاعتبار للوحدة الوطنية وتوزيع الحقائب الوزارية بطريقة تعكس الشراكة الحقيقية.

على الجانب الآخر، توجد فرص حقيقية يمكن استثمارها إذا ما نجحت القوى السياسية في تجاوز خلافاتها:

رغم أن جميع الأطراف الدولية والإقليمية، بما فيها إيران ودول الجوار، تتفق على أهمية استقرار العراق وعدم انزلاقه إلى الفوضى، إلا أن التعامل الفعلي للولايات المتحدة الأمريكية يكشف نية مختلفة، وفق متابعين للشأن العراقي.

تناقض أمريكي
ويرى مراقبون أن واشنطن، خلافاً لما تعلنه، لا تريد استقراراً حقيقياً للعراق، بل تفضل بقاءه في حالة من الهشاشة التي تسمح لها بتمرير أجنداتها والضغط على حلفائها في المنطقة.

فرصة دعم حكومة قوية
في المقابل، تؤكد أوساط سياسية عراقية أن الإرادة المشتركة للأطراف الأخرى – بما فيها إيران ودول الجوار – يمكن أن تتحول إلى دعم سياسي واقتصادي لحكومة جديدة قوية، قادرة على فرض الاستقرار وحماية السيادة الوطنية، رغم العوائق الأمريكية.

استقرار العراق مصلحة إقليمية
ويشدد المحللون على أن استقرار العراق يمثل مصلحة حقيقية لدول الجوار، فيما تظل السياسة الأمريكية قائمة على إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم يخدم أهدافها.

إجماع دولي وإقليمي على ضرورة استقرار العراق، باستثناء السلوك الأمريكي الذي يناقض تصريحات واشنطن، وسط ترجيحات بتحول الإرادة المشتركة لدول الجوار وإيران إلى دعم ملموس لحكومة عراقية قوية.

العراق بلد غني بالنفط والغاز والمياه والأراضي الزراعية، ويمتلك طاقات بشرية شابة متعلمة. استثمار هذه الموارد بشكل صحيح يمكن أن يحقق قفزات تنموية هائلة.

تمثل المرجعية الدينية في النجف عامل استقرار كبير، حيث تلعب دوراً في توجيه القوى السياسية وحل النزاعات. التزام المرشح برؤيتها يمنحه شرعية إضافية.

بناءً على المعطيات الحالية، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

أن تنجح جهود الوساطة الداخلية والخارجية في الاتفاق على اسم توافقي، مثل باسم البدري أو حميد الشطري، خلال الأيام القليلة القادمة. هذا السيناريو سيمنع الفراغ السياسي ويسمح ببدء عملية تشكيل الحكومة.

أن يتم الاتفاق على تعديل دستوري أو تفسير جديد يسمح بتمديد ولاية رئيس الوزراء الحالي لإنهاء المشاريع الجارية. لكن هذا السيناريو يواجه صعوبات قانونية وسياسية.

أن تستمر الخلافات وتنتهي المهلة دون اتفاق، مما يؤدي إلى دخول العراق في فراغ سياسي طويل الأمد. هذا السيناريو سيكون له تبعات خطيرة على جميع المستويات.

يقف العراق اليوم على مفترق طرق. فبينما تنقضي المهلة الدستورية لاختيار رئيس الوزراء، تواصل القوى السياسية، وتحديداً الإطار التنسيقي، صراعها على المعايير والشخصيات والآليات. الضغوط الأمريكية حالت دون عودة نوري المالكي، بينما تحاول إيران لعب دور الوسيط للحفاظ على استقرار العراق. وفي غضون ذلك، تتزايد الدعوات البرلمانية والشعبية للحسم تجنباً لفراغ سياسي جديد.

الأكيد أن رئيس الوزراء المقبل، أياً كان، سيواجه تحديات جسيمة تتطلب قيادة قوية وحكيمة: أمنياً، اقتصادياً، مائياً، ودبلوماسياً. لكن الفرص متاحة أيضاً، إذا ما توافرت الإرادة السياسية والدعم الإقليمي والدولي. تبقى لحظة الحقيقة معلقة بين جدران قاعات الاجتماعات في بغداد، حيث يقرر قادة الإطار التنسيقي مصير المرحلة المقبلة، وربما استقرار العراق لسنوات قادمة.

إن تعثر المشاورات داخل الإطار التنسيقي لاختيار رئيس وزراء العراق الجديد يكشف عن أزمة أعمق في طريقة إدارة التوافق السياسي. فبين الخلاف على الآلية والشخصيات، والضغوط الخارجية المتضاربة، والاستحقاقات الدستورية الملحة، يخاطر العراق بدخول نفق فراغ سياسي طويل. ورغم أن المعايير الثلاثة التي أعلنها همام حمودي تشكل خطوة في الاتجاه الصحيح، إلا أن ترجمتها إلى واقع يتطلب تنازلات حقيقية وإرادة صادقة من جميع الأطراف. إن قدرة الإطار التنسيقي على تجاوز خلافاته وتقديم مرشح قوي يحظى بقبول وطني، ستحدد ما إذا كانت السنوات المقبلة سنوات استقرار وتنمية، أم سنوات أزمات وتراجع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى