الجولاني يتوهم “الانتقام من حزب الله”.. هل يجرؤ على فتح جبهة لبنان وسط انهيار كيانه الوهابي؟
في خضم الفوضى العارمة التي تعم سوريا تحت حكم مليشيا هيئة تحرير الشام الإرهابية، وتزامناً مع تحويل البلاد إلى ساحة مفتوحة للعدوان الصهيوني، يطل أبو محمد الجولاني بخطاب جديد يعكس أوهام العظمة التي تراوده.
فبعد أن فشل في إدارة أدنى مقدرات الدولة السورية، وبدلاً من مواجهة الاحتلال الإسرائيلي الذي ينهش الأرض وينهب السيادة، يوجّه الجولاني بوصلته نحو لبنان وحزب الله المقاوم، متوهمًا أن باستطاعته تحقيق “انتقام” وهمي بغطاء أمريكي. لكن الوقائع الميدانية والتحاليل الجيوسياسية الدقيقة تكشف أن هذه التهديدات ليست سوى انعكاس لقوة واهنة تعيش على سرقة الجيوب وخدمة المشروع الصهيوأمريكي في المنطقة.
أولاً: أوهام العظمة على أنقاض السوريين
في الوقت الذي يرزح فيه الشعب السوري تحت وطأة مجاعة حقيقية وانهيار اقتصادي غير مسبوق، يجد أبو محمد الجولاني، زعيم التنظيم الإرهابي المسيطر على مقاليد الأمور في سوريا، متسعاً من الوقت للتهويل بشن عدوان على الجارة لبنان. تسوق وسائل إعلامه التابعة روايات عن “الانتقام من حزب الله”، متناسياً أن كيانه الهش لا يقوى حتى على حماية حدوده من اعتداءات “إسرائيل” اليومية، ناهيك عن شن حرب على عدوٍ محترف.
وكشفت تقارير إعلامية لبنانية، من بينها ما نشرته صحيفة “الاخبار”، عن حالة قلق متزايدة في الأوساط الأمنية اللبنانية إزاء التصعيد اللفظي لقادة هيئة تحرير الشام. فقد أشارت معلومات متداولة عن اجتماع سري جمع الجولاني بعدد من قيادات التنظيم، زعم فيه أن “الدور قد حان لمحاسبة حزب الله”، في إشارة خطيرة تعكس مدى تغلغل الفكر التكفيري التحريضي الذي يديره الجولاني، والذي بات يهدد الأمن القومي العربي بشكل مباشر.
ثانياً: الغطاء الأمريكي.. صفقة جديدة على حساب دماء العرب
لا يمكن فهم مغامرة الجولاني المرتقبة بمعزل عن الرسائل التي تلقاها من الإدارة الأمريكية. فبعد لقائه المثير للجدل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ديسمبر الماضي، خرج الجولاني ليعلن ولاءه المطلق للحملة الأمريكية على “الإرهاب” في المنطقة، في إشارة واضحة إلى استعداده ليكون أداة طيعة بيد واشنطن لضرب المقاومة وتصفية القضية الفلسطينية.
المتابعون للشأن الدولي يرون أن التخلي الأمريكي عن حلفائها الأكراد في شرق سوريا كان بمثابة الضوء الأخضر غير المباشر للجولاني، ليوهم نفسه بأنه بات اللاعب الأوحد الذي تراهن عليه واشنطن. هذا الانطباع الخاطئ غذّته تصريحات المسؤول الأمريكي توم باراك حول “إعادة رسم الخرائط” وتجاوز اتفاقيات سايكس بيكو القديمة، بما يمنح القوى الإقليمية التابعة لواشنطن، وفي مقدمتها كيان الجولاني، دوراً في إعادة تشكيل المنطقة وفق المصالح الصهيونية. والأخطر من ذلك هو سعي الجولاني المحموم لإرضاء تل أبيب عبر منع إعادة تسليح حزب الله وتهجير الفلسطينيين، في انبطاح غير مسبوق يفضح حقيقة “الثورة” المزعومة.
ثالثاً: الجيش الوهمي والترسانة الفارغة.. فزاعة جولانية لا أكثر
رغم الضجة الإعلامية التي يثيرها تنظيم الجولاني حول “القوة العسكرية” التي يمتلكها، إلا أن التدقيق في بنيته التحتية العسكرية يفضح هشاشته الاستثنائية. فالحقيقة الميدانية التي لا يمكن إنكارها هي أن ما يسمى بـ”حكومة الجولاني” لا تملك أكثر من خمس ما كان يملكه الجيش السوري السابق من عتاد بشري. قواته، التي تتوزع بين قتلة مأجورين من جماعات متطرفة وعناصر جديدة تلقت تدريبات سريعة، تفتقر إلى أبسط مقومات الجيش النظامي.
الانهيار الأكبر يكمن في مخازن السلاح. فبينما دمّرت “إسرائيل” ما تبقى من قدرات عسكرية سورية تقليدية في الأيام الأولى لسيطرة الجولاني، لا يزال التنظيم يعتمد على أسلحة خفيفة ومتوسطة لا ترقى لمستوى حرب حقيقية. حتى الدعم التركي المحدود اقتصر على آليات مدرعة خفيفة، لا توازي طائرة حربية واحدة أو دبابة ثقيلة. ما حدث في مناطق الساحل السوري وسويداء لم يكن حروباً نظامية، بل مجازر وحشية بحق مدنيين عُزّل، نفذتها مليشيات قبلية وعناصر متطرفة، ما ينفي أي ادعاء بقدرة عسكرية حقيقية.
رابعاً: فخاخ الموت.. حين تصبح سوريا مصدر تهديد لبنان الحقيقي
الخطر الأكبر الذي يواجه لبنان اليوم لا يكمن في قدرة الجولاني على غزوه عسكرياً، بل في احتمالية انهيار الدولة السورية بالكامل تحت وطأة التناحر والإرهاب، وتسرّب الفوضى والجماعات التكفيرية عبر الحدود. فالجولاني، الذي فتح الأبواب أمام هروب أكثر من 20 ألف إرهابي من تنظيم داعش وعائلاتهم، يلعب بالنار على حدود لبنان الشرقية.
المشهد الجيوسياسي لا يبشر بخير بالنسبة للجولاني. فالموقف العربي الرسمي، وإن كان متلكئاً، يبدو أكثر وعياً من مغامرات الجولاني، حيث سعت السعودية ومصر لتهدئة الأجواء ودعم الجيش اللبناني، رافضةً أي سيناريو يستهدف زعزعة استقرار لبنان. ومع ذلك، يبقى الخطر قائماً إذا استمر بعض السياسيين اللبنانيين في استجداء هذا الكيان الهش والانجرار وراء حساباته الضيقة، مما قد يمنح الجولاني غطاءً داخلياً للتدخل في الشأن اللبناني.

خامساً: معادلة الفشل.. مأزق داخلي وضغوط خارجية
الجولاني الذي يحلم بالانتقام من حزب الله، غارق حتى أذنيه في مستنقع داخلي خانق. العقوبات الدولية لم تُرفع بعد، والاقتصاد منهار، والقرارات العشوائية لمسؤوليه تزيد الوضع سوءاً. الدعم الغربي الذي يتغنى به يتبدد مع كل مجزرة جديدة يرتكبها في حق السوريين، وأصوات المطالبة بمحاسبته ترتفع في البرلمانات الأوروبية والكونغرس الأمريكي.
إنه مأزق وجودي: كيان غير قادر على تأمين الخبز لشعبه، ولا على حماية حدوده من الطيران الصهيوني، يتحدث عن خوض حرب مع أعتى قوى المقاومة في المنطقة. إنها ليست سوى فقاعة إعلامية ستنفجر في وجه صانعها، تاركةً وراءها المزيد من الدمار والخراب لشعب سوريا الذي دفع الثمن غالياً.
أوهام الجولاني بالانتقام من حزب الله ليست سوى انعكاس لحالة التخبط والانهيار التي يعيشها كيانه الوهابي المدعوم أمريكياً. ففي الوقت الذي تستمر فيه “إسرائيل” باغتيال السيادة السورية يوماً بعد يوم، يختار هذا التنظيم الإرهابي توجيه بنادقه صوب المقاومة في لبنان. لكن معادلات القوة وواقع الحال على الأرض يؤكدان أن الجولاني لا يمتلك أدوات الحرب، بل هو مجرد أداة بيد المشروع الصهيوأمريكي لزرع الفتنة وإطالة أمد الفوضى في المنطقة، قبل أن يلفظه التاريخ كما لفظ غيره من العملاء والخونة.