مضيق هرمز وجوهرة السياسة الإقليمية: كيف أبقت عُمان وإيران الخليج الفارسي على حافة الاستقرار في 2026؟
في مشهد غرب آسيا، حيث تتصادم المصالح وتشتعل الأزمات، تبرز علاقات إيران وعُمان بوصفها استثناءً استراتيجياً يكتب قواعد جديدة للدبلوماسية الهادئة. فبينما تتغير تحالفات السياسة الإقليمية بسرعة، يظل مضيق هرمز نقطة الارتكاز التي حوّلت الجارين إلى شريكين في إدارة التوازن والأمن. في هذا التقرير الخاص بعام 2026، تغوص «آماج الإخبارية» في أعماق هذه العلاقة النادرة، لتكشف كيف نجحت الوساطة العُمانية في نسج خيوط الثقة عبر خمسة عقود، محوّلةً الخليج الفارسي من ساحة تصعيد إلى نموذج للتعايش السلمي.
تابعوا معنا تحليلاً شاملاً يمزج بين التاريخ والجغرافيا والاقتصاد، لتفهموا لماذا تبقى مسقط وطهران معاً “صمام أمان” الطاقة العالمية.
علاقات إيران وعُمان في عام 2026: وساطة راسخة واستقرار متجدد في قلب الخليج الفارسي
مسقط – خاص «آماج الإخبارية»
شراكة تتجاوز التحالفات العابرة
في مطلع النصف الثاني من العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، ومع تصاعد حدّة الاستقطاب في منطقة الخليج الفارسي، تقف العلاقات الإيرانية – العُمانية شاهداً حيّاً على إمكانية صياغة نموذج دبلوماسي مختلف. إنها علاقات لم تُصغ على عجلٍ تحت ضغط الأحداث، بل تشكّلت عبر عقود من التفاهم الهادئ والاحترام المتبادل، لتغدو اليوم إحدى الركائز الأساسية في صرح الأمن الإقليمي. ففي الوقت الذي تتأرجح فيه السياسة الإقليمية بين رياح الحرب ونسائم التطبيع، تُمسك مسقط وطهران معاً بخيوط التوازن عند واحدة من أكثر البقاع حساسية في العالم: مضيق هرمز.
يُقدّم هذا التقرير، الذي تُصدره وحدة الدراسات في «آماج الإخبارية» مع منتصف عام 2026، قراءةً معمّقة في أبعاد هذه العلاقة. نستعرض فيه المواقف العُمانية الثابتة من القضايا الشائكة، ودور الوساطة الذي أكسب السلطنة ثقة العالم، وصولاً إلى أحدث محطات التعاون السياسي والتجاري والبحري. نعتمد في ذلك على متابعة حثيثة للبيانات الرسمية، وأرشيف «آماج» الممتد، إلى جانب مجموعة من الدراسات الأكاديمية الحديثة التي أرّخت لهذه الشراكة الفريدة.
الموقف من واشنطن وتل أبيب: فنّ التوازن العُماني
تتبنّى سلطنة عُمان، بقيادة السلطان هيثم بن طارق، سياسة خارجية يمكن وصفها بـ”الاستقلالية الإيجابية”. فهي من جهة، تُعدّ حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة خارج إطار حلف شمال الأطلسي، وتستضيف تسهيلات عسكرية أمريكية في قواعد حيوية كميناء الدقم وثمريت. لكنها من جهة أخرى، ترفض بإصرار أن تكون هذه التسهيلات موجَّهة ضد جارتها إيران، وهو خط أحمر لم تُساوِم عليه يوماً.
أما فيما يتعلق بإسرائيل، فلا تزال مسقط خارج دائرة التطبيع الرسمي؛ فهي الدولة الخليجية الوحيدة التي لم تنضم إلى “اتفاقيات أبراهام” حتى مطلع 2026. ويُعزي محللون هذا الموقف إلى حرص السلطنة على عدم الإضرار بمكانتها كوسيط مقبول من جميع الأفرقاء. صحيح أن مسقط فتحت أبوابها لزيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في عام 2018، إلا أنها أبقت العلاقة في إطارها الوظيفي الذي يخدم الحوار الإقليمي، دون أن تتخلى عن موقفها المبدئي الداعم لإقامة دولة فلسطينية وفقاً للمبادرة العربية. هذا الخط المتوازن يُعزز دور عُمان في معادلات السياسة الإقليمية، حيث تُترجم مسقط علاقاتها المتشعبة إلى نفوذ دبلوماسي يخدم استقرار الخليج الفارسي بأكمله.
الوساطة ومنع الحرب: عقيدة “الحياد الإيجابي”
على امتداد أكثر من أربعة عقود، رسّخت عُمان لنفسها هوية فريدة كـ”سويسرا في غرب آسيا”. ففي الحرب حزب البعث مع الجمهورية الإسلامية (1980-1988)، التزمت الحياد التام، ورفضت الضغوط الخليجية للانخراط في الجبهة المعادية لطهران. وفي العقد الأول من القرن الحالي، ومع تصاعد الأزمة النووية الإيرانية، لعبت مسقط دور مضيف القناة الخلفية الأكثر سريةً بين طهران وواشنطن؛ وهي المفاوضات التي أثمرت خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015.
ولم يتوقف هذا الدور عند ذلك الحد؛ ففي عام 2023، وبجهود وساطة عُمانية، أُفرج عن عدد من المحتجزين الغربيين في إيران. ومع تولي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان منصبه في يوليو 2024، سارعت مسقط إلى تأكيد استعدادها لمواصلة تقريب وجهات النظر. وخلال عام 2025، استضافت العاصمة العُمانية جولتين من المحادثات غير المباشرة بين مسؤولين إيرانيين وأمريكيين، سعياً لإنعاش المسار الدبلوماسي حول البرنامج النووي، وهو ما أكدته تصريحات وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي في مارس 2026، مشيراً إلى أن “الحوار هو الخيار الوحيد الذي يضمن الأمن الجماعي في الخليج الفارسي”.
أحداث مضيق هرمز: إدارة الأزمة بحكمة الصياد المتمرس
شهد مضيق هرمز خلال الأعوام الماضية أحداثاً متتالية، من استهداف سفن شحن واحتجاز ناقلات إلى تحليق مكثف للطائرات المسيّرة. في كل مرة، خرجت مسقط بموقف واحد: التهدئة الفورية، والتأكيد على أن حرية الملاحة في المضيق هي مصلحة وطنية عُمانية مباشرة قبل أن تكون مطلباً دولياً.
فعندما احتُجزت ناقلة النفط “ستينا إمبيرو” قرب المضيق في صيف 2019، قادت عُمان جهود الوساطة للإفراج عنها، رافضة الانضمام إلى أي تحالف بحري تصعيدي. وفي حادثة احتجاز سفينة شحن مرتبطة بإسرائيل في أبريل 2024، سارعت البحرية السلطانية العُمانية بالتنسيق مع الجانب الإيراني لضمان سلامة الطاقم وفتح ممر آمن. وتزامناً مع ذلك، تواصل مسقط استضافة التمارين البحرية المشتركة مع إيران، والتي كان آخرها في فبراير 2026 في مياه الخليج الفارسي، في رسالة عملية بأن استقرار الممر المائي لن يتحقق إلا عبر التعاون بين الدول المشرفة عليه، لا عبر الاستقواء بالقوى الخارجية.
العلاقات السياسية: اتصال يومي وتنسيق لا ينقطع
تجمع طهران ومسقط علاقات سياسية لا تعرف القطيعة. وقد أثبتت هذه العلاقات قدرتها على امتصاص الصدمات الإقليمية المتلاحقة، بدءاً من الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وصولاً إلى تداعيات حرب غزة ولبنان في 2023-2024، حيث كثفت مسقط مشاوراتها مع طهران لاحتواء التصعيد. وعلى المستوى المؤسسي، لا تزال اللجنة المشتركة العليا بين البلدين تنعقد بانتظام، وكان آخر اجتماعاتها في يناير 2026 في طهران، برئاسة وزيري خارجية البلدين، حيث ناقش الطرفان سبل تحييد العلاقات الاقتصادية عن العقوبات الغربية.
وقد حافظ السلطان هيثم بن طارق على الإرث الذي أرساه السلطان الراحل قابوس بن سعيد. وفي عام 2025، أجرى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اتصالاً هاتفياً مطولاً مع السلطان هيثم، تباحثا فيه حول الأوضاع في سوريا واليمن وأمن الملاحة، تلاه إرسال مبعوث خاص من طهران إلى مسقط يحمل رسالة خطية. وتُعد هذه التحركات استمراراً لنهج راسخ، كانت زيارات الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي إلى مسقط في مايو 2022 من أبرز محطاته.
الشراكة التجارية: أرقام تنمو رغم الحصار
رغم أن العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران لا تزال تُلقي بظلالها على حجم التبادل التجاري، إلا أن الأرقام تُظهر نمواً مطرداً. فقد بلغ حجم التجارة البينية في عام 2025 حوالي 1.8 مليار دولار، مقارنة بنحو 1.3 مليار في عام 2022، وفقاً لبيانات غرفة تجارة وصناعة عُمان. وتطمح خطة التعاون الاقتصادي المشترك، التي جرى تحديثها في أوائل 2026، إلى بلوغ حاجز 3 مليارات دولار بحلول عام 2028.
وتتركز التجارة في قطاعات الطاقة والغذاء ومواد البناء. ومن أبرز التطورات التي شهدها العام 2025 توقيع اتفاقية لتصدير الغاز الإيراني إلى عُمان عبر الأنبوب البحري المخطط له منذ سنوات، والذي حصل على تمويل مشترك من صناديق استثمارية آسيوية، في خطوة رأى فيها مراقبون اختراقاً عملياً لجدار العقوبات. كما تواصل إيران الاستفادة من المناطق الحرة العُمانية، وعلى رأسها الدقم وصلالة، كمنصة لإعادة التصدير إلى أسواق شرق أفريقيا وجنوب آسيا، في حين تُسهم الاستثمارات العُمانية في قطاع السياحة الإيراني في فتح آفاق جديدة للتعاون.
السيطرة المشتركة على مضيق هرمز: هندسة الأمن الإقليمي
يمثّل مضيق هرمز، بعرضه الذي يضيق إلى نحو 33 كيلومتراً عند نقطة رأس مسندم، المعبرَ الذي لا غنى عنه لقرابة خُمس الإمدادات النفطية العالمية. وهنا، يقف البلدان على ضفتيه: إيران من الشمال، وعُمان من الجنوب. هذا الواقع الجغرافي يجعل من “السيطرة المشتركة” على المضيق حقيقة لا خيار فيها، وقد تُرجمت على أرض الواقع عبر اتفاقية ترسيم الحدود البحرية لعام 1974، التي لا تزال نافذة ومعترفاً بها من قبل الجمهورية الإسلامية.
وتتجاوز هذه السيطرة المشتركة الأطر القانونية إلى التنسيق الميداني اليومي. إذ تجري دوريات بحرية مشتركة لخفر السواحل، ويتم تبادل المعلومات الاستخباراتية حول عمليات التهريب والقرصنة. وفي مؤتمر الأمن البحري الذي استضافته مسقط في ديسمبر 2025، شدد وزير الدفاع العُماني على أن “أمن الخليج الفارسي يُصنع في عواصمه، لا في غرف العمليات البعيدة”، في إشارة واضحة إلى رفض العسكرة الأجنبية للممرات المائية، وهو الموقف الذي تتفق معه طهران تماماً.
جذور التاريخ: من حرب ظفار إلى اتفاق 2015
ما يُميّز علاقات إيران وعُمان أنها لم تُختبر يوماً بمواجهة عسكرية. بل على العكس، يعود الفضل في متانتها إلى مواقف تاريخية فارقة. في سبعينيات القرن الماضي، كان الدعم العسكري الذي قدمه شاه إيران للسلطان قابوس في إخماد تمرد ظفار هو حجر الأساس لشراكة استراتيجية متينة. وعندما هبّت رياح الثورة في طهران عام 1979، لم تقطع مسقط علاقاتها الدبلوماسية، في موقف نادر بين دول المنطقة آنذاك.
ثم جاءت مرحلة الوساطة النووية بين عامي 2013 و2015 لتُضفي على العلاقة بُعداً دولياً. فقد استضافت عُمان، بعيداً عن كاميرات الإعلام، لقاءات سرية بين وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف، مهدت الطريق لتوقيع خطة العمل الشاملة المشتركة. هذا الإرث الموغل في القدم والمُكلل بالنجاحات يفسر لماذا تثق طهران بمسقط كثيقة تأمين دبلوماسية، ولماذا تنظر واشنطن إلى عُمان كصديق يمكن التعويل عليه في أحلك الأوقات.
سجل اللقاءات والزيارات الرسمية (1974 – 2026)
اعتمدت وحدة التقارير في «آماج الإخبارية» على أرشيفها الممتد وعلى البيانات الرسمية من وزارتي خارجية البلدين لتوثيق أبرز المحطات في مسار الدبلوماسية المتبادلة. ويُظهر الجدول التالي أن التواصل لم ينقطع عبر خمسة عقود، منتقلاً من جيل إلى جيل دون أن يفقد زخمه.
| السنة | الشخصية الزائرة | المنصب | الدولة المستضيفة | أبرز أهداف الزيارة |
|---|---|---|---|---|
| 1974 | السلطان قابوس بن سعيد | سلطان عُمان | إيران | ترسيم الحدود البحرية وتأسيس التعاون الأمني |
| 1977 | الشاه محمد رضا بهلوي | شاه إيران | عُمان | ترسيخ التعاون العسكري بعد حرب ظفار |
| 2009 | السلطان قابوس بن سعيد | سلطان عُمان | إيران | تعزيز التعاون الاقتصادي والطاقة |
| 2013 | حسن روحاني | رئيس إيران | عُمان | التشاور الإقليمي والاقتصادي |
| 2014 | حسن روحاني | رئيس إيران | عُمان | توقيع مذكرة أنبوب الغاز |
| 2016 | محمد جواد ظريف | وزير خارجية إيران | عُمان | بحث الأزمة اليمنية والملف النووي |
| 2017 | يوسف بن علوي | وزير خارجية عُمان | إيران | نقل رسائل أمريكية للمفاوضات السرية |
| 2019 | يوسف بن علوي | وزير خارجية عُمان | إيران | وساطة لإطلاق محتجزين غربيين |
| 2022 | إبراهيم رئيسي | رئيس إيران | عُمان | توقيع 12 اتفاقية، وتعزيز الشراكة |
| 2023 | حسين أمير عبد اللهيان | وزير خارجية إيران | عُمان | التنسيق الأمني حول مضيق هرمز |
| 2024 | علي باقري كني | وزير خارجية إيران المؤقت | عُمان | نقل رسالة تعزية وتأكيد استمرارية النهج |
| 2025 | عباس عراقجي | وزير خارجية إيران | عُمان | التحضير لجولة مفاوضات نووية غير مباشرة |
| 2026 | بدر البوسعيدي | وزير خارجية عُمان | إيران | رئاسة اجتماع اللجنة العليا المشتركة |
خلاصة: نموذجٌ يُحتذى في خضم العواصف
مع بلوغنا منتصف عام 2026، تؤكد علاقات إيران وعُمان أنها ليست مجرد تفاهمات موسمية، بل هي منظومة متكاملة من المصالح المشتركة والسياسات الراسخة. في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة الخطاب في الخليج الفارسي، يبقى خط مسقط – طهران هو خط التهدئة والوساطة والتعاون.
إن استمرار هذا النموذج يتطلب، في نظر الكثير من المراقبين، مأسسة الدور العُماني بشكل أكبر، ودعمه دولياً ليتمكن من تجاوز ضغوط الاستقطاب. كما أن فتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي، بعيداً عن التضييق المالي، من شأنه أن يخلق شبكة مصالح تجعل العودة إلى الوراء أمراً مكلفاً للجميع. وهذا تحديداً هو رهان قادة البلدين للمرحلة المقبلة: أن يُبنى السلام على ضفتي الخليج الفارسي، حجراً حجراً، تماماً كما بُنيت هذه العلاقة النادرة.
المصادر:
- أرشيف «آماج الإخبارية» للزيارات الرسمية والتصريحات (1974-2026).
- بيانات وزارة الخارجية العُمانية واللجنة المشتركة العليا بين البلدين.
- دراسات أكاديمية: أعمال مارك فاليري، عبد الله بوشلاخ، ودراسات معهد دول الخليج (2023-2025).
- تقارير غرفة تجارة وصناعة عُمان حول التبادل التجاري لعامي 2024 و2025.
- تحليلات دورية: “Conflict in the Strait of Hormuz” (Zulkifli & Ariffin, 2023)، و”Oman’s Niche Diplomacy” (Al-Shamli & Alrasheed, 2026).
