آخر الأخبارالمقالات والتقارير

من مضيق هرمز إلى المتاجر الأمريكية: كيف فجّرت الحرب على إيران أعلى موجة تضخم منذ ثلاث سنوات؟

دخل الاقتصاد الأمريكي مرحلة غير مسبوقة من الارتباك، لم تعد تداعياتها محصورة في جبهات القتال. فبينما كانت واشنطن تراهن على الحسم العسكري، نجحت معادلة الردع الإيرانية في نقل المواجهة مباشرة إلى الداخل الأمريكي، مضيّقة الخناق على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والقدرة الشرائية لملايين الأسر.

ومع إعلان البيانات الرسمية قفزة التضخم السنوي إلى 3.8% في أبريل، وهو أعلى مستوى خلال ثلاث سنوات، وجدت الإدارة الأمريكية نفسها أمام مأزق اقتصادي وسياسي يزداد اتساعاً، حيث تحولت تكاليف الحرب إلى عبء يومي يثقل موائد المواطنين وميزانياتهم.

حرس الثورة الإسلامية يعلن منع عبور السفن من وإلى موانئ حلفاء الأعداء.. وتراجع حاد بنسبة 97% في حركة الملاحة بمضيق هرمز
تضخم يتجاوز التوقعات ويلتهم الأجور


فاجأت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأسواق الأمريكية، مسجلة تسارعاً حاداً في الأسعار فاق كل تقديرات وول ستريت. فقد قفز التضخم السنوي من 2.4% في فبراير إلى 3.8% في أبريل، بينما ارتفع التضخم الأساسي، باستبعاد الغذاء والطاقة، إلى 2.8%.

وفي مؤشر أشد خطورة، سجل تضخم أسعار الجملة وتيرة سنوية بلغت 6%، وهي الأسرع منذ عام 2022، وشكّلت تكاليف الطاقة وحدها أكثر من 40% من الزيادة الشهرية في مؤشر جميع السلع. والأخطر من ذلك، تجاوز معدل التضخم نمو الأجور للمرة الأولى منذ عام 2023، إذ تباطأ نمو الأجور إلى 3.6% فيما بلغ التضخم 3.8%، في إشارة واضحة إلى تآكل متسارع للقدرة الشرائية للأسر الأمريكية.


تحول ارتفاع أسعار النفط الناجم عن الحرب إلى كرة ثلج متدحرجة، طالت كل وسائل التنقل في الولايات المتحدة. قفزت أسعار البنزين بنسبة 28.4% على أساس سنوي، ليتراوح سعر الغالون بين 4.50 و4.55 دولاراً، بينما بلغ سعر غالون الديزل – عصب النقل والصناعة – 5.66 دولاراً، مقترباً من مستويات قياسية.

هذا الارتفاع الحاد انعكس فوراً على قطاع الطيران، حيث صعدت أسعار تذاكر الطيران بنسبة 20% عن العام الماضي، بعد أن زادت تكلفة وقود الطائرات بنسبة هائلة بلغت 60% منذ اندلاع الحرب. ورداً على ذلك، رفعت شركات طيران كبرى رسوم الأمتعة، وفرض بعضها رسوماً إضافية على التذاكر، بينما اضطرت هيئة البريد الأمريكية إلى إقرار “تغيير مؤقت في الأسعار” لتعويض قفزة تكاليف الوقود.

اغتيال القائد واندلاع العاصفة سيناريو بيبي إسكوبار المرعب لبداية النهاية
أزمة الحرب تطال موائد الأمريكيين


لم تتوقف تداعيات صدمة الطاقة عند محطات الوقود، بل نفذت عميقاً إلى قطاعي الغذاء والخدمات. فارتفاع أسعار الديزل إلى 5.66 دولاراً تسبب في قفزة شهرية لخدمات النقل بلغت 5%، وهو ما انسحب مباشرة على أسعار السلع الأساسية. وأكدت ديان سوانك، كبيرة الاقتصاديين في “كيه بي إم جي”، أن هذه الزيادة بدأت تظهر آثارها الآن في “المتاجر والبقالات”، واصفة ما يحدث بأنه صدمة سلاسل إمداد طويلة الأمد تشبه اضطرابات جائحة كورونا.

وتجلت هذه الصدمة في ارتفاع أسعار الفواكه والخضروات بنسبة 6.1%، وزيادة أسعار الغذاء داخل المنزل 2.9% سنوياً، لكن الأخطر كان تسجيل أكبر قفزة شهرية في هذا المؤشر منذ 4 سنوات بلغت 0.7%، مع امتداد الغلاء إلى الملابس والأثاث. وتشير تحليلات “سيتي غروب” إلى أن التأثير الكامل لتكاليف الطاقة على السلع الأساسية ربما يستغرق شهوراً إضافية كي يظهر بأكمله، ما يعني مزيداً من الضغوط المعيشية في الأفق.


تجاوزت الأزمة الأبعاد الاقتصادية المجردة لتتحول إلى كلفة إنسانية واجتماعية فادحة. فقد أكد البروفيسور جيف كولغان من جامعة براون أن الأمريكيين أهدروا على فروقات أسعار الوقود المرتبطة بالحرب مبالغ تعادل ميزانية وكالة “ناسا”، بنحو 25 مليار دولار. وأوضح أن هذه الأموال توضح ما كان يمكن تحقيقه لو لم تُهدر في تكاليف وقود إضافية لحرب “لا يبدو أن معظم الأمريكيين أرادوها من الأساس”. وتكشف التقارير أن إجمالي الإنفاق الإضافي للأسر الأمريكية على البنزين منذ مارس بلغ 35 مليار دولار، بمعدل 268 دولاراً لكل أسرة، وهو ما دفع الأسر الأقل دخلاً إلى تقليص استهلاكها من الوقود بنسبة 7% واللجوء إلى النقل الجماعي ومشاركة السيارات.

البنتاغون
الولايات المتحدة الإمريكية البنتاغون


مع اتساع موجة الغلاء، تحول الملف الاقتصادي إلى عبء سياسي مباشر على الرئيس ترامب. فقد كشف استطلاع لصحيفة “فاينانشال تايمز” أن 58% من الناخبين لا يوافقون على طريقة تعامل الإدارة مع التضخم وتكاليف المعيشة، في وقت اقتربت فيه شعبية الرئيس من أدنى مستوياتها. وحتى فكرة تعليق الضرائب الفيدرالية على الوقود، التي طرحتها الإدارة كمحاولة عاجلة لاحتواء الغضب، أكدت التحليلات الأمريكية أنها لن تعالج أصل الأزمة المستفحلة. وترى ليندا بيلمز، المتخصصة في تكاليف الحرب بجامعة هارفارد، أن التكاليف المعلنة “ليست سوى الجزء الظاهر من الصورة”، وقد لا يشعر بها الناس فوراً بفعل المعالجات المؤقتة، لكن حجمها الهائل يجعل من المستحيل إخفاؤها إلى الأبد.


لم يقتصر النزيف على الجبهة الاقتصادية وحدها. أقر البنتاغون بتكاليف مباشرة أولية بلغت 25 مليار دولار، مع استهلاك كثيف لصواريخ ومنظومات دفاعية متطورة مثل “توماهوك” و”ثاد” و”باتريوت” و”إس إم-3″، في وقت تحتاج فيه الصناعات العسكرية الأمريكية سنوات لتعويض هذا النزيف. ويرى خبراء أن الفاتورة الكلية للحرب قد تصل إلى مئات المليارات من الناتج المفقود، مما يحول المغامرة العسكرية إلى استنزاف مزدوج للخزينة العامة والقدرة الردعية للجيش.


تكشف مجمل هذه التطورات أن واشنطن تواجه مأزقاً استراتيجياً مركباً. فمعادلة الردع الإيرانية تجاوزت البعد العسكري المباشر، واستهدفت بدقة نقطة الضعف الأكثر حساسية في الاقتصاد الأمريكي: الطاقة. فارتفاع أسعار النفط وتهديد الملاحة في مضيق هرمز لم يعودا مجرد هاجس، بل تحولا إلى كابوس يومي داخل الأسواق الأمريكية التي أثبتت هشاشتها أمام أي اضطراب واسع. ومع كل ارتفاع جديد في أسعار الوقود، تتضاعف تلقائياً تكاليف النقل والإنتاج والغذاء، ويتوسع التضخم، وتتراجع الثقة السياسية، في حلقة استنزاف داخلي تجعل العودة إلى التصعيد محفوفة بانفجار اقتصادي واجتماعي لا تحمد عقباه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

3 × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى