الكتب الثقافية

کتاب هاجر تنتظر

سادة القافلة

هاجر تنتظر: حين يتحول الانتظار إلى ملحمة عشقٍ وفداء

“هاجر تنتظر” عمل أدبي يسرد سيرة الشهيد القائد عباس كريمي على لسان زوجته هاجر، التي تنتظر عودته التي لن تأتي أبداً. الكتاب هو الجزء السادس من سلسلة “سادة القافلة”، التي تعنى بنقل تجارب المجاهدين والشهداء في الحرب العراقية الإيرانية إلى القارئ العربي. صدرت الرواية عام 2014م عن جمعية المعارف الإسلامية الثقافية في بيروت، من إعداد مركز نون للتأليف والترجمة، وتقع في 152 صفحة من القطع الوسط.

الكتاب لا يكتفي بسرد الوقائع التاريخية لسيرة قائد عسكري، بل يغوص في عمق التجربة الإنسانية للحب والفقد والانتظار. إنه نص عن العشق الذي يتجاوز حدود الموت، وعن امرأة تملأ غياب زوجها بالوفاء والحنين، محوّلة الانتظار إلى فعل مقاومة بحد ذاته. بلغة شاعرية مشبعة بالصور الحسية، ينسج المؤلفان عالماً أدبياً تتجاور فيه قسوة الحرب مع رقة المشاعر، ويصبح فيه التراب الذي لامس أقدام الشهداء شاهداً على ملحمة إنسانية خالدة.

ينتمي الكتاب إلى سياق ثقافي واجتماعي يقدّس ثقافة التضحية والشهادة، ويكرّس دور المرأة بوصفها حافظة للذاكرة الجمعية وشريكة في صناعة النصر عبر صبرها وثباتها. وهو موجه إلى القارئ العربي الذي قد لا يلمّ بتفاصيل الحرب العراقية الإيرانية، لكنه سيجد في النص جسراً عاطفياً يتجاوز حدود الجغرافيا والتاريخ.

تبدأ الرواية من لحظة راهنة تعيشها هاجر، الزوجة التي تملأ بيتها رائحة عباس الغائب. البيت مشبع بالذكرى، والزوايا تشتهي رؤيته، والانتظار يتحول إلى حالة وجودية: “كل شيء هنا فيه معنى الانتظار”. من هذه النقطة، ينفتح النص على الماضي ليستعيد محطات من حياة عباس كريمي، منذ أن كان شاباً مقبلاً على الحياة، وصولاً إلى استشهاده عام 1985 في منطقة “شرق دجلة” خلال عمليات “بدر”.

يروي الكتاب قصة حب استثنائية بين هاجر وعباس، بدءاً من مراسم الخطبة والعقد، مروراً بتفاصيل حياتهما المشتركة في المنزل الجديد، وصولاً إلى لحظات الوداع الأخيرة. وإلى جانب هذا الخط العاطفي، يتتبع النص المسيرة الجهادية لعباس: مشاركته في حرس الثورة، قيادته للفرقة، معاركه وبطولاته، وصولاً إلى “العروج” الأخير في شرق دجلة.

اللافت في بناء الرواية هو تعدد الأصوات السردية؛ فهاجر تروي القسم الأكبر من الأحداث، لكن أصواتاً أخرى تتداخل لتكمل الصورة: رفاق السلاح، الأهل، وشهادات من عاصروا الشهيد. هذا التعدد يمنح النص مصداقية توثيقية ويُغني النسيج السردي. ومن الناحية الأسلوبية، يزاوج المؤلفان بين لغة تقريرية مباشرة عند سرد وقائع الحرب، وأخرى شعرية مكثفة عند وصف المشاعر ولحظات التأمل، مما يخلق إيقاعاً سردياً متوتراً بين الهدوء والعنف، بين السكينة والفقد.

كاتب مذكرات وناشر إيراني، متخصص في الأدب المتعلق بالحرب العراقية الإيرانية. وُلد في طهران، وحقق شهرة واسعة بكتابه “تراب كوشك الناعم” (2004) الذي يُعد من أكثر الكتب مبيعاً في إيران، وأعيد طبعه أكثر من مائتي مرة. يتميز أسلوبه بالمزج بين التوثيق التاريخي والأدب الروائي، وقدرته على استخراج الأبعاد الإنسانية من سِيَر الشهداء بعيداً عن التنميط والخطابية. إلى جانب “هاجر تنتظر”، له أعمال أخرى ضمن سلسلة “سادة القافلة” مثل “كاوه – معجزة الثورة”.

كاتب إيراني متخصص في أدب الأطفال والناشئة، وله حضور لافت في أدب الحرب والمقاومة. يتميز بقدرته على تبسيط الموضوعات المعقدة وتقديمها بلغة سلسة تناسب جمهوراً واسعاً. من أبرز أعماله: “حالا وقت رفتن به خانه نیست” و”چهلمین نفر” المستوحى من سيرة الشهيد مجيد بقائي. تعاونه مع سعيد عاكف في هذا الكتاب يعكس نموذجاً للكتابة التشاركية التي تجمع بين خلفيات أدبية متكاملة.

يبدو أن التعاون بين سعيد عاكف وأصغر فاكور يقوم على تكامل الأدوار: فعاكف يضطلع بدور الباحث والمؤرخ الذي يجمع المادة الأولية من شهادات حية ووثائق، بينما يتولى فاكور مهمة الصياغة الأدبية التي تحوّل المادة التوثيقية إلى نص سردي مشوّق. وقد عمل مركز نون للتأليف والترجمة على إعداد النسخة العربية وتحريرها.

ينقسم الكتاب إلى فصلين رئيسيين، تسبقهما مقدمة وتعريف بالشهيد، وتتخللهما مقاطع سردية قصيرة تشكل نسيجاً متماسكاً:

يشكل هذا الفصل العمود الفقري للرواية، ويضم مجموعة من المشاهد المتسلسلة التي ترسم صورة حميمة للشهيد من منظور زوجته. من أبرز موضوعاته:

  • هاجر تنتظر: المقطع الافتتاحي الذي يحدد النغمة الوجدانية للكتاب، حيث تتحدث هاجر عن بيتها المملوء برائحة عباس وانتظارها الممتد “بعد يومين، وشهرين، وسنتين، ودهرين آخرين”.
  • الحجاب والمدير: مشهد يكشف التزام عباس بالمبادئ منذ شبابه، وموقفه من مدير المدرسة الذي عارض ارتداء الحجاب.
  • قصة الخطاب ومراسم الخطبة والعقد: سرد تفصيلي لمراحل ارتباط هاجر بعباس، بأسلوب يجمع بين الحياء والصدق العاطفي.
  • المنزل الجديد والبكاء الأخير: محطة مفصلية تصور الحياة الزوجية القصيرة ثم الوداع.
  • الاحتياط في بيت المال وفقد الأصحاب: تجسيد لأخلاق عباس في التعامل مع المال العام، وألمه لفقدان رفاقه.
  • الولادة يا زهراء: مشهد إنساني مؤثر يربط بين دورة الحياة والموت.
  • إلى دزفول والصواريخ، والطبيب الحقيقي وصلاة جعفر الطيار: مشاهد من حياة الجبهة، يمتزج فيها اليومي بالروحي.

ينتقل التركيز في هذا الفصل من الحياة الشخصية إلى المسيرة الجهادية، وتبرز فيه الكوفية البيضاء رمزاً محورياً متكرراً يجمع بين النقاء والعسكرة والتضحية. ومن أبرز موضوعاته:

  • حادثة في المدرسة وجندي الثورة: بدايات وعي عباس السياسي والجهادي.
  • فتح من دون قتال وكمين في كمين: مشاهد ميدانية تبرز مهاراته القيادية وحنكته العسكرية.
  • رجل بالكوفية البيضاء: تتويج رمزي للفصل، حيث تصبح الكوفية علامة فارقة تُعرف بها شخصية عباس.
  • عروج في شرق دجلة: الفصل الختامي الذي يروي استشهاده.

ويُختتم الكتاب بملحق يضم “قصص الفاكهة المعلبة ومرويات حول الشهيد” وشهادات من رفاقه، مما يثري النص بوجهات نظر متعددة تمنح القارئ صورة أكثر اكتمالاً للشخصية المحورية.

هاجر تنتظر

خاتمة

“هاجر تنتظر” ليس مجرد سيرة لشهيد، بل هو نص أدبي مكثف يعيد تعريف الانتظار بوصفه فعلاً إيجابياً مقاوماً، وليس حالة سلبية من الجمود. إنه كتاب عن امرأة حوّلت غياب زوجها إلى حضور دائم عبر الذاكرة والحب، وعن شعب بأكمله حوّل جراحه إلى ملحمة تستحق أن تُروى. في زمن تختلط فيه معاني الحرب والسلام، يقدم هذا الكتاب شهادة أدبية رفيعة على أن للحب لغته الخاصة التي لا تموت، وأن الانتظار، حين يكون مشبعاً بالوفاء، يصير شكلاً من أشكال الخلود.

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيّدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين وبعد.

قالت هاجر : كل شيء هنا فيه معنى الانتظار…

البيت مملوء برائحة “عباس”، والزوايا تشتهي أن تراه.

حينما يكون “عباس” هنا، تحلُّ رائحة ترابٍ رطبٍ، رائحةٌ لا تشبه إلا نفسها.
قالت هاجر: وسأنتظر بعد يومين، وشهرين، وسنتين، ودهرين آخرين.

سيأتي “عباس”، ويلفُّ وجهي المتعب من الانتظار.
سيلفّه بكوفية بيضاء، كوفيته البيضاء مثل قلبه، وكفّيه، ورائحته.

قالت هاجر: سأنتظره، ولن يأتي، إلا أنَّ طعم الانتظار فيه نكهة لا يعرفها إلا أهل العشق.

وسيقول أهل العشق: هاجر تنتظر عودة رجلٍ بالكوفية البيضاء.

هذا الكتاب هو الكتاب السادس من سلسلة سادة القافلة التي تنقلنا عبر معابر العشق إلى خنادق المجاهدين وحبيبات التراب التي لامست أقدامهم، إلى حيث احتضنت الملائكة أرواح الشهداء، إلى قلاع العزة والبطولة والفداء… أعني أرض الجهاد والشهادة.

ونحن إذ نقدّمه لإخواننا الأعزاء نسأل الله تعالى أن يوفّق الجميع للاستفادة من دروس وعبر هذه المدرسة المعطاءة.

الشهيد عباس كريمي
جثا الرجل على ركبتيه قرب الضريح ، والدموع تنهمر على خديه. دعا أوّلاً لإخوانه عند صاحب الضريح ومن ثمّ طلب حاجته وحاجة زوجته
«يا أبا الفضل العباس ! لا تدع هذا الطفل يموت كما مات إخوته من قبل».


خنقته العبرة من جديد وهو على تلك الحال، ألقى برأسه على الضريح وأجهش بالبكاء
«سيدي ! قصدتك من بلاد بعيدة، أتيت لتحقق لي طلبتي، فلا ترجعني خائبا إلى وطني».
ونوى
بعدها، عقد خيطًا أخضر اللون أعطته زوجته إياه على الضريح
«الله نذر عليّ يا أبا الفضل العباس إن كان مولودي ذكرًا،فسأسميه باسمك المبارك: عباس». بعد مضي عدة أشهر على زيارته كربلاء؛ ها هو بيته يزدحم بالأقارب، والنسوة تذهبن وتجثَّن أما هو فالقلق باد عليه. صعد أحد

أقربائه إلى سطح البيت، ورفع صوته بالأذان. وما إن رفع الرجل يديه
بالدعاء، حتى تناهى إلى سمعه صوت:
«مبارك إن شاء الله، المولود بصحة جيدة».


هب الرجل من مكانه مسرورًا، وأعطى صاحبة الصوت «البشارة».
وقد نسي أن يسأل أكان المولود ذكرًا أم أنثى؟
عندما خَلَت الغرفة دخل ليرى مولوده. ما إن وقعت عينا زوجته
عليه، حتى قالت:
«عباس، سنسميه عباس».
خنقته العبرة؛ فهو لا يذكر أنّهما تناقشا في اسم المولود. ثمّ قال:
«عباس اسم جيّد، فهو من حقق لنا أمنيتنا».ولد عباس كريمي في قرية «قهرود» عام 1957. تبعد هذه القرية مسافة ستين كيلومترًا عن مدينة «كاشان».


ليس هراء القول أن سيرة عظماء العالم متشابهة بشكل أو بآخر؛ فمنذ سنين طفولته، كان عبّاس يتميّز عن أترابه. ولم يكن يمرّ عن الأمور – صغيرها وكبيرها – مرور الكرام، وكانت كلمة «لماذا» تُسمع في الكثير من كلامه ، ولم يُضنه السؤال يوما للتوصل إلى الإجابة. أنهى عبّاس المرحلة الابتدائية من دراسته في قهرود. ونال الشهادة المتوسطة في كاشان. بعدها ، أمضى مدة سنتين في طهران. وفي هاتين السنتين كان يعد نفسه لمواجهة الجهل وظلم الحكومة الملكية (1) وهذه المرة قصد منطقة كاشان، والتحق بالمعهد الفنّي فيها. وبعد نيله الشهادة الثانويّة في الحياكة، التحق بالخدمة العسكرية. وقدترافق ذلك مع أولى أنغام الثورة.


قبل ذلك، كان تاريخه حافلا بتوزيع المنشورات في قهرود وكاشان، وأمضى حياته ما بين الملاحقة والفرار؛ وفي تلك الأثناء، كان يتعرّف على الوجه الحقيقي للظلم الذي مارسه النظام الملكي. والآن، عبّاس جندي في الثكنة العسكرية؛ وقد ساعدته هذه التجارب كثيرًا وصقلت
شخصيّته؛

فإدخال المنشورات إلى الثكنة يتطلّب قلبا شجاعًا. بعد أن أمر الإمام الخميني قدرة الجنود بترك ثكناتهم، التحق عباس بقوى الثورة. وكان من جملة الأشخاص الذين التحقوا بالقوى العسكرية للجنة استقبال الإمام الخميني قدس .
في ربيع العام 1979م ، وإحساسًا منه بالتكليف، التحق عباس كريمي بحرس الثورة الإسلاميّة الحديث التأسيس. في العام 1980، كان من أوائل الأشخاص الذين قصدوا كردستان لقتال أعداء الثورة(1). بعد مدة، وبسبب شجاعته وقدراته الفذة في التخطيط الاستخباراتي، عُيّن كمسؤول للاستخبارات في عمليات الحرس في منطقة «مريوان»(2). يوما بعد يوم، كان نبوغه الأمني يلمع أكثر فأكثر. فالمعلومات التي كان يأتي بها ، كانت دومًا فائقة الدقة وموثّقة.


وكانت تحركات أعداء الثورة وخطط عمليّاتهم تكشف دوما وتصل إلى القيادة بفضل فكره الثاقب حتّى قواعدنا التي كان يُحتمل أن تُشن الهجمات عليها ، كانت آمنة بفضل خطط عبّاس. وبسبب هذه الدقة، كان الحاج «أحمد متوسليان» (1) يعتبر عبّاسا ساعده وعينه. وكثيرًا ما كان يردّد: المعلومات التي يأتينا بها الأخ كريمي هي معلومات بالغة الدقة ولهذا، ينبغي التخطيط والعمل بها مئة في المئة». كان لعباس دور لافت في تحرير مناطق استراتيجية، مثل «دزلي»، و«أورامانات»، والمناطق الحدودية التي كانت تحت سيطرة أعداء الثورة(2). ويعتقد الكثير من القادة أنّ المعلومات الدقيقة لكريمي، خلال سنوات حرب الدفاع المقدّس ،

كانت مكملة لقيادة الحاج أحمد متوسليان المقتدرة والحكيمة. لقد قدم بروحيّته الخاصة ونبوغه الفائق، خدمات لا تُحصى من أجل أمن الوطن واقتداره؛ وكان لتصرفاته المفعمة بالشهامة وقعا طيّبًا ، حتى على أعداء الثورة أحيانًا، دفعتهم للتعاون معه.
كان عباس يعتقد بأنّ الكثيرين ممن حملوا السلاح وهددوا أمن الجمهورية الإسلاميّة هم أشخاص تموضعوا عن جهل وغفلة في جبهة المعادين للثورة. لهذا، كان يسعى إلى إظهار وجه الثورة الإسلامية الحقيقي أمام الجماعات المعادية. في تاريخ الحرب ما بعد الثورة، لم يسبق لأحد أبدًا، أن استطاع من خلال الكلام، إجبار القيادات المعارضة على الاستسلام لكنّ عبّاس فعل. ففي منطقة کردستان،

حينما كانت قوات حرس الثورة لا تتجاوز ثلاثمئة عنصرًا، أعاد عبّاس تجهيز أكثر من ألف ومئة عنصر كانوا في زمرة المعادين
والحمد لله رب العالمين

زر الذهاب إلى الأعلى