آخر الأخبارإيرانالمقالات والتقارير

صاروخ فتاح مفتاح القدس

في خطوة نوعية تعزز قدراتها الدفاعية، كشفت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، صباح يوم الثلاثاء الموافق 6 حزيران/يونيو 2023، عن صاروخها الباليستي الفرط صوتي الجديد “فتاح”. ويُمثل هذا الإنجاز الأحدث للقوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري الإسلامي قفزة تقنية كبيرة، حيث يتمتع الصاروخ بقدرات تفوق سرعة الصوت بخمس مرات على الأقل، مما يجعله قادراً على خرق جميع أنظمة الدفاع الجوي المعاصرة.

يصل مدى صاروخ “فتاح” الاستراتيجي إلى 1400 كيلومتر، وهو مصمم للتحليق بمرونة عالية داخل الغلاف الجوي وخارجه. يكمن سر تفرده التقني في رأسه الحربي المزود بمحرك كروي يعمل بالوقود الصلب، بالإضافة إلى فوهة متحركة تمكنه من المناورة في جميع الاتجاهات. هذه الخصائص تجعل من الصعب للغاية اعتراضه أو التنبؤ بمساره.

أكد قائد القوة الجوفضائية للحرس الثوري، العميد أمير علي حاجي زاده، أن التقنية المستخدمة في صاروخ “فتاح” تجعله عصياً على الاستهداف من قبل أنظمة الدفاعات الجوية. وأشار إلى أن سرعته الفائقة وقدرته على المناورة بارتفاعات واتجاهات مختلفة تحول دون تدميره بأي صاروخ مضاد، مما يرسخ مفهوم الردع الاستراتيجي.

كشف النقاب عن صاروخ “فتاح” جاء بعد أيام قليلة من الإعلان عن صاروخ “خيبر” الباليستي بعيد المدى، ليؤكد زخم التقدم الصاروخي الإيراني. وقد أحدث الإعلان صدمة في الأوساط السياسية والعسكرية للكيان الإسرائيلي. ففي أول رد فعل، نشرت صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية تقريراً أشارت فيه إلى أن صاروخ “فتاح” الفرط صوتي قادر على الوصول إلى إسرائيل في غضون 400 ثانية فقط، مما يسلط الضوء على التحدي الاستراتيجي الجديد الذي يمثله.

يرى خبراء ومراقبون أن الكشف عن صاروخ “فتاح” الفرط صوتي يشكل منعطفاً حاسماً في ما يمكن وصفه بـ”حرب المهندسين” بين إيران والكيان الإسرائيلي. هذا التطور التكنولوجي يُرغم صناع القرار في تل أبيب وواشنطن على إعادة تقييم خياراتهم الاستراتيجية وخططهم الدفاعية، خاصة في ظل صعوبة التصدي لمثل هذا النوع من الأسلحة.

يشكل تطوير برنامج الصواريخ الباليستية أحد أهم ركائز الاستراتيجية الدفاعية الإيرانية على مدى العقدين الماضيين. فمنذ أواخر تسعينيات القرن الماضي (العقد الفارسي 1370)، وضعت إيران نصب أعينها هدفاً استراتيجياً يتمثل في زيادة دقة صواريخها الباليستية وتطوير أسلحة تكتيكية متطورة.

هذا المسار الطويل من البحث والتصميم والتجريب أثمر عن عائلة من الصواريخ التي باتت تُعرف بأسماء لامعة في الساحة العسكرية، مثل “فاتح 110″، و”ذو الفقار”، و”دزفول”، وصولاً إلى قمة الهرم التكنولوجي ممثلة في صواريخ “فتاح” الفرط صوتية (الهايبرسونيك). يستعرض هذا النص رحلة تطور هذه المنظومة الصاروخية، من جذورها البسيطة المتمثلة في صواريخ “زلزال” غير الموجهة، وصولاً إلى الجيل الأحدث الذي يغير قواعد الاشتباك بفضل قدرته على المناورة وتفادي أحدث أنظمة الدفاع الجوي.

Photo 2023 06 07 16 54 24
صواريخ تستهدف الكيان الصهيوني

ما يُعرف اليوم بأسماء مثل “فاتح 110″، و”ذو الفقار”، و”شهيد حاج قاسم”، و”خليج فارس”، و”هرمز”، و”قاسم بصير”، وغيرها من الأسماء المهمة، هو نتيجة استثمار مناسب ودقيق من قبل القوات المسلحة وصناعات الدفاع في إيران منذ عقد التسعينيات 1992 (العقد الفارسي 1370) في زيادة دقة الصواريخ الباليستية، وتطوير سلاح في هذه الفئة وبالنموذج التكتيكي بشكل خاص. كانت الصواريخ أرض-أرض من نوع “زلزال” هي ما اختارته الصناعة الدفاعية الإيرانية لهذا المشروع، وهي تُعتبر من الأسلحة المحلية المبكرة التي تم إنتاجها داخلياً في سنوات بعيدة جداً.

تم إنجاز أكثر من 5 ملايين ساعة عمل (شخص-ساعة) من البحث والتصميم والمحاكاة والبناء والاختبار من قبل العديد من صناعات وزارة الدفاع، والجامعات التقنية الرائدة في إيران، وبعض القطاعات البحثية والصناعية الأخرى. وذلك بهدف التصنيع المحلي لمنظومة التوجيه المذكورة ودمجها مع محرك صاروخ “زلزال”، مما أسفر عن صاروخ يتمتع بالقدرة على التوجيه حتى نهاية المسار وبدرجة دقة جيدة وموثوقة، وأُطلق عليه اسم “فاتح”.

تم تعريف صواريخ عائلة “فاتح 110” للرأي العام منذ بداية العقد الأول من الألفية الجديدة (العقد الفارسي 1380)، ودخلت الخدمة بعدة نماذج وبنفس الاسم وبأجيال مختلفة. يُعتبر صاروخ “خليج فارس” الباليستي المضاد للسفن، وسلسلة صواريخ “هرمز” المضادة للرادار، من أوائل المجموعات الفرعية المشتقة من عائلة “فاتح 110″، والتي تم تطويرها بشكل أساسي بالنظر إلى مسائل مكافحة السفن / الرادار وتطوير قدرات منع الوصول (Anti-Access) للقوات المسلحة الإيرانية. وبصاروخ “فاتح 313″، وصلت إيران إلى مدى 500 كيلومتر مع هذه العائلة، وأدخلت سلاحاً يضاهي صاروخ “إسكندر” الروسي من حيث المدى إلى الخدمة.

في الواقع، بالإضافة إلى زيادة مدى الأجيال المختلفة لهذا الصاروخ، فقد تم أيضاً زيادة وتحسين دقته وقابلياته في الصيانة والتشغيل بشكل كبير، بحيث وضعه ذلك في مصاف أهم المنظومات الدفاعية الإيرانية في استراتيجية الرد القاسي على العدو. كما تم تطوير نماذج أخرى منه بقدرات مضادة للسفن والرادار.

مع الكشف عن نماذج مثل “ذو الفقار”، كسرت إيران حاجز مدى الـ 500 كيلومتر لهذه العائلة. “ذو الفقار” هو صاروخ يعمل بالوقود الصلب بمدى 750 كيلومتراً، وبدقة إصابة أعلى من “فاتح 110″ و”فاتح 313”. إنه يشبه إلى حد كبير “فاتح 313″، لكنه يتمتع برأس حربي أكثر حداثة، كما أن أجنحة التوجيه الخاصة به قد طرأت عليها تغييرات.

“دزفول” هو صاروخ آخر من هذه السلسلة التسليحية، نجح في جعل مدى عائلة “فاتح” مكوناً من أربعة أرقام، واصلاً إلى الرقم المهم وهو 1000 كيلومتر. صاروخ “خيبر شكن” الباليستي هو أيضاً عضو مهم وقوي آخر تم تطويره بالاعتماد على عائلة “فاتح 110″، ويمتلك القدرة على الوصول إلى مدى 1450 كيلومتراً.

صاروخ هایبر سونیک فتاح 2
صاروخ هایبر سونیک فتاح 2

في صباح يوم 6 يونيو 2023 (16 خرداد 1402)، تم الكشف عن أول صاروخ إيراني فرط صوتي (هايبرسونيك) باسم “فتاح”، بحضور رئيس الشهداء (الرئيس الراحل) آية الله رئيسي، وذلك من قبل قوة الفضاء الجوية للحرس الثوري. هذا الصاروخ، الذي اختار اسمه قائد الثورة (الإمام الخامنئي)، كان يبلغ مداه في ذلك الوقت حوالي 1400 كيلومتر، وأُعلن في نفس اليوم أنه سيتم زيادة مداه في النماذج اللاحقة إلى الحدود المقررة للقوات المسلحة. تبلغ سرعة الصاروخ قبل الاصطدام بالهدف رقماً مذهلاً ومدمراً يتراوح بين 13 و 15 ماخ.

هذا الصاروخ العملاق، الذي يستخدم تقنية خاصة، هو صاروخ شبح (رادارغيز) يمكن أن يتغير مساره بعد الإطلاق؛ وهي الخاصية نفسها التي تُعتبر من ضروريات تدمير حاملة طائرات معادية في زمن الحرب. بالإضافة إلى ذلك، فإن المناورة بسرعة هائلة وعدم القدرة على توقع المسار هي من السمات الأخرى لصاروخ “فتاح”، والتي تُعتبر ميزة مهمة أخرى له. وفي الوقت نفسه، أُعلن أن القدرة على اختراق المنظومات الصاروخية الحالية هي من الخصائص الأخرى لصاروخ “فتاح-1”.

سيكون تدمير هذا الصاروخ بالنسبة للأمريكيين، حتى على المسار الباليستي المعتاد، بمجرد مناورات قصيرة وتغيير للمسار، أمراً بالغ الصعوبة. وذلك لأن الرأس الحربي للصاروخ يتمتع أيضاً بمقطع عرضي صغير جداً (راداري)، وعلى الرغم من تحليقه على ارتفاع عالٍ (مئات الكيلومترات فوق سطح الأرض)، فإن اكتشافه يحدث في وقت متأخر.

ولن يكون الجمع بين هذه المناورة العالية والسرعة الخارقة ممكناً (أي التصدي له). بالنظر إلى نموذج تصميم الصاروخ، حيث صُمم محرك الرأس الحربي ليكون ذا دفع متجه للتوجيه خارج الغلاف الجوي، والأجنحة مخصصة لتوجيه الصاروخ داخل الغلاف الجوي، فإن قوة المناورة العالية للصاروخ ستكون على نحو يسمح له، حتى دون الوصول إلى سرعة تتجاوز 10 ماخ، بتجاوز أي صاروخ دفاعي – بدءاً من “ثاد” و”باتريوت” من الجيل الجديد وصولاً إلى “آرو” (Aro) – بسهولة عبر عدة مناورات، ليكون الهدف الأول هو منصات إطلاق هذه المنظومات نفسها.

تمكن الخبراء الإيرانيون، من خلال تصميم وتصنيع الرأس الحربي المناور لصاروخ “فتاح”، من المساهمة في جعل جميع منظومات الدفاع الجوي للعدو، مثل “ثاد” (THAAD)، و”آرو” (Aro)، و”باتريوت” (Patriot)، و”إيجيس” (Aegis)، و”جي بي آي” (GBI)، وعائلة “ستاندرد” الأمريكية، و”القبة الحديدية”، و”مقلاع داود”، و”باراك” (Barak)، غير فعالة.

إيران تتوصل الى تكنولوجيا صاروخ كروز فرط صوتي
الكشف عن “فتاح-2” بعد 5 أشهر فقط!

في شهر نوفمبر 2023 (أبان 1402)، وتزامناً مع حضور القائد العام للقوات المسلحة (الإمام الخامنئي) في جامعة علوم وتقنيات الفضاء الجوية “عاشوراء”، تم الكشف عن أحدث إنجازات قوة الفضاء الجوية للحرس الثوري الإسلامي في المعرض الدائم لهذه القوة. في هذا المعرض، الذي شمل أقساماً صاروخية، ومسيّرات، ودفاع جوي، وفضائية، عُرضت إنجازات جديدة ومحدثة لعلماء وخبراء قوة الفضاء الجوية للحرس الثوري تحت عنوان “من الفكرة إلى المنتج الإيراني الخالص”.

وبالتزامن مع حضور قائد الثورة الإسلامية في هذا المعرض، تم الكشف عن صاروخ “فتاح 2” الفرط صوتي (الهايبرسونيك) الجوال (كروز)، ومنظومة الدفاع الجوي المتنقلة “مهران”، ومنظومة “9 دي” المطورة، وكذلك المسيّرة “شاهد 147”.

تُعد القدرة على تغيير المسار أثناء الطيران (Mid-course maneuverability) إحدى نقاط القوة الرئيسية لصاروخ “فتاح 2″، والتي أصبحت ممكنة بفضل التصميم الديناميكي الهوائي المتقدم وأنظمة التحكم الدقيقة، مما يمنحه القدرة على اختراق المنظومات المضادة للصواريخ مثل “بيكان”، و”آرو”، و”باتريوت”، وحتى “المنظومات المضادة للصواريخ الفرط صوتية”. إضافة إلى ذلك، وعلى عكس الصواريخ الباليستية التقليدية، فإن “فتاح 2” مزود برأس حربي انزلاقي (glide) ذي تصميم زاوي وشبح (stealthy)، يمكنه بعد دخوله الغلاف الجوي، التحرك انزلاقياً وبمناورات معقدة باتجاه الهدف.

من أهم المواضيع لفعالية الصواريخ الإيرانية الجديدة، بما فيها صاروخ “فتاح” الفرط صوتي، ضد حاملات الطائرات الأمريكية، هي إمكانية اكتشاف الهدف في وسط المحيط، حيث لا توجد إمكانية لتحليق المسيّرات الإيرانية بسهولة في تلك المنطقة. أفضل إجابة على هذا الغموض هي النماذج التي تم تركيبها سابقاً على صواريخ إيرانية أخرى، والتي أصبحت نتائجها معروفة.

أهم منتج تم تفعيله عملياً في هذا المجال هو صاروخ “قاسم بصير”، الذي أظهر أن الصناعات الدفاعية في بلدنا قد نفذت خطة دقيقة لتدمير سفن العدو في أعماق البحار باستخدام الصواريخ الباليستية والتكتيكية. هذا الصاروخ مزود برأس حربي بصري (optic)، وقد تكررت سابقة هذه الحالة أيضاً في بعض الأعضاء الآخرين من هذه السلسلة مثل نموذج “خليج فارس”، لكن القصة في “قاسم بصير” مختلفة.

في سياق الصور المنشورة لتجربة هذا الصاروخ، يُرى بوضوح أحد الموضوعات المهمة والمثيرة للاهتمام في تعريف المنتج الجديد لصناعاتنا الدفاعية، وهي مسألة تحديد واختيار الهدف الرئيسي من بين الأهداف الخادعة بواسطة الرأس الحربي للصاروخ. وهذا يعني أن الصاروخ المعني قد زُود في قسمه البصري بتقنية معالجة الصور (Image processing).

في هذه الميزة، تُعطى الصور الملتقطة مسبقاً للهدف إلى ذاكرة الصاروخ، ثم في المرحلة النهائية من الهجوم، يقوم هذا المقذوف بمسح سريع للموقع ويبحث عن الهدف المنشود من خلال مسح البيئة ومطابقتها مع الصورة المخزنة في ذاكرته. بعد ذلك، يقوم بتثبيت الهدف (القفل عليه)، وفي هذه الحالة، يكون من المستحيل انحرافه بالطرق المسماة بالمواجهة الناعمة (Soft Kill) مثل الحرب الإلكترونية وما يشابهها.

بطبيعة الحال، عندما يكون صاروخ مثل “قاسم بصير”، الذي تعود تقنيته إلى سنوات قبل الكشف عن صاروخ “فتاح” وتصنيعه، مزوداً بمثل هذا الرأس الحربي الخاص، فإن تصميم وتصنيع نموذج من هذا المنتج لتثبيته على صواريخ الحرس الثوري الفرط صوتية، ليس أمراً بعيداً عن الذهن بل وهو محتمل تماماً.

إضافة إلى ذلك، وقبل سنوات عديدة، وتحديداً في 16 يناير 2021 (27 دی 1399)، نفذت قوة الفضاء الجوية للحرس الثوري المرحلة الأخيرة من المناورة الصاروخية “النبي الأعظم-15″، حيث أُطلقت خلالها عدة صواريخ باليستية (الصور المنشورة تضمنت على الأقل “قدر F” و”سجيل 2″) باتجاه أهداف في شمال المحيط الهندي.

وفقاً لسيناريو هذه المرحلة، قامت الصواريخ المعنية بمحاكاة تدمير حاملات طائرات العدو على مسافة 1800 كيلومتر. وكانت دقتها على درجة عالية لدرجة أنه، وفقاً لتصريحات مسؤولين حكوميين أمريكيين، أصابت الصواريخ التي أُطلقت هدفاً على سطح البحر، بينما كانت حاملة الطائرات “نيميتز” (Nimitz) على بعد 150 كيلومتراً فقط من هذا الهدف. اعتُبر هذا الاختبار بمثابة استعراض للقوة أمام القوات البحرية الأمريكية.

زر الذهاب إلى الأعلى