المقالات والتقارير

الشهید مصطفى شمران قائد ومجاهد وصانع الانتصارات و الثائر العالمي في مسيرة الخلاص

ما تقرأهُ في هذا الخبر 🔻

شمران، من قلب بيروت المحترقة والمدمرة إلى قمم جبال جبل عامل الشامخة، وعلى حدود فلسطين المحتلة، ترك بطولات عديدة خالدة، وظل دائماً في قلوب الفقراء والمستضعفين من الشيعة.

السيرة الذاتية للشهيد الدكتور مصطفى شمران
السيرة الذاتية للشهيد الدكتور مصطفى شمران

وُلِد الدكتور مصطفى شمران في عام 1932 (1311 هـ.ش) في طهران، شارع پانزده خرداد. بدأ دراسته في مدرسة “انتصارية” بالقرب من “پامنار”، والتحق بمدرسة “دار الفنون” و”البرز” للمرحلة الثانوية، ثم واصل دراسته في كلية الهندسة بجامعة طهران، وتخرج عام 1957 (1336 هـ.ش) في تخصص الكهرو ميكانيك. درّس شمران لمدة عام في كلية الهندسة. كان طوال فترة دراسته الأول على دفعته. في عام 1958 (1337 هـ.ش)، حصل على منحة دراسية للطلاب المتفوقين وسافر إلى أمريكا، وبعد أبحاث علمية بين أشهر علماء العالم في كاليفورنيا وأعرق جامعات أمريكا – بيركلي – حصل على درجة الدكتوراه في الإلكترونيات وفيزياء البلازما بأعلى درجة علمية.

شارك الدكتور مصطفى شمران منذ سن الخامسة عشرة في دروس تفسير القرآن التي كان يلقيها المرحوم آية الله طالقاني في مسجد الهداية، وفي دروس الفلسفة والمنطق التي كان يلقيها الأستاذ الشهيد مرتضى مطهري وبعض الأساتذة الآخرين، وكان من أوائل أعضاء الجمعية الإسلامية للطلاب في جامعة طهران. شارك في النضالات السياسية في عهد مصدق، منذ المجلس الرابع عشر حتى تأميم صناعة النفط. وبعد الانقلاب المخزي في 28 مرداد (19 أغسطس) وسقوط حكومة الدكتور مصدق، بدأت أشد نضالاته ومسؤولياته ضد الاستبداد والاستعمار في إطار مجموعة سياسية، واستمر حتى هجرته من إيران، دون كلل وبكل قوته، حارب النظام الطاغوتي الشاه، ونفذ أخطر المهام في أصعب الظروف بنجاح.

في أمريكا، أسس شمران بالتعاون مع بعض أصدقائه، لأول مرة الجمعية الإسلامية للطلاب في أمريكا، وكان من مؤسسي جمعية الطلاب الإيرانيين في كاليفورنيا، ومن الناشطين في جمعية الطلاب الإيرانيين في أمريكا، مما أدى إلى قطع منحة دراسته من قبل نظام الشاه. بعد الانتفاضة الدموية في 15 خرداد عام 1963 (1342 هـ.ش) والقمع الظاهر لنضالات الشعب المسلم بقيادة الإمام الخميني (رض)، قام بعمل جريء ومصيري، وبرفقة بعض الأصدقاء المؤمنين والمتشابهين في الفكر، توجه إلى مصر، وتعلم هناك لمدة عامين، في زمن عبد الناصر، أصعب فترات التدريب على حرب العصابات والبارتيزان، واعتُبر أفضل طالب في تلك الدورة، وتولى على الفور مسؤولية تدريب المقاتلين الإيرانيين على حرب العصابات.

بسبب امتلاكه بصيرة دينية عميقة، كان ينفر من القومية التي تتجاوز الإسلام، وعندما لاحظ في مصر أن التيار القومي العربي يؤدي إلى تفرقة المسلمين، اعترض على جمال عبد الناصر. قبل ناصر اعتراضه، لكنه قال إن تيار القومية العربية قوي جداً بحيث لا يمكن مواجهته بسهولة. وأكد شمران بأسف أننا لا نزال لا ندرك أن معظم هذه التحريكات تأتي من العدو لخلق التفرقة بين المسلمين. ومنذ ذلك الحين، سُمح لشمران ورفاقه بالتعبير عن آرائهم في مصر.

بعد وفاة عبد الناصر، أصبح من الضروري إنشاء قاعدة حزبية مستقلة لتدريب المقاتلين الإيرانيين، فسافر الدكتور شمران إلى لبنان لإنشاء هذه القاعدة. بمساعدة الإمام موسى الصدر، زعيم الشيعة في لبنان، أسس حركة المحرومين، ثم جناحها العسكري، منظمة “أمل”، على أساس المبادئ الإسلامية. هذه المنظمة، وسط المؤامرات والعداوات من اليسار واليمين، وبالاعتماد على الإيمان بالله وسلاح الشهادة، طبقت خط الإسلام الثوري الأصيل، وخاضت غمار معارك الحياة والموت، وواجهت العواصف المصيرية، ورفعت راية التشيع الدموية في وجه أقسى الطغاة، الصهيونية المحتلة وشركائها من اليمين الفالانجي.

شمران، من قلب بيروت المحترقة والمدمرة إلى قمم جبال جبل عامل الشامخة، وعلى حدود فلسطين المحتلة، ترك بطولات عديدة خالدة، وظل دائماً في قلوب الفقراء والمستضعفين من الشيعة. سُطّر تاريخ هذه النضالات الفخرية بقلم أحمر، وبدماء شهداء لبنان الطاهرة، على شوارعها الملتهبة وعلى سفوح جبالها الحدودية مع إسرائيل، للأبد.

الشهيدمصطفي شمران و الامام الخميني رضوان الله عليه
الشهيد مصطفي شمران و الامام الخميني رضوان الله عليه

عاد الدكتور شمران إلى الوطن بعد انتصار الثورة الإسلامية، بعد 21 عاماً من الهجرة. وضع كل تجاربه الثورية والعلمية في خدمة الثورة. بهدوء وصبر، لكن بنشاط وحزم، بدأ البناء، وكرس كل جهوده لتدريب أولى مجموعات حراس الثورة في سعد آباد. ثم، في منصب نائب رئيس الوزراء، خاطر بحياته نهاراً وليلاً لحسم قضية كردستان في أسرع وقت. في قضية “باوه” التي لا تُنسى، أثبت للجميع قوة إيمانه، وإرادته الفولاذية، وشجاعته وتضحيته.

بعد هذه الأحداث، صدر الأمر الثوري للإمام الخميني (رض) بتولي القيادة العامة للقوات المسلحة، وأمر الجيش بالوصول إلى باوه خلال 24 ساعة، وتم تعيين الدكتور شمران قائداً للمنطقة. تحرك المقاتلون المضحون في الثورة، من جنود وحراس، وبالاعتماد على كل تجاربهم الثورية، وإيمانهم، وتضحياتهم، وشجاعتهم، وقدرة الدكتور شمران القيادية والتخطيطية، حققوا أروع الانتصارات، واستولوا خلال 15 يوماً على جميع المدن والطرق والمواقع الاستراتيجية في كردستان. وهكذا تم إنقاذ كردستان من خطر مؤكد، واحتفل الشعب الكردي المسلم بهذا النصر بفرح وسرور.

بعد هذا النصر الفريد، وعودته إلى طهران، عُيّن الدكتور مصطفى شمران وزيراً للدفاع من قبل مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الإمام الخميني (رض). في منصبه الجديد، بدأ سلسلة من البرامج الواسعة والأساسية لتغيير وتطوير الجيش، منها تطهير الجيش وتنفيذ برامج إصلاحية.

انتخب الشهيد شمران في الدورة الأولى لمجلس الشورى الإسلامي، ممثلاً عن شعب طهران، وكان يعتزم بذل أقصى جهوده في صياغة القوانين والنظام الثوري الجديد، وخاصة في الجيش، لتغيير هيكله القديم. وفي إحدى مناجاته بعد انتخابه ممثلاً للشعب في مجلس الشورى الإسلامي، شكر الله قائلاً: «إلهي، أحسن الناس إليّ وأغرقوني بوابل لطفهم ومحبتهم لدرجة أنني خجل حقاً، وأرى نفسي صغيراً جداً لدرجة أنني لا أستطيع الوفاء بحقهم. امنحني الفرصة والقدرة لأكون أهلاً لهذا الحب والمودة».

ثم عُيّن شمران ممثلاً للإمام الخميني (رض) في المجلس الأعلى للدفاع، وكُلف بتقديم تقارير منتظمة عن أداء الجيش.

الشهيد مصطفي شمران وحرب المفروضة على إيران
الشهيد مصطفي شمران وحرب المفروضة على إيران

بعد بدء الحرب المفروضة من قبل حزب البعث الصدامي ضد إيران، بدأ عصر ملحمي ومليء بالجهود. كان الدكتور شمران في تلك الفترة نموذجاً كاملاً للإيثار والشجاعة، مع التواضع والعمل المستمر دون ضجيج، فقط لوجه الله. بعد الهجوم الجبان لجيش صدام على حدود إيران وتقدمهم السريع إلى المدن والقرى والمدنيين العزل، لم يستطع البقاء ساكناً، فتوجه إلى الإمام الخميني، وبعد حصوله على إذنه، رفقة سماحة القائد الأعلى آية الله الخامنئي، الذي كان آنذاك ممثلاً آخر للإمام في المجلس الأعلى للدفاع وممثل شعب طهران في مجلس الشورى الإسلامي، سافر إلى الأهواز. وبما أنه كان يلقي بنفسه دائماً في قلب الخطر ولم يخش الموت، بدأ العمل فور وصوله، وفي الليلة الأولى شن هجوماً حزبياً ضد دبابات العدو التي كانت قد تقدمت إلى على بعد بضعة كيلومترات من مدينة الأهواز.

جمع مصطفى شمران مجموعة من المقاتلين المتطوعين حوله، وبعد تدريبهم وتنظيمهم، شكل مقر حروب العصابات (ستاد جنگ‌های نامنظم) في الأهواز. هذه المجموعة ازدادت قوة وتماسكاً تدريجياً، وقدمت خدمات عديدة. إنشاء وحدة هندسية نشطة لمقر حروب العصابات كان من بين هذه البرامج، والتي ساعدت في بناء طرق عسكرية بسرعة في نقاط مختلفة، وعبر تركيب مضخات مياه على ضفاف نهر كارون، وحفر قناة بطول حوالي 20 كيلومتراً وعرض 100 متر في وقت قصير، قاموا بتوجيه مياه كارون نحو دبابات العدو، مما أجبرها على التراجع عدة كيلومترات وبناء سد ضخم أمامها. هذا العمل أبعد إلى الأبد فكرة احتلال الأهواز عن أذهان الأعداء.

من الأعمال المهمة والأساسية الأخرى التي قام بها منذ الأيام الأولى، خلق التنسيق بين الجيش والحرس الثوري والقوات الشعبية المتطوعة الموجودة في المنطقة. كان مردود هذه الحركة وأسلوب الحرب الشعبية والتنسيق الكامل بين القوات الموجودة، تكتيكاً حربياً جديداً تقريباً، وهو ما لم تفكر فيه القوى العظمى سابقاً. لكن للأسف، لم يتحقق هذا التنسيق في خرمشهر، وبقيت القوات الشعبية وحدها. كان يعتزم الذهاب إلى خرمشهر، لكنه لم يتمكن بسبب خطر سقوط الأهواز الجدي، لكنه نظم عدة مرات قوات تتراوح بين مئتين إلى ألف فرد وأرسلها إلى خرمشهر. تمكنوا بمساعدة إخوانهم الآخرين من الصمود لوقت طويل في مواجهة الهجمات المتكررة للعدو في حرب غير متكافئة.

بعد أن يئس العدو من احتلال الأهواز، تعلق نظام البعث العراقي بشدة بفتح سوسنكرد لإكمال حلم القادسية، وهاجم تلك المدينة المظلومة للمرة الثانية، وحاصرتها دبابات حزب البعث لمدة ثلاثة أيام. في اليوم الثالث، تمكنت بعض منها من الدخول إلى المدينة. كانت الدكتور شمران منزعجاً جداً من حصار عدد من رفاقه ومقاتليه الشجعان في تلك المدينة، وبجهوده وضغطه مع سماحة القائد الأعلى، أعد الجيش لشن هجوم خطير وملحمي وغير متكافئ لأول مرة، وقام هو أيضاً بتنظيم القوات الشعبية والحرس الثوري إلى جانب الجيش، وبنظام جديد وأسلوب جديد، شنوا هجوماً من طريق الأهواز-سوسنكرد على العدو.

كان الشهيد شمران يتقدم رفاقه، متلهفاً لمساعدة ومقابلة إخوانه المحاصرين في سوسنكرد، عندما وقع في محاصرة دبابات العدو. وجه المقاتلين الآخرين إلى اتجاه آخر لينجوا، وألقى بنفسه في حلقة الحصار. عندها نشبت معركة ضارية؛ هاجمته قوات الكوماندوز العدو من خلف الدبابات، وكان ينتقل من نقطة إلى أخرى ومن مخبأ إلى آخر في مواجهة العدو المعتدي. كانت قوات الكوماندوز العدو تمطره بوابل من رصاصها، وكانت الدبابات تطلق عليه النار، وكان هو يرد بشجاعة ودون خوف على النيران الكثيفة بسرعة وخفة، ويغير مخبأه كل لحظة.

في هذا الاشتباك، استشهد رفيق شمران، وواصل هو وحده القتال والهجوم على العدو. حتى أصيب في ساقه اليسرى من مكانين أثناء “رقصته في وسط الميدان”. بساقه المصابة، هاجم شاحنة عراقية واغتنمها. بمساعدة شاب آخر رشيق وصل إلى موقع القتل، جلس داخل الشاحنة وخرج من دائرة الحصار.

وصل الدكتور شمران بتلك الشاحنة إلى مستشفى في الأهواز، وتم إدخاله للمعالجة. لكنه لم يمكث في المستشفى أكثر من ليلة واحدة، ثم توجه إلى مقر حروب العصابات، وعاد للعمل بساقه المجروحة والمؤلمة. حتى في الليلة التي كان فيها في المستشفى، عُقد اجتماع استشاري للقادة العسكريين (الفريق الشهيد فلاحي، قائد الفرقة 92، الشهيد كلاهدوز، مسؤولي الحرس الثوري، والعقيد محمد سليمي الذي كان رئيس أركانه)، ومحافظ خوزستان، وممثل الإمام في الحرس الثوري (الشهيد محلاتي) بجانب سريره في المستشفى. وفي نفس الحال وتلك الليلة، طرح اقتراح الهجوم على مرتفعات الله أكبر.

رغم إلحاح واقتراح المسؤولين وأصدقائه، رفض الشهيد شمران مغادرة الأهواز ومقر حروب العصابات، والتوجه إلى طهران للعلاج. قضى كل وقته في ذلك المقر. بجانب سريره، وأمامه، كانت الخرائط العسكرية للمنطقة، ومدى تقدم العدو، وحركة قواتنا منشورة، وكان هو، الذي لم يكن لديه القوة للذهاب إلى الجبهة، ينظر إليها باستمرار، ويقدم باستمرار خططاً مثيرة للاهتمام واقتراحات بناءة في مختلف المجالات العسكرية والهندسية وحتى الثقافية.

بعد إصابته، توجه شمران لأول مرة إلى طهران لزيارة الإمام الخميني وتقديم تقرير. حضر إلى الإمام، وقدم شرحاً موجزاً للأحداث التي وقعت، وعمليات، واقتراحاته. وقدّم الإمام الخميني (رض) توجيهاته الأبوية بلطف خاص.

كان الدكتور شمران يعاني دائماً من السكون وعدم الحركة على الجبهات، وكان يسعى لخلق حركة من خلال تقديم اقتراحاته وبرامجه المبتكرة. كان يصر على ضرورة الهجوم على تلال الله أكبر ثم بستان في أسرع وقت، والوصول إلى تنگه چزابه القريبة من الحدود لقطع الاتصالات الشمالية والجنوبية للقوات العراقية وحدودهم المتصلة. أخيراً، في 21 مايو 1981 (31 أرديبهشت 1360)، وبفضل هجوم منسق وسريع، تم فتح مرتفعات الله أكبر، وكان أكبر انتصار حتى ذلك الوقت بعد انتصار سوسنكرد.

كان الشهيد شمران، مع المقاتلين الشجعان للإسلام، من بين أول من وطأت قدمه مرتفعات الله أكبر؛ بينما كان العدو لا يزال يقاوم في بعض النقاط، تمكن هو وقائده الشجاع إيرج رستمي، بعد يومين، مع عدد من رفاقه، من الاستيلاء على جميع تلال شحیطیه (شاهسوند) بالتضحية والقوة الكاملة.

بعد انتصار مرتفعات الله أكبر، كان شمران يصر على أن تتجه القوات الإيرانية في أسرع وقت نحو بستان، قبل أن يتمكن العدو من بناء تحصينات له، لكن ذلك لم يتحقق، وقام هو بتنفيذ خطة تحرير “دهلاويه” بتضحية وتفاني وإيثار المقاتلين المضحين في مقر حروب العصابات، بقيادة إيرج رستمي.

في 20 يونيو 1981 (30 خرداد 1360)، أي بعد شهر من انتصار مرتفعات الله أكبر، شارك شمران في اجتماع استثنائي للمجلس الأعلى للدفاع في الأهواز، بحضور المرحوم آية الله إشراقي، وانتقد عدم حركة القوات وسكونها، وقدم اقتراحاته العسكرية، بما فيها الهجوم على بستان. كان هذا آخر اجتماع للمجلس الأعلى للدفاع حضره. وفي اليوم التالي، كان يوماً حزيناً وصعباً ومروعاً للغاية.

في فجر 21 يونيو 1981 (31 خرداد 1360)، استشهد إيرج رستمي قائد منطقة دهلاويه، وأصيب الشهيد الدكتور شمران بالاكتئاب والحزن الشديدين. عم حزن غامض جميع مقاتلي المقر، وخاصة رفاق وأصدقاء رستمي. استدعى الشهيد شمران قائداً آخر من قادته، واصطحبه بنفسه إلى الجبهة لتعيينه في دهلاويه بدلاً من رستمي. في لحظة التحرك، قال أحد المقاتلين ببراءة وجمال: «كما في يوم عاشوراء، استشهد رفاق الحسين (ع) واحداً تلو الآخر، استشهد عباس علمدارهم (رستمي)، وها هو الآن مستعد للتحرك إلى الجبهة».

انطلق باتجاه سوسنكرد، وفي الطريق التقى بالمرحوم آية الله إشراقي والشهيد الفريق فلاحي. كانت آخر مرة رأوا فيها بعضهم البعض، واستمروا في طريقهم حتى وصلوا إلى موقع القتل.

جمع شمران جميع المقاتلين في قناة خلف دهلاويه، وهنأهم وعزاهم باستشهاد قائدهم، وبصوت حزين ومكتوم من حزن فقدان رستمي، لكن بنظرة عميقة ومشرقة، ووجه منير، وقلب مليء بحب الشهادة والشوق للقاء الرب، قال: «الله أحب رستمي فأخذه، وإن أحبنا الله أيضاً فسيأخذنا».

أثبت الله أنه يحبه أيضاً، فدعاه إليه. استشهد شمران في تلك المنطقة، أثناء تفقده للمناطق والخطوط الأمامية، نتيجة إصابة بشظايا قذائف هاون العدو.

وُلد الشهيد الدكتور مصطفى شمران عام 1932 (1311 هـ.ش) في مدينة قم المقدسة. كان والده رجلاً متديناً يعيل أسرته من خلال العمل. بينما كان مصطفى في عامه الأول، انتقل والده إلى طهران. بدأ مصطفى تعليمه الابتدائي في مدرسة “انتصارية” بالقرب من “پامنار”. بفضل اجتهاده وموهبته الفائقة، تم قبوله في مدرسة “البرز” الثانوية في طهران، وكان دائماً محط اهتمام معلميه بسبب قدراته العلمية ورزانته.

التحق الشهيد مصطفى شمران عام 1953 (1332 هـ.ش) بكلية الهندسة في جامعة طهران، وواصل دراسته في تخصص الهندسة الكهربائية. خلال فترة دراسته الجامعية، التي تزامنت مع فترة تأميم صناعة النفط وانقلاب 28 مرداد، كان له حضور نشط في جميع الحركات السياسية للشعب. لكن هذا الحضور لم يؤدِ أبداً إلى تراجع دراسي أو تعطيل محاضراته الجامعية، ورغم كل تلك المشاكل في الساحات السياسية والاجتماعية المتوترة آنذاك، تخرج الشهيد شمران من كلية الهندسة بجامعة طهران بمعدل مرتفع وبصفته طالباً متفوقاً.

كان الشهيد الدكتور مصطفى شمران، قبل أن يكون طالباً جامعياً، بروحه اللطيفة الباحثة عن الحق، وهو في الخامسة عشرة من عمره، من طلاب العلوم الإلهية والمعارف السماوية للقرآن الكريم. كان يحضر دائماً دروس تفسير القرآن الكريم التي كان يقيمها آية الله طالقاني رحمه الله في مسجد الهداية، وكان يطهر ويزين روحه بها.

كان الشهيد الدكتور مصطفى شمران، خلال فترة دراسته الجامعية، يشارك دائماً في الأنشطة السياسية. كان من بين قادة الحركة الطلابية، بعد انقلاب 28 مرداد، وقضية سفر نائب الرئيس الأمريكي الأسبق نيكسون، وحادثة 16 آذر (7 ديسمبر). في هذا اليوم، أطلق نظام الشاه النار على الطلاب المحتجين على زيارة نيكسون، واستشهد ثلاثة من أبناء هذا الوطن. كان الشهيد شمران من بين جرحى تلك الحادثة.

عُرف الشهيد الدكتور مصطفى شمران كطالب متفوق في الكلية، وحصل على منحة دراسية لمواصلة دراسته حتى مرحلة الدكتوراه. غادر إلى أمريكا. أنهى أولاً درجة الماجستير في الهندسة الكهربائية من جامعة تكساس بدرجة امتياز، ثم حصل على درجة الدكتوراه بأفضل درجة علمية في تخصص الإلكترونيات وفيزياء البلازما من جامعة بركلي.

بعد الانتفاضة الدموية في 15 خرداد، سافر الشهيد مصطفى شمران مع بعض أصدقائه المؤمنين والمتشابهين في الفكر إلى مصر لتعلم فنون حرب العصابات، وقضى عامين في أصعب دورات حرب العصابات، ثم تولى مسؤولية تدريب المقاتلين الإيرانيين على حرب العصابات.

في أواخر عام 1970 (1349 هـ.ش)، بدعوة من الإمام موسى الصدر، زعيم الشيعة في لبنان، سافر الدكتور مصطفى شمران إلى لبنان وأصبح من المقربين إليه. يشير الشهيد شمران في مذكراته إلى أن: «كانت لي حياة هانئة في أمريكا، وكنت أمتلك كل أنواع الإمكانات، لكنني تركت كل الملذات وذهبت إلى جنوب لبنان، لأعيش بين الفقراء والمستضعفين، ولأتعرف أكثر على فقرهم ومعاناتهم، ولأفتح قلبي لأحزان هؤلاء المنكسرين، ولأضع لذتي في دموعي، ولأجعل السماء وحدها، في صمت الليل وظلمته، ملجأً لآهاتي الحارقة… أردت ألا أكون في هذا العالم مع الرأسماليين والطغاة، وألا أتنفس في جوهم، ولا أتمتع بملذات حياتهم، وألا أبيع علمي ومعرفتي مقابل المال والملذات».

بعد وصوله إلى لبنان، استقر الدكتور شمران في أقصى نقطة جنوبية، مدينة صور، وأصبح مديراً للمدرسة الصناعية في جبل عامل. كرس جهوده لتعليم شباب هذه المدرسة، الذين كان معظمهم من أيتام الشيعة في لبنان. يقول عن ذلك: «كان شباب الشيعة في لبنان من أفضل الشباب. عملنا معهم لمدة عامين تقريباً في الجانب الأيديولوجي، مما أدى لاحقاً إلى تنظيم حركة المحرومين؛ أي أن هؤلاء الشباب هم الذين شكلوا العمود الفقري لمنظمة أكبر هي حركة المحرومين».

يشير الدكتور مصطفى شمران، هذا القائد الإسلامي العظيم، في مذكراته إلى كيفية تشكيل المنظمة العسكرية “أمل”، ويقول: «فيما بعد، عندما وقع الانفجار في لبنان، ودخل مسلحون من كل جانب إلى الساحة، ولم يكن أمام أي مجموعة للبقاء خيار سوى التسلح، قامت حركة المحرومين بتأسيس منظمة عسكرية باسم أمل، والتي كانت في الحقيقة الجناح العسكري لحركة المحرومين. كنا نختار أعضاء أمل من بين أفضل وأكثر الشباب التزاماً، والذين كانوا يتخرجون من صفوف إعداد الكوادر، ويمكنني أن أقول بكل حق إن بعض شباب أمل هم من تعرفوا على الإسلام الأصيل ويقاتلون على أساسه».

أثار خبر اختطاف الإمام موسى الصدر، زعيم الشيعة في لبنان، في 20 سبتمبر 1978 (29 شهريور 1357) العالم الإسلامي وخاصة لبنان. كان هذا الفقدان والألم الجارح يثقلان أكثر من أي شيء آخر على كاهل الدكتور شمران. بذل الشهيد شمران كل جهده لإنقاذ والعثور على الإمام موسى الصدر، لكن للأسف، لم تنجح جهوده وجهود رفاقه وشيعة لبنان حتى الآن. لا يزال مصير ذلك القائد النبيل وموسى طور سيناء لبنان غامضاً.

كلما اقتربت نهاية نظام الطاغوت واقترب انتصار الثورة الإسلامية، كان الصدام الدموي بين الشعب ونظام الطاغوت أمراً لا مفر منه. في هذه المرحلة، كان الدكتور شمران قد أعد مجموعة من الشباب الإيراني النابهين الذين تدربوا عسكرياً في لبنان وسوريا، وجعلهم على أهبة الاستعداد للسفر إلى إيران. يقول الشهيد شمران في هذا الشأن: «كنا نعتزم تجهيز خمسمائة مقاتل من منظمة أمل، وإيصال أنفسنا إلى وسط المعركة… كنت أنا شخصياً منخرطاً في هذا التنظيم، لننزل بهؤلاء الأشخاص وهذه الإمكانيات العسكرية في وسط المعركة، ولا يمكنني وصف الشوق والحماسة والشعور الذي كان يكنه هؤلاء الشباب للمجيء إلى إيران والاستشهاد بجانب إخوانهم الإيرانيين».

يصور الشهيد شمران الوجه المظلوم والمعذب للبنان قائلاً:

«لقد جئت من جبل عامل؛ تلك الأرض التي بشر فيها أبو ذر الغفاري، الوفي الصادق للرسول الأعظم، لأول مرة بالإسلام الأصيل لأهل تلك المنطقة، وبنى مسجداً لعبادة الله…»

«لقد جئت من جبل عامل، الذي كان طوال 1400 عام من تاريخ الإسلام مظلوماً…»

«أنا ممثل الفقراء والمستضعفين في جنوب لبنان، الذين يحترقون يومياً تحت نيران المدفعية الثقيلة وقنابل الطائرات الإسرائيلية. لقد جئت من أرض دُمر أكثر من نصفها بالكامل».

الشهيد الدكتور مصطفى شمران، مالك الأشتر الثورة، كجندي مخلص ومضحٍ، لأداء الواجب الذي كان يشعر به تجاه الدفاع عن الثورة والوطن، عندما جعلت الجماعات المضادة للثورة منطقة كردستان غير آمنة وأرهبت أهلها، دخل الساحة، ولأول مرة بعد انتصار الثورة في قضية كردستان، ارتدى الزي العسكري وسارع لمساعدة أهل تلك المنطقة. حقق الدكتور شمران مع الفريق الشهيد فلاحي بطولات خالدة في تاريخ كردستان وإيران؛ ملحمة حررت فيها مدن باوه، ونوسود، ومريوان، وبسطام، وبانه، وسردشت واحدة تلو الأخرى، وجلبت الفرحة لأهل هذه المدن.

الشهيد الدكتور مصطفى شمران، هذا المجاهد في العالم الإسلامي، كان رجل عمل، وكان يظهر حضوراً جاداً كلما شعر بالواجب لوجه الله. كان يفضل أن يلعب دوره حيث لا يوجد آخرون أو لا يستطيعون، ولهذا السبب، رغم كونه إيرانياً، لم يكن غافلاً عن لبنان وفلسطين، قضية العالم الإسلام الأولى.

في عام 1979 (1358 هـ.ش)، وبناءً على اقتراح مجلس الثورة وأمر الإمام الخميني رحمه الله، عُيّن الدكتور شمران وزيراً للدفاع. كان أول مدني يُعين في هذا المنصب. لكن خبرته في لبنان ونضالاته هناك، ومعرفته من جهة، وقدرته وحبه للإسلام وإيران، جعلت اختياره الخيار الأفضل.

لم يستطع الشهيد شمران البقاء ساكناً بعد الهجوم الجبان لنظام البعث العراقي على حدود إيران. بعد الحصول على إذن من الإمام الخميني رحمه الله، برفقة سماحة القائد الأعلى آية الله الخامنئي، سافر إلى الأهواز، وبدأ العمل فور وصوله، وفي الليلة التالية لوصوله، شن أول هجوم حزبي ضد دبابات العدو.

قام الشهيد الدكتور شمران، بتجميع المقاتلين المتطوعين، بتدريبهم وتنظيمهم، وتشكيل مقر حروب العصابات في الأهواز. هذا المقر، بالإضافة إلى البطولات التي أظهرها في العمليات الحزبية في الوقت المناسب، لإحباط الفرق الميكانيكية للبعث ومنع تقدمها نحو الأهواز، تمكن من إجبار جيش العدو على التراجع.

أثر خبر استشهاد إيرج رستمي، قائد منطقة دهلاويه، في الدكتور شمران بشدة وأحزنه. توجه الشهيد شمران إلى المنطقة لتعيين قائد جديد ورفع معنويات مرؤوسيه. جمع المقاتلين في قناة في دهلاويه، وهنأهم وعزاهم باستشهاد قائدهم إيرج رستمي، وقال بصوت حزين ومكتوم ونظرة عميقة: «الله أحب رستمي فأخذه، وإن أحبنا الله أيضاً فسيأخذنا».

بعد تعيين القائد الجديد لمنطقة دهلاويه، قام الدكتور شمران بجولة تفقدية لجميع المخابئ، والتقى بجميع المقاتلين مرة أخرى. وفي الخط الأمامي، في أقرب نقطة للعدو، وقف خلف ساتر ترابي، وذكر المقاتلين ببعض النقاط، وأكد ألا يتقدم أحد من هذه النقطة التي يُرى منها العدو بالعين المجردة. في تلك الأثناء، بدأ قصف الهاون. أمر الشهيد شمران بالتفرق والاحتماء، وبينما كان يحتمي، أصابته شظية هاون في مؤخرة رأسه. أعقب هذا الحادث الحزين أنين وبكاء من حوله. كانت محاولات رفاقه لإيصاله إلى المستشفى غير مجدية. عندما وصل جسده إلى الأهواز، كانت روحه الملكوتية قد ارتفعت إلى السماء.

«شمران العزيز، بعقيدته النقية والمخلصة، غير المنتمية إلى الفصائل والمجموعات السياسية، وباعتقاده بالهدف الإلهي العظيم، بدأ الجهاد في سبيله منذ بداية حياته واختتم بها… عاش بشرف واستشهد بشرف ووصل إلى الحق. الفن هو أن تنهض للجهاد في سبيل الله دون ضجيج سياسي ودون استعراضات شيطانية، وتفدي نفسك في سبيل الهدف، وهذا فن رجال الله. لقد رحل إلى حضرة الله العظيم بكرامة. روحه طيبة وذكراه خير».

یصادف يوم 21 حزيران ذكرى استشهاد الدكتور مصطفى شمران أول وزير دفاع إيراني بعد انتصار الثورة الإسلامية، وقائد الحرس الثورة الاسلامية وعضو في البرلمان الإيراني عن منطقة طهران الذي اطلق عليه مفجر الثورة الاسلامية الامام الخميني (رض) لقب “حمزة العصر”.

وكان الشهيد مصطفى شمران قد ولد عام 1932 في طهران. وامضى دراسته المتوسطة في مدارس طهران وقبل في كلية التقنية الهندسية بجامعة طهران، وتخرج من فرع هندسة الالكتروميكانيك عام 1957.

في أواخر الخمسينيات، انتقل إلى الولايات المتحدة للتعليم العالي، في جامعة تكساس ثم ذهب للحصول على شهادة الدكتوراه في الفيزياء والهندسة الكهربائية والبلازما في عام 1963 الي جامعة بيركلي بكاليفورنيا.

وخلال ثلاث سنوات حصل على درجة الدكتوراة في الإلكترونيات والفيزياء الحيوية (هندسة الطاقة النووية) بامتياز من جامعة بيركلي. ثم تعاقد للعمل في مختبرات بيل و مختبر الدفع النفاث التابع لناسا في سنة 1960. وكان يجيد اللغة الفارسية، الإنجليزية، العربية، الفرنسية، والألمانية.

واسس هذا الطالب المناضل للمرة الاولى في امريكا بالتعاون مع بعض اصدقائه “الجمعية الاسلامية للطلبة في امريكا”.

كما يعتبر من مؤسسي جمعية الطلبة الايرانيين في ولاية كاليفورنيا الامريكية ولهذا السبب قطعت منحته الدراسية من جانب حكومة البهلوي.

وبعد نهضة “15 خرداد” عام 1963 توجه شمران الى مصر وتدرب هناك على اصعب دورات حرب العصابات لمدة سنتين. واعتبر افضل متدرب في هذه الدورة التي تولى بعدها تدريب المناضلين الايرانيين.

بما أنّ الظّروف لم تكن مساعدة لكي يتوجّه إلى إيران من أجل تنفيذ الأنشطة العسكريّة، اتّجه إلى لبنان من أجل مكافحة إسرائيل وتحرير القدس الشّريف، وانهمك مع الإمام موسى الصّدر جنوبي هذه البلاد وعلى الحدود مع إسرائيل في تربية القوى البشريّة في إحدى دور الأيتام.

كانت حصيلة سبع سنين من إقامته في لبنان تأسيس «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى» ومنظّمة تحمل اسم «أفواج المقاومة اللبنانيّة» (أمل)، منظّمة يتمحور عملها حول التدريبات العسكريّة والدفاعيّة. وبسبب أنشطة مصطفى شمران وانشغالاته الكثيرة، انفصلت عنه زوجته الأولى. في لبنان، تعرّف شمران إلى سيّدة تُدعى غادة جابر، ونجم عن هذه المعرفة في ما بعد زواجهما.

«أذكر أنّني رافقته في إحدى رحلاته إلى القرى. قدّم إليّ في السيّارة هديّة. كانت هديّته الأولى ولم نكن قد تزوّجنا بعد. فرحتُ كثيراً وفتحتها فوراً. كان حجاباً، حجاباً أحمر اللون بورود كبيرة. صُدمت لكنّه تبسّم. ومنذ تلك اللحظة ارتديتُ الحجاب وبقيتُ أرتديه»، هذه القصة التي نقلتها غادة حول واحدة من الرحلات قبل زواجهما.

بعد انتصار الثورة الإسلاميّة عام 1979، عاد مصطفى إلى حضن الوطن عقب 23 عاماً من هجرته. عاد لكي يقدّم تجاربه التي استمرّت أعواماً ويضعها في خدمة الإسلام وإيران، لكن بعد مدّة جعله اختطاف الإمام السيّد موسى الصّدر يفكّر في العودة مجدّداً إلى لبنان لكي يعمل على تحسين أوضاعه المضطربة. حمل حقيبته الصّغيرة وتشرّف بلقاء الإمام الخمينيّ (قدّه) لكي يحصل على تكليفه منه. كان جواب الإمام جملة واحدة: «لا، فلتبقَ في إيران، فإذا صَلُحَت إيران، فسيصلح لبنان وسائر الأماكن كافة»، فبقيَ في إيران.

ليلة الثامن عشر من تمّوز/يوليو 1979 كانت ليلة قاسية في مدينة باوه، فجماعات الكومله والقوى المعادية للثورة الإسلاميّة كانت قد حاصرت المدينة وارتكبت مجزرة جماعيّة بحقّ غالبيّة أعضاء «حرس الثورة الإسلاميّة»، وكانت المدينة بأكملها ومرتفعاتها ومنحدراتها قد وقعت بأيدي العدوّ. كان نبض كردستان في تلك الليلة بيَد باوه، ولو سقطت المدينة، لكانت كردستان أيضاً ستسقط.

اتّصل شمران عبر اللاسلكي بالشرطة في باوه وأعدّ في وزارة الدّفاع رسالة لكي ينقل إلى الإمام الخمينيّ الأوضاع الصّعبة والظروف المعقّدة ويحصل على رأي سماحته، فوجّه الإمام أيضاً بصفته القائد العامّ للقوات المسلّحة الأمر إلى القوّات المسلّحة كافّة بأن تتّجه دون الحاجة إلى كسب الإذن من قادتهم إلى باوه، وجعل القيادة بعُهدة مصطفى أيضاً. حتّى الصباح تمّ إنقاذ المدينة من السّقوط المحتّم بلطف من الله ودراية عسكريّة فريدة من نوعها من الشّهيد شمران. عقب نجاحه، عُيّن في منصب وزير الدفاع، وبعد ذلك جرى اختياره نائباً عن مدينة طهران في مجلس الشورى الإسلاميّ.

بعدما شنّ صدّام هجومه على المدن الجنوبيّة لإيران، اتّجه إلى هناك لكي ينظّم القوّات ويقودها هناك من كثب، وأسّس في مدينة الأهواز مقرّ قوّات حرب العصابات.

وبعكس ما جرت عليه العادة مع قادة الحرب، كان يتقدّم جنوده دائماً، ولم يكن الأمر أبداً على هذا النّحو: أن يكون بعيداً ويجلس في غرف القيادة ليتابع الأخبار ويوجّه أوامره. حتّى عندما جُرح مرّة في إحدى العمليّات في قدمه، لم يوافق على أن يجري نقله إلى طهران من أجل العلاج، وبعد بضعة أيّام من الاستراحة عاد إلى الميدان متّكئاً على عصا. أخيراً في سنّ الثامنة والأربعين، جُرح أثناء جولة له في منطقة دهلاويه، وهي قرية في شمال غرب سوسنجرد الواقعة في محافظة خوزستان، العسكريّة جرّاء الإصابة بشظيّة لإحدى القذائف، وأثناء نقله من أجل العلاج نال فيض الشهادة.

يتحدّث الإمام الشهيد السيد الخامنئي عن شخصيّة الدكتور مصطفى شمران فيصفه بالأنموذج المتكامل: «الشهيد شمران قدوة. لقد كان الشهيد شمران عالماً بالمعنى الحقيقيّ للكلمة. كان متعلّماً ومُحصّلاً للعلم لكنّه كان أيضاً مناضلاً حقيقيّاً ومجاهداً حقيقيّاً أيضاً. لم تكن تعنيه الدنيا والمناصب ولم يكترث للقوت والاسم ولم يعتنِ باسم من سيُسجّل الإنجاز. لم يكن ذلك مهماً بالنسبة إليه. لقد كان منصفاً صريحاً شجاعاً مكابداً. وفي عين لطافته ورقّته ودقّة مزاجه الشاعريّ والعرفانيّ، كان في الحرب جنديّاً دؤوباً».

بسم الله الرحمن الرحيم (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) صدق الله العلي العظيم

الى اخوتي واخواتي في امل

في عرس كوكبة من شهدائنا اي قيمة للكلمة امام نبض الشهادة.. ماذا عسانا ان نقول لكم،ونحن نفقد اليوم بعد الاخر خيرة الشباب الذين يختارون طريق الشهادة في سبيل الرسالة. نحب ان نعزيكم ونهنئكم في نفس الوقت وانتم يا ابناء امل،يا ابناء الجنوب قد اخترتم الطريق بارادتكم.. الطريق الصعب الشاق الطويل.. يوم كنتم وراء القائد الامام السيد موسى الصدر في اصعب المواقف وسرتم في طريق الله لترفعوا راية الاسلام في وقت كان الظلم والكفر والالحاد قد طغى على النفوس والقلوب.. نعرف ان الطريق ما زالت طويلة وشاقة والشهادة تنتظر من يستحقها.. الالام كثيرة يتحملها اهلنا في الجنوب وبيروت وبعلبك وكل لبنان.. واملنا كبير بشباب أمل المؤمنين الذين يواجهون اليوم اصعب المؤامرات ..

اخوتي واخواتي ..

التاريخ ألحق بكم الكثير من الظلم فحملتم ظلم الصديق والأخ مثلما تحملتم ظلم العدو.. تعرضتم للتصفية والتنكيل،للقتل والتهجير،واليوم نخاف عليكم بقدر ما نفتخر بكم.. نخاف على ابن أمل الذي اصبح اليوم وبيده القدرة والقوة.. ان يتحول الى الغرور والتكبر وحب الظهور ويحاول الانتقام من الابرياء من ابناء شعبنا الصامد..

يجب ان تستمروا في حركتكم نحو التكامل وانتم تعرفون ان تعاليمنا الاسلامية تتطلب منا ان نتقيد بمبادئ الاسلام لانكم في عقيدتكم التي تحملون عقيدة الاسلام تختلفون عن باقي الاحزاب الموجودة على الساحة اللبنانية.. ان الشعب الذي يؤيدكم ويتعاطف معكم ويضحي معكم..

المحافظة عليه امانة في عنقكم.. وهؤلاء الشهداء الذين سقطوا وهم يدافعون عن الحق المنهوك في بغداد.. هؤلاء الذين اختصروا الحدود الجغرافية والاقليمية بعقيدتهم الاسلامية استشهدوا لاجل الحق دماؤهم الطاهرة النقية.. تستصرخكم على ان تحافظوا على قدسية تعاليم الرسالة الاسلامية …

املنا بكم كبير وهذا لا يعني اننا نشكك بكم ابداً ولكن (ان الانسان ليطغى ان راه استغنى) وتجارب التاريخ في هذا الصدد كثيرة..
أمل .. شباب أمل وفتيات أمل ..

أمل للأمة الاسلامية.. حركتكم حركة التكامل التاريخية.. الآن أصعب الاوقات انه الامتحان الكبير لكم.. اليوم جهادكم الكبير يجب ان يبدا مع انفسكم ضد الانانية والحقد والمصالح الشخصية والغرور و..و.. وهذا الامتحان اليوم وانتم في القوة .. اتمنى ان تنجحوا باذن الله به.. في الجهاد الاكبر ..

ونحن ما زلنا معكم على نفس الطريق نجاهد الجهاد الاكبر والاصغر.. وقسماً.. قسماً يا اخوتي.. يا ابناء الجنوب ايها المحرومون في لبنان.. قسماً..
بدماء الشهداء التي سقطت في بيروت،في بيت ليف،في زفتا.

قسماً بدماء الشهيد اية الله السيد محمد باقر الصدر وشقيقته ابنة الهدى ..
قسماً بالام صرخة النساء المعذبات الثكالى في الجنوب .
قسماً بالحب، بالحرية، بالعدالة، بالالم، بالوحدة ..
قسماً بالشجاعة، بالتضحية، بالشهادة، بالتواضع ..
قسماً بمياه دجلة والفرات والليطاني والاردن والنيل ..
قسماً بارض كربلاء وجبل عامل المقدسة ..
قسماً بنار الرصاص بجوع الاطفال، قسماً بوجع وصراخ الارامل ..
قسماً بوجع الايتام وصراخ الارامل والشيوخ لحظة القصف …
قسماً بقائد المستضعفين والمحرومين الامام موسى الصدر ..
قسماً بدموع الايتام، بانين الارامل، بصرخة المجاهدين ..
قسماً بالدماء، بالشرف .. بالله

حتى اّخر نقطة من الدم سنبقى معا يا اخوتي نجاهد ضد كل ظلم وكفر وطاغوت.. في اي مكان من العالم حتى ترتفع راية الاسلام .. راية الله اكبر .. والمجد والخلود لاخوتنا الشهداء والله سبحانه وتعالى يمنحكم وعائلة الشهداء الصبر او الشهادة.. ويعيد اليكم امامكم وقائدكم السيد موسى الصدر سالماً حتى نتابع واياه طريق الجهاد والله معنا جميعا بإذن الله..

زر الذهاب إلى الأعلى