آخر الأخبارالعراقالمقالات والتقارير

معركة السيادة.. كيف بنت إسرائيل قاعدة سرية في صحراء العراق ومن كان يعلم بها؟

ما تقرأهُ في هذا الخبر 🔻

كشف قاعدة عسكرية إسرائيلية سرية في صحراء العراق الغربي، أنشئت لدعم الحرب على إيران. تفاصيل الاشتباك مع القوات العراقية، الخسائر، والأبعاد الاستراتيجية لاختراق السيادة.

في واقعة تعد الأخطر من نوعها منذ سنوات، كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين مطلعين، عن قيام إسرائيل بإنشاء منشأة عسكرية سرية في الصحراء الغربية للعراق، وذلك لدعم حملتها الجوية ضد إيران خلال الحرب التي اندلعت في أواخر فبراير 2026. القاعدة التي ضمت قوات خاصة، وفرق بحث وإنقاذ، ووحدات دعم لوجستي، كادت أن تُكتشف على يد راعٍ عراقي بسيط في أوائل مارس، مما أدى إلى اشتباك دموي مع القوات العراقية أوقع شهيداً وجريحين، وكشف عن حجم التعقيد والتداخل في العمليات العسكرية الإقليمية.

هذا التقرير يقدم تفاصيل دقيقة حول الموقع، الأهداف، الاشتباك، والتداعيات على السيادة العراقية والتوازنات الإقليمية في الخليج الفارسي وغرب آسيا.

كتائب سيد الشهداء استشهاد عناصر من الحشد الشعبي في القائم إثر اعتداء صهيو-أمريكي.. ونطالب بتفعيل قانون إخراج القوات الأجنبية وطرد السفارة الأمريكية
منشأة في قلب الصحراء

بحسب المصادر المطلعة التي تحدثت إلى “وول ستريت جورنال”، أنشأت إسرائيل هذه القاعدة السرية قبيل اندلاع النزاع مع إيران بفترة وجيزة (نهاية فبراير 2026)، وذلك بعلم الولايات المتحدة ودعمها اللوجستي. الموقع يقع في الصحراء الغربية للعراق، في منطقة قريبة من الحدود مع المملكة العربية السعودية، وتحديداً ضمن النطاق الجغرافي الصحراوي الشاسع بين محافظتي النجف والأنبار.

رغم عدم وجود إحداثيات دقيقة منشورة في المصادر المتاحة، يشير الخبراء العسكريون إلى أن المنطقة المستهدفة تقع في مثلث الصحراء الغربية الممتد من “وادي حمير” (Wadi Hamir) قرب النجف إلى صحراء “النخيب” (Nukhayb) المتاخمة للحدود السعودية. هذه المنطقة تتميز بطبيعة صحراوية وعرة وقليلة السكان، مما يجعلها مثالية للعمليات الخفية.

قاعدة كالسو في بابل بعد العدوان الجوي
العراق

وفقاً للتقرير، ضمت القاعدة ثلاثة مكونات رئيسية:

المكونالتفاصيل
مركز لوجستي لسلاح الجومثّل القاعدة نقطة توقف وإعادة تزويد بالوقود لدعم آلاف الغارات الجوية التي نُفذت على أهداف داخل إيران
فرق بحث وإنقاذ (SAR)تمركزت فرق إنقاذ إسرائيلية في الموقع للاستجابة السريعة في حال إسقاط طيارين إسرائيليين فوق الأراضي الإيرانية
قوات خاصة من سلاح الجووحدات كوماندوز تدربت على العمليات داخل الأراضي المعادية، ما يؤكد الأهمية الاستراتيجية للموقع

أشارت المصادر إلى أنه لم يحتج أي طيار إسرائيلي إلى عمليات إجلاء خلال النزاع، مما يعني أن هذه الفرق بقيت في حالة تأهب دون الحاجة للتدخل الفعلي.

كشفت صور الأقمار الاصطناعية التي حصلت عليها هيئة البث الإسرائيلية (“كان”) ونشرتها “وول ستريت جورنال” عن وجود مدرج طيران مؤقت بطول يتراوح بين 1.5 و1.6 كيلومتر، أُنشئ في قاع بحيرة جافة، إضافة إلى خنادق وتحصينات عسكرية تشير إلى تمركز جنود قرب المدرج. وقد اختفى هذا المدرج لاحقاً، ويُعتقد أنه دُمّر أو تضرر بفعل فيضانات مارس 2026.

كتبت وكالة “فرانس برس” (AFP) أن راعياً عراقياً هو الذي أبلغ السلطات المحلية عن نشاط غير معتاد للمروحيات في الصحراء الغربية في أوائل مارس 2026، مما أدى إلى كشف القاعدة. ووفقاً لمصدر مطلع على العملية، فإن هذا الراعي – وهو مواطن عادي من سكان المنطقة – رصد تحركات جوية غير مألوفة وأبلغ عنها، مما دفع القوات العراقية إلى التحرك.

بناءً على البلاغ، أرسلت السلطات العراقية قوات عسكرية للتحقيق في التحركات المشبوهة. وعند اقتراب القوات العراقية من الموقع، ردت القوات الإسرائيلية بغارات جوية بهدف منع القوات العراقية من الوصول إلى المنطقة. أسفر هذا الاشتباك عن:

  • استشهاد جندي عراقي
  • إصابة اثنين آخرين
  • تدمير آليات عسكرية عراقية

علق الفريق قيس المحمداوي، نائب قائد قيادة العمليات المشتركة العراقية، على الحادثة في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام العراقية الرسمية، قائلاً: “نُفذت هذه العملية المتهورة دون تنسيق أو موافقة” . وأضاف في تصريح آخر: “يبدو أن هناك قوة ما على الأرض قبل الغارة، مدعومة جوًا، تعمل خارج نطاق قدرات وحداتنا” .

أظهرت هذه التصريحات أن القوات العراقية واجهت قوة مجهولة (إسرائيلية) كانت تتمتع بقدرات جوية استثنائية تجاوزت قدرات الوحدات العراقية التقليدية.

بعد المواجهة الأولية، أفادت التقارير أن السلطات العراقية أرسلت وحدات إضافية لمكافحة الإرهاب لتفتيش المنطقة. وعثرت القوات العراقية لاحقاً على أدلة ملموسة تشير إلى وجود قوة عسكرية أجنبية هناك بدعم جوي، بما في ذلك أجهزة تشويش وإنذار ومخلفات عتاد عسكري.

ذكرى الـ 103 لتأسيس الشرطة العراقية آماج الإخباریة
موقف الحكومة العراقية

بعد الحادثة، قدمت الحكومة العراقية شكوى رسمية إلى الأمم المتحدة، اتهمت فيها الولايات المتحدة بالضلوع في الهجوم، استناداً إلى أن الطائرات التي نفذت الغارات كانت أمريكية الصنع وتعمل بتنسيق أمريكي.

إلا أن مصدراً مطلعاً على الأمر أفاد بأن الولايات المتحدة لم تكن متورطة في الضربة التي استهدفت القوات العراقية. هذا التناقض بين الرواية العراقية والرواية الأمريكية يثير العديد من التساؤلات حول مدى علم واشنطن ودورها الفعلي.

أثار الاشتباك تكهنات واسعة النطاق في وسائل الإعلام العراقية والعربية حول هوية القوات العاملة في المنطقة الصحراوية. ومع ذلك، لم يعترف المسؤولون الإسرائيليون علناً بمسؤوليتهم عن العملية، وامتنع الجيش الإسرائيلي عن التعليق على التقارير. كما امتنع متحدث باسم الحكومة العراقية عن الإدلاء بمزيد من التعليقات بشأن المنشأة الإسرائيلية المزعومة أو ما إذا كانت السلطات العراقية على علم بوجودها.

هذا الصمت المطبق من جميع الأطراف يعكس حساسية الملف وأبعاده الدبلوماسية المعقدة.

يقول خبراء أمنيون، من بينهم مايكل نايتس، رئيس قسم الأبحاث في مؤسسة “هورايزون إنترأكتيف” (Horizon Engage)، إن الصحراء الغربية العراقية الشاسعة توفر بيئة مثالية للعمليات العسكرية السرية نظراً لـ:

  • قلة سكانها وانعدام الوجود المدني المكثف.
  • صعوبة تضاريسها التي تعيق المراقبة والوصول.
  • قربها من الحدود السعودية مما يوفر غطاءً جغرافياً إضافياً.

قال نايتس: “من الطبيعي إجراء استطلاعات قبل العمليات وتجهيز هذه المواقع… مواقع العمليات الأمامية المؤقتة شائعة في الحملات العسكرية الحديثة” .

أشار نايتس إلى أن القوات الخاصة الأمريكية استخدمت المنطقة نفسها خلال عملياتها ضد نظام صدام حسين عامي 1991 و2003. كما لفت إلى أن سكان المنطقة الصحراوية اعتادوا على النشاط العسكري غير المعتاد على مر السنين، بدءاً من عناصر تنظيم “داعش” وصولاً إلى فرق العمليات الخاصة الدولية.

وأكد نايتس أن السكان المحليين أفادوا أيضاً برصد تحركات غير معتادة للمروحيات خلال النزاع الأخير بين إسرائيل وإيران.

من منظور عسكري إسرائيلي، مثّلت القاعدة نقطة قفز هجومية غيرت قواعد اللعبة. عبر تقليص مسافة الطيران من نحو 1,600 كيلومتر (من إسرائيل إلى إيران) إلى بضع مئات من الكيلومترات (من غرب العراق إلى إيران)، تمكن سلاح الجو الإسرائيلي من:

  • تنفيذ آلاف الطلعات الجوية بأعداد أكبر وتكرار أعلى.
  • التزود بالوقود وإعادة التسليح قرب ساحة المعركة.
  • تقليل زمن الاستجابة للتهديدات والأهداف المفاجئة.

على الرغم من أن إسرائيل لم تؤكد رسمياً وجود القاعدة في العراق، إلا أن مسؤولين إسرائيليين ألمحوا علناً إلى أنشطة سرية مرتبطة بالنزاع.

في أوائل مارس 2026 (أي قبل الكشف الإعلامي بأشهر)، كتب قائد سلاح الجو الإسرائيلي المنتهية ولايته، تومر بار، رسالة إلى جنوده قال فيها:

“في هذه الأيام، يقوم مقاتلون من الوحدات الخاصة في سلاح الجو بمهام خاصة قد تثير التساؤلات”

وأضاف بار في رسالته أن هذه القوات “تنفذ عمليات غير مرئية تُظهر قوة وصلابة الجيش الإسرائيلي”.

هذه التصريحات، التي صدرت في توقيت دقيق، قرأها المحللون كتأكيد ضمني على وجود عمليات إسرائيلية خاصة في عمق الأراضي العراقية خلال الحرب.

أفاد مصدر مطلع على العملية أن إسرائيل عرضت مساعدة الولايات المتحدة عبر قاعدتها السرية بعد إسقاط طائرة مقاتلة أمريكية من طراز F-15 قرب أصفهان في 3 أبريل 2026. إلا أن القوات الأمريكية نفذت عملية الإنقاذ بشكل مستقل في نهاية المطاف، مع دعم جوي إسرائيلي غير مباشر.

يمثل وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية سرية على الأراضي العراقية، دون علم أو موافقة الحكومة المركزية في بغداد، انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية بموجب القانون الدولي. هذا الانتهاك يتجاوز الخروقات الجوية المتكررة (التي كانت إسرائيل تمارسها بشكل شبه منتظم) إلى التواجد البري وتثبيت بنى تحتية عسكرية.

يثبت الكشف أن إسرائيل أصبحت قادرة على إنشاء منشآت عسكرية في أراضٍ عربية وإسلامية حليفة للولايات المتحدة، تحت غطاء العمليات المشتركة، ودون اعتراض فاعل من الحكومات المضيفة. هذا يخلق سابقة خطيرة قد تشجع إسرائيل على تكرار التجربة في دول أخرى.

يواجه رئيس الوزراء محمد شياع السوداني ضغوطاً هائلة من ثلاثة اتجاهات:

  • من الداخل: برلمان وشعب عراقيان يطالبان بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن هذا الخرق.
  • من واشنطن: التي تسعى للحفاظ على نفوذها وتبرير وجود قواتها في العراق.
  • من طهران: التي ترى في القاعدة دليلاً على “التواطؤ” ضدها وتضغط على العراق لاتخاذ موقف واضح.

هذا الكشف يعيد تشكيل وظيفة العراق في التوازنات الإقليمية بشكل كامل. فالعراق، الذي كان ساحة لصراع النفوذ بين واشنطن وطهران، أصبح الآن ساحة عمليات عسكرية مباشرة لإسرائيل، مما يعرضه لمخاطر أمنية وتداعيات سياسية غير مسبوقة.

يشكل كشف القاعدة العسكرية الإسرائيلية السرية في الصحراء الغربية للعراق واحداً من أخطر التطورات الأمنية والسياسية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة. فما بين إنكار إسرائيلي رسمي، وصمت أمريكي مريب، وتضارب في التصريحات العراقية، تبقى القضية مفتوحة على كل الاحتمالات.

السؤال الأكبر الذي يطرح نفسه اليوم: هل هذه القاعدة هي الوحيدة؟ وهل هناك قواعد أخرى مماثلة في مناطق أخرى من العراق لم تُكتشف بعد؟ إذا كانت إسرائيل قادرة على بناء منشأة بهذا الحجم والتعقيد في صحراء النجف على مرمى حجر من كربلاء والنجف، دون أن تعلم الحكومة العراقية، فمن المحتمل وجود قواعد أخرى في مناطق أكثر نأياً.

في ظل هذه التطورات، يبدو العراق أمام اختبار حقيقي لقدرته على فرض سيادته على أراضيه، والتصدي لأي وجود عسكري أجنبي غير مرخص. ومع استمرار الصراع الإسرائيلي الإيراني وتوسع رقعة العمليات العسكرية، يظل العراق عرضة للتحول إلى ساحة حرب بالوكالة بين القوى الكبرى، ما لم تتحرك بغداد بحكمة وحزم لإعادة تعريف علاقاتها مع جميع الأطراف وحماية سيادتها الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

عشرة − 6 =

زر الذهاب إلى الأعلى