مكتبة النور

کتاب الامام الشهيد محمد باقر الصدر رائد حركة التغير في العراق

في خضم التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العراق المعاصر، تبرز شخصية الإمام الشهيد محمد باقر الصدر كأحد أبرز العقول الموسوعية التي تجاوزت حدود الزمان والمكان. لم يكن مجرد مرجع ديني، بل كان رائد حركة التغير في العراق ومؤسس مشروع فكري نهضوي متكامل.

يأتي كتاب “الإمام الشهيد محمد باقر الصدر رائد حركة التغير في العراق” ليكون وثيقة استثنائية وشهادة حية بقلم أحد أقرب تلامذته، الشهيد عزالدين سليم. لا يختزل الكتاب سيرة الإمام الشهيد في سرد تاريخي جاف، بل يغوص في أعماق فكره التجديدي، محللاً أركان مدرسته في التغيير ومقاوماً محاولات طمس إرثه. هذه المقدمة هي بوابتك لفهم كيف تحول فكر الإمام محمد باقر الصدر إلى قضية وهوية، وكيف يقدم هذا الكتاب نفسه كمرجع لا غنى عنه لفهم جذور حركة التغير في العراق وأسس الفكر السياسي الإسلامي، مسلطاً الضوء على إرث لا يزال ينبض بالحياة في وجدان الأمة.

في زمنٍ تاهت فيه معالم التاريخ تحت وطأة الديكتاتورية، يأتي كتاب “الإمام الشهيد محمد باقر الصدر رائد حركة التغير في العراق” ليكون شهادةً حيّةً على عصرٍ كامل، ووثيقةً استثنائيةً لواحدٍ من أعمق المشاريع النهضوية في تاريخ العراق المعاصر. هذا الكتاب ليس مجرد سيرة تقليدية لرجل دين، بل هو محاولة فكرية جريئة لرسم ملامح مشروعٍ متكامل للتغيير الحضاري، قاده الإمام الشهيد محمد باقر الصدر من قلب الحوزة العلمية في النجف الأشرف.

صدر الكتاب عن دار المحجة البيضاء عام 2023م، ويقع في 84 صفحة من القطع المتوسط. يكشف الناشر عن جوهر العمل بقوله إن “قليلاً من الرجال يعيشون بين أممهم لا كأفراد، وإنما يعيشون ويموتون كقضية تترك أثرها في مسيرة التاريخ”، لافتاً إلى أن الإمام الصدر كان أحد هؤلاء الذين تجاوزوا حدود الزمان والمكان، محولاً حياته إلى مشروع نهضوي شامل.

وتتجلى أهمية الكتاب في كونه لا يكتفي بسرد الأحداث والمواقف، بل يغوص عميقاً في المنهج الفكري للإمام الصدر، مستعرضاً الأسس الفلسفية التي بنى عليها مشروعه التغييري. إنه كتاب يزاوج بين السيرة الشخصية والفكر السياسي، وبين التحليل التاريخي والرؤية الاستشرافية، مما يجعله مرجعاً لا غنى عنه لفهم طبيعة حركة التغيير في العراق التي قادها الإمام الشهيد، وأسسها الفكرية التي ما تزال حيةً تُلهم الأجيال.

ولعل ما يمنح هذا الكتاب مصداقيته الاستثنائية أن مؤلفه الشهيد عزالدين سليم لم يكن مجرد باحث أو مؤرخ، بل كان تلميذاً مقرباً من الإمام الصدر، ورفيقاً في مسيرة الجهاد، عاش معه المحنة، وخاض غمار العمل الإسلامي في أصعب ظروف القمع البعثي. من هنا، يكتسب الكتاب أهميته كشهادة حية من الداخل، لا كدراسة أكاديمية من الخارج.

ينقسم الكتاب إلى عدة فصول مترابطة، يرسم كل منها بعداً من أبعاد شخصية الإمام الشهيد، لتكتمل في النهاية صورة بانورامية لرائد حركة التغيير.

الفصل الأول: يتناول جذور التكوين الفكري والروحي للإمام الصدر، متتبعاً نشأته في أسرة علمية عريقة في الكاظمية، ومراحل تلقيه العلوم الدينية في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف. يُبرز المؤلف كيف تشكل وعي الإمام الصدر منذ وقت مبكر على أن الإسلام ليس مجرد طقوس تعبدية، بل هو “منهج حياة” متكامل يصلح لبناء الدولة وإدارة المجتمع.

الفصل الثاني: وهو جوهر الكتاب الأساس، يعرض فلسفة التغيير عند الإمام الصدر من خلال عدة محاور رئيسية. يعرض المؤلف الأسس والمبادئ التي قامت عليها رؤية الإمام الصدر لمشروعه النهضوي. يركز هذا الفصل على نظرية الإمام الصدر في التغيير التي تنطلق من فكرة أن “تغيير السلوك الإنساني يبدأ من تغيير المفاهيم”.

الفصل الثالث: يتناول الجانب التنظيمي والحركي في فكر الإمام الشهيد، ويسلط الضوء على تأسيسه لحزب الدعوة الإسلامية ليكون الإطار التنظيمي الحامل للمشروع الإسلامي في مواجهة المدّ الشيوعي والبعثي. يعرض المؤلف بموضوعية كيفية تعاطي الإمام مع التحديات التي واجهت الحزب، وموقفه الشهير بحرمة الانتماء لحزب البعث.

الفصل الرابع: يفرده المؤلف لمرحلة المواجهة مع النظام البعثي، ويروي تفاصيل الاعتقال والملاحقة والتعذيب التي تعرض لها الإمام ومريدوه، وكيف تحول الإمام الصدر في وعي الأمة إلى “ثأر تاريخي تحمله أجيال”. يركز هذا الفصل على صمود الإمام وشجاعته النادرة في وجه الجلاد، وموقفه الثابت حتى اللحظات الأخيرة قبل استشهاده في 9 أبريل 1980.

الفصل الخامس: وهو فصل ختامي، يناقش إرث الإمام الصدر الفكري وامتداد تأثيره على الحركة الإسلامية في العراق والعالم. يبرز المؤلف كيف تحول الإمام من مجرد مرجع ديني إلى “قضية” تتجاوز حدود الزمان والمكان.

تنبض صفحات الكتاب باقتباسات مؤثرة تعكس فكر الإمام ومبادئه. من أبرزها:

  • حول التغيير والمفاهيم: “متى أردنا أن نغير من سلوك الإنسان شيئاً يجب أن نغير من مفهوم اللذة والمنفعة عنده، وندخل السلوك المقترح ضمن الإطار العام لغريزة حب الذات”. يلخص هذا الاقتباس الاستثنائي جوهر منهج التغيير عند الإمام الصدر، حيث يبدأ التغيير الحقيقي من العقل والوجدان قبل السلوك الخارجي.
  • حول الوحدة الإسلامية: “أنا معك يا أخي وولدي السني بقدر ما أنا معك يا أخي وولدي الشيعي، أنا معكما بقدر ما أنتما مع الإسلام”. يعكس هذا الاقتباس رؤية الإمام الصدر الوحدوية التي تتجاوز المذهبية إلى آفاق الأمة الواحدة.
  • حول صفات القائد: “ليس عبثاً وليس صدفةً أنّ رائد الطريق دائماً كان إنساناً يعيش الوحي، لأنه كان لا بدّ له أن يعيش طريقه بأعلى درجة ممكنة للحسّ، حتى لا ينحرف”.
  • حول الشهادة والأثر التاريخي: “كما أن محمد باقر الصدر سيتحول إلى (ثأر تاريخي) تحمله أجيال من الأمة”.

يقدم الكتاب في أحد مقاطعه التحليلية المهمة نموذجاً لعمق الطرح وأسلوب الكاتب. يقول المؤلف:

“لم يكن الإمام الشهيد محمد باقر الصدر مجرد عالم دين يلقي الدروس في الحوزة العلمية، بل كان صاحب مشروع حضاري متكامل، ينظر إلى الإسلام على أنه نظام حياة قادر على بناء الأمة والدولة معاً. وعندما نقرأ تراثه الفكري، نكتشف أنه لم يترك جانباً من جوانب الحياة إلا وتناوله بالتحليل والتأصيل… من ‘فلسفتنا’ إلى ‘اقتصادنا’ إلى ‘مجتمعنا’، كان الإمام يرسم ملامح مدرسة فكرية إسلامية متكاملة، تستند إلى عمق التراث وتتفاعل مع تحديات العصر.”

في هذا المقطع يبرز أسلوب المؤلف المتميز بقدرته على المزج بين السرد التاريخي والتحليل الفكري، مانحاً القارئ فهماً شاملاً لطبيعة المشروع الصدري.

كاتب هذا الكتاب هو الشهيد عزالدين سليم (الاسم الحركي لعبد الزهراء عثمان محمد)، المولود عام 1943 في قضاء الهوير بمحافظة البصرة جنوبي العراق. لم يكن مجرد كاتب، بل كان مفكراً إسلامياً ومنظراً وسياسياً بارزاً. اضطر لتغيير اسمه “كنوع من الاحتراز الأمني لضمان عدم تعقبه من قبل النظام العراقي السابق”.

في سن الثامنة عشرة، حصل على أول جائزة له عن كتابه “فاطمة الزهراء”. انضم مبكراً إلى حزب الدعوة الإسلامية عام 1962. بعد مطاردة النظام البعثي له، هاجر إلى الكويت عام 1963 وإلى إيران لاحقاً حيث انضم إلى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية.

بعد سقوط النظام عام 2003، عاد إلى العراق عضواً في مجلس الحكم الانتقالي، وترأسه في مايو 2004. استُشهد في 17 مايو 2004 بتفجير سيارته قرب المنطقة الخضراء.

من أبرز أسباب تأليفه لهذا الكتاب أنه تتلمذ على فكر الإمام الصدر وعايشه عن قرب، ورأى ضرورة توثيق سيرته وإبراز فكره للأجيال القادمة. يأتي هذا الكتاب ليكون واحداً من أهم الشهادات الحية على تلك المرحلة الفارقة.

إن قراءة هذا الكتاب ليست مجرد رحلة في ذاكرة الماضي، بل هي استشراف لآفاق المستقبل. فالإمام الشهيد محمد باقر الصدر لم يمت، بل تحول إلى فكرة، والفكرة لا تموت. وبقدر ما نقرأ تاريخ هذا الإمام، بقدر ما نكتشف أنفسنا وقدرتنا على التغيير.

اقرأ هذا الكتاب لتعرف كيف يمكن للفكر أن يكون سلاحاً أمضى من القنابل، وكيف يمكن للكلمة أن تبني أمة، وكيف يمكن للإيمان أن يصنع المعجزات. إن كنت باحثاً عن الحقيقة، أو متعطشاً للحرية، أو تلميذاً في مدرسة النهضة، فهذا الكتاب هو بوابتك لفهم العراق، وفهم الإسلام، وفهم سرّ القوة التي تصنع التاريخ. فلا تدع هذه الثروة الفكرية تفوتك.

کتاب الامام الشهيد محمد باقر الصدر رائد حركة التغير في العراق عز الدين
کتاب الامام الشهيد محمد باقر الصدر رائد حركة التغير في العراق عز الدين

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين وبعد :
لم أجد للتقديم لهذه الأبحاث خيراً من هذه الكلمات التي كتبتها في جمادى الثانية عام ١٤٠١هـ لتكون «كلمة التحرير»

لمجلة «الجهاد» الشهرية التي كانت تصدر بإشرافي في طهران منذ العدد الأول الصادر في جمادى الأولى عام ١٤٠٠ هـ حتى العدد السادس عشر الصادر في شعبان ١٤٠١ هـ حيث تركت الاشراف على المجلة المذكورة التي احتجبت عن الصدور بعد العدد المذكور بعد أحداث مريرة مرت بها الحركة الاسلامية العراقية في ذلك الوقت نأمل أن تحفظها ذاكرة التاريخ ، فترويها للأجيال صريحة دون تعتيم أو تزييف .. وما عند الله خير للأبرار .


أجل رأيت من الأنسب ان أقدم لهذه الابحاث بكلمة التحرير التي كتبتها لمجلة «الجهاد» في عددها الرابع عشر في ذلك التاريخ حيث صادف صدور العدد المذكور الذكرى السنوية
الأولى لشهادة الأستاذ الإمام آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر قدس الله نفسه الزكية .


وهذه هي الكلمات التي حملتها كلمة التحرير» المذكورة :
ان إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفاً ولم يك من المشركين) قليل من الرجال يعيشون بين أممهم ، لا كأفراد وانما يعيشون ويموتون كقضية تترك بصماتها بقوة ووضوح على مسيرة حياة شعوبهم في الفكر والعمل والتوجهات.


ان اختراق هذا النمط من الرجال الحواجز الفرد» يأتي ضمن مواصفات وشروط لا تتوفر إلّا لقلة قليلة من الرجال وحتى هذه المواصفات التي تكسر حواجز «الفردية» وتحوّل اولئك الرجال إلى «قضية تختلف فيما بينهم فمنهم من يبرز كبطل وطني يصعد قضية الصراع بين شعبه وغاصبيهم من غزاة محتلين أو طغاة محليين ويرسم لشعبه منحنى الخلاص ومنهم من يطرح بين يدي أمته اطـار الـخــلاص مــن خــلال صيغ فكرية تبلور مواقف الأمة وتثري المسيرة وتوفر مبررات الانعتاق .


وقلما يشهد التاريخ نموذجاً من الرجال يقدم «اطروحة الخلاص» ويتحرك بمستوى المضمون على طريق القيادة لأمته للوصول بها إلى ساحل الخلاص حيث يبرز في هذه الظاهرة «المفكر القائد» بوضوح وقوة . لقد كان محمد باقر الصدر رضوان الله عليه مصداقاً حياً

————————————✿————————————

————————————✿————————————

زر الذهاب إلى الأعلى