آخر الأخبارالمقالات والتقارير

سلاح المقاومة في العراق.. دراسة شاملة للأسباب الجذرية لرفض التسليم

ما تقرأهُ في هذا الخبر 🔻

في خضم الجدل السياسي والأمني المحتدم حول ملف “حصر السلاح بيد الدولة”، تعود قضية السلاح غير الحكومي في العراق إلى واجهة المشهد الوطني، وكأنها سؤالٌ وجودي يُعيد اختبار طبيعة الدولة ذاتها، وحدود سيادتها، وقدرتها على احتكار أدوات القوة.

بغداد – وكالة آماج الإخبارية

لكن هذا الجدل، الذي يتصاعد اليوم مع إعلان الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي عن خطة زمنية لإنهاء ملف السلاح بحلول نهاية سبتمبر/أيلول 2026، لا يمكن فصله عن سياق تاريخي ممتد، وعن ذاكرة جمعية لا تزال حاضرة في وجدان العراقيين.

فمنذ عام 2003، والعراق يعيش أزمة مركبة تتعلق بتعدد مصادر السلاح وتشابك الولاءات، غير أن الجدل الحالي يتجاوز الإشكاليات الأمنية التقليدية، ليطرح سؤالاً أكثر عمقاً: كيف يمكن الحديث عن حصر السلاح بيد الدولة، في بلد لا تزال أراضيه محتلة جزئياً، وأجواؤه مخرقة بشكل شبه يومي، وسيادته منتهكة من قبل ثلاث دول كبرى؟

هذا التقرير الشامل لا يكتفي بعرض المواقف المتناقضة لفصائل المقاومة من ملف حصر السلاح، بل يتجاوز ذلك ليقدّم قراءة تحليلية للأسباب الجذرية التي تدفع فصائل المقاومة الإسلامية في العراق إلى رفض تسليم سلاحها. أسباب لا تتعلق فقط بالحسابات السياسية الضيقة، بل ترتبط بتجارب تاريخية كبرى، ودروس قاسية في الصمود والانهيار.

فالمقاومة العراقية، التي شكلت العمود الفقري لمواجهة الاحتلال الأمريكي منذ عام 2003، هي ذاتها التي كانت الدرع الأخير الذي حال دون سقوط بغداد بيد تنظيم “داعش” الإرهابي في صيف 2014، عندما انهار الجيش العراقي وتفرّق جنوده تاركين خلفهم أسلحتهم ومعداتهم. وفي مشهد دراماتيكي لن تنساه الذاكرة العراقية، كانت فصائل المقاومة والمفارز العقائدية هي من سدّت الثغرات في “حزام بغداد”، ومنعت تقدم العناصر الإرهابية نحو العاصمة، في لحظة كانت فيها الدولة العراقية على شفا الانهيار.

لكن الأسباب الجذرية لرفض التسليم لا تقف عند حدود الماضي، بل تمتد إلى واقع السيادة العراقية اليوم، الذي يكشف عن تناقض صارخ بين خطاب “دولة القانون” وحقيقة “الدولة المنتهكة”. ففي شمال العراق، تقيم تركيا أكثر من 80 قاعدة عسكرية، يتمركز فيها نحو 5 آلاف جندي تركي مزودين بأسلحة ثقيلة، في وجود عسكري يتجاوز أي احتلال أجنبي آخر في العراق.

وفي صحراء غرب العراق، كشفت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن وجود قاعدتين عسكريتين سريتين تابعتين لإسرائيل، استخدمتهما لشن هجمات على إيران، فيما كانت واشنطن على علم بهما ولم تخبر الحكومة العراقية. أما الأجواء العراقية، فقد تحولت إلى “مجال حرب” مفتوح، تخترقه المقاتلات الإسرائيلية بشكل شبه يومي لضرب العمق الإيراني، في وقت تمنع فيه الولايات المتحدة الجانب العراقي من استخدام مقاتلاته “إف 16” للتصدي لهذه الاختراقات.

في هذا السياق المعقد، تتوزع مواقف فصائل المقاومة بين رافض للتسليم بشكل قاطع، ومستعد للتسليم بشروط، وآخر أنهى التسليم بالفعل. فبينما أعلنت تنسيقية المقاومة العراقية، التي تضم ستة فصائل رئيسية من بينها كتائب سيد الشهداء وحركة النجباء وكتائب حزب الله العراقي، رفضها الجماعي لتسليم السلاح في بيان موحد هو الأول من نوعه منذ أشهر طويلة، سارعت سرايا السلام وكتائب الإمام علي إلى إعلان تسليم سلاحها والاندماج في مؤسسات الدولة.

هذا التقرير يحاول الإجابة عن الأسئلة المحورية التي تطرحها هذه المعادلة المعقدة: لماذا ترفض فصائل المقاومة تسليم سلاحها رغم الضغوط الحكومية والدولية؟ وهل يمكن الحديث عن سيادة الدولة في ظل وجود قواعد عسكرية أجنبية على الأرض العراقية واختراق شبه يومي للأجواء؟ وما هي السيناريوهات المستقبلية لملف حصر السلاح في ضوء التوازنات الإقليمية والداخلية المتغيرة؟

في خضم الجدل المتصاعد حول ملف حصر السلاح بيد الدولة، تبرز فصائل المقاومة الإسلامية في العراق كأحد أبرز اللاعبين في هذه المعادلة المعقدة. فبينما ترى الحكومة العراقية في حصر السلاح خطوة ضرورية لترسيخ سيادة الدولة، تؤكد فصائل المقاومة أن سلاحها ليس مجرد أداة عسكرية، بل هو هوية وذاكرة وضمانة لعدم تكرار كوارث الماضي.

لكن السؤال الأعمق الذي يطرحه المراقبون: كيف يمكن الحديث عن “سيادة الدولة” وحصر السلاح بيدها، في ظل وجود عشرات القواعد العسكرية الأجنبية على الأراضي العراقية، واختراق الأجواء بشكل شبه يومي، وانتهاك صريح للسيادة من قبل ثلاث دول كبرى؟

هذا التقرير الشامل يستعرض الأسباب الجذرية التي تدفع فصائل المقاومة إلى رفض تسليم سلاحها، مستنداً إلى تجربتها التاريخية في مواجهة الاحتلال الأمريكي وتصديها لتنظيم “داعش” الإرهابي، مع تقديم دراسة متكاملة لانتهاكات السيادة العراقية من قبل الاحتلال التركي والأمريكي والإسرائيلي.

  • المقاومة الإسلامية أوقفت زحف “داعش” نحو بغداد بعد انهيار الجيش في الموصل 2014
  • الوجود التركي يتجاوز 80 قاعدة عسكرية في شمال العراق مع أكثر من 5 آلاف جندي
  • قاعدتان إسرائيليتان سريتان كشفتهما صحيفة نيويورك تايمز في صحراء غرب العراق
  • اختراق الأجواء العراقية أصبح “مجال حرب” بسيطرة المقاتلات الإسرائيلية
  • تنسيقية المقاومة تضم 6 فصائل أعلنت رفضها الجماعي لتسليم السلاح
  • الحكومة تحدد نهاية سبتمبر 2026 سقفاً زمنياً لإنهاء ملف السلاح

شكلت المقاومة الإسلامية في العراق، بفصائلها المختلفة، الجبهة الأساسية التي واجهت الاحتلال الأمريكي منذ لحظاته الأولى. فبعد الغزو الأمريكي للعراق في 19 مارس/آذار 2003، والذي أطاح بحكومة صدام حسين، انطلقت عمليات المقاومة التي استهدفت القوات الأمريكية.

لم تكن هذه مجرد عمليات متفرقة، بل تجسدت في فصائل عُرفت بمقاومتها للقوات الأمريكية منذ عام 2003، ولم تغادر ميادين المعارك حتى بعد خروج القوات الأمريكية أواخر عام 2011. هذا الدور هو جوهر شرعية سلاح المقاومة في نظرها؛ فهو سلاح وُجد لمواجهة المحتل والدفاع عن السيادة الوطنية، وليس لتهديد الأمن الداخلي.

فالمقاومة العراقية، من منظور فصائلها، ليست خياراً سياسياً عابراً، بل هي استجابة وجودية لاحتلال استباح الأرض والسماء والماء. وما زالت الولايات المتحدة تحتفظ بنفوذ سياسي وأمني في العراق، مما يجعل استمرار سلاح المقاومة، من وجهة نظرها، ضرورة حتمية.

مجزرة سبايكر
مجزرة سبايكر

إذا كان الدليل الأول يتعلق بمواجهة الاحتلال، فإن الدليل الثاني الأكثر حسماً في الوجدان العراقي هو دور المقاومة في إنقاذ البلاد من تنظيم “داعش” الإرهابي.

في صيف عام 2014، كان العراق يواجه أخطر تهديد وجودي منذ عام 2003. فخلال أيام قليلة انهارت مدن كاملة أمام هجوم تنظيم “داعش” الإجرامي، وسقطت الموصل. في 10 يونيو/حزيران 2014، انسحب آلاف الجنود العراقيين من الموصل تاركين خلفهم أسلحتهم ومعداتهم.

جاء انهيار الجيش العراقي، الذي تلقى تدريباً أمريكياً، أمام هجوم “داعش” وحلفائهم بمثابة صدمة كبرى للعراق والعالم. هذا المشهد من الانهيار والتخلي عن السلاح شكل جرحاً غائراً في الذاكرة العراقية، وأثبت، من وجهة نظر المقاومة وأنصارها، أن الاعتماد على مؤسسات الدولة وحدها غير كافٍ لمواجهة التهديدات الوجودية.

في تلك اللحظة الحرجة، كانت فصائل المقاومة هي التي تحركت بسرعة لسد الثغرات. في مناطق “حزام بغداد” التي كانت تشكل خط الدفاع الأخير عن العاصمة، تصدت فصائل المقاومة والمفارز العقائدية لزحف “داعش” ومنعته من الوصول إلى بغداد.

هذا الدور كان حاسماً في إنقاذ العاصمة ومنع سقوطها بيد التنظيم، وهو ما يقر به حتى خصوم هذه الفصائل. فالمقاومة لم تكن مجرد قوة مسلحة، بل كانت الدرع الأخير الذي حال دون سقوط بغداد في يد التنظيم الإرهابي.

احتلال أم حماية؟ أطماع تركيا في شمال العراق وتداعياتها المروعة
احتلال أم حماية؟ أطماع تركيا في شمال العراق وتداعياتها المروعة

في زحام الحديث عن الاحتلال الأمريكي والتغلغل الإسرائيلي، يمر الاحتلال التركي كخنجر غرس في الجسد العراقي دون أن ينبه إلى عمقه أحد. فتركيا تمتلك اليوم وجوداً عسكرياً واسعاً في شمال العراق، يتجاوز أي تقدير رسمي.

تقدر أعداد القواعد العسكرية التركية في مناطق شمالي العراق المحاذية للحدود مع تركيا بنحو 50 قاعدة، تتنوع بين معسكرات كبيرة وصغيرة ونقاط تفتيش حدودية، موزعة في محافظات أربيل ودهوك ونينوى. وتشير مصادر أخرى إلى أن العدد تجاوز 80 قاعدة عسكرية.

وقد أكد عضو لجنة الأمن والدفاع النيابية حسين العامري وجود توسع تركي “غير مسبوق” في الأراضي العراقية، خاصة في محافظتي دهوك وأربيل، بأربعين قاعدة عسكرية، داعياً مجلس النواب العراقي لعقد جلسة استثنائية لبحث التهديدات والتحركات التركية.

تضم القوات التركية في شمال العراق حوالي 5 آلاف جندي تركي مزودين بمدفعية ومدرعات وأسلحة ثقيلة ومتوسطة. وتمتد هذه القواعد بعمق يصل إلى 40 كيلومتراً تقريباً من الحدود التركية.

رغم إعلان حزب العمال الكردستاني حل نفسه وتسليم أسلحته استجابة لدعوة زعيمه عبد الله أوجلان في 27 فبراير/شباط 2025، فإن تركيا تواصل تعزيز وجودها العسكري في شمال العراق. وأكدت مصادر سياسية عراقية مطلعة أن العام الحالي، على الأقل، لن يشهد أي انسحاب للوجود العسكري التركي في شمال العراق أو حتى تخفيفه.

ويرى مراقبون أن هذا الوجود العسكري التركي لا يتقاطع فقط مع السيادة العراقية، بل ينذر بتحولات مستقبلية في طبيعة الدور الإقليمي التركي. ويشير البعض إلى أن ما يحصل يشير إلى مشروع أنقرة في نينوى وكركوك، والذي تسعى من خلاله إلى توسيع نفوذها في المناطق الشمالية، مستغلة الأوضاع السياسية والأمنية غير المستقرة في المنطقة.

معركة السيادة.. كيف بنت إسرائيل قاعدة سرية في صحراء العراق ومن كان يعلم بها؟
معركة السيادة.. كيف بنت إسرائيل قاعدة سرية في صحراء العراق ومن كان يعلم بها؟

في تطور صادم كشفته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية في مايو 2026، تبين أن إسرائيل أقامت قاعدتين عسكريتين سريتين في صحراء غرب العراق، استخدمتهما بشكل متقطع داخل الأراضي العراقية لأكثر من عام.

بدأت القصة عندما وجد الشاب العراقي عواد الشمري، أثناء توجهه إلى مدينة النخيب في مارس/آذار 2025، تحركات عسكرية غامضة في منطقة نائية من الصحراء، شملت خياماً ومروحيات ومدرجاً ميدانياً. وبعد أن أبلغ السلطات بما رآه، تعرض لهجوم أودى بحياته عندما كانت عودته إلى مخيمه محاصرة بنيران مروحية، وفق شهود عيان من الأهالي البدو.

بعثة استطلاع عسكرية عراقية أُرسلت إلى الموقع تعرضت لإطلاق نار أدى إلى مقتل جندي وإصابة آخرين، ما زاد من غموض طبيعة القوة العسكرية الموجودة هناك.

كشفت الصحيفة أن هناك موقعاً ثانياً على الأقل في منطقة صحراوية أخرى. وأشار مسؤولون عراقيون إلى أن إسرائيل أقامت قاعدة عسكرية ثانية في صحراء غرب العراق، استخدمتها خلال حرب الـ12 يوماً ضد إيران في يونيو 2025.

كانت القواعد تُستخدم لدعم العمليات الجوية والتزود بالوقود وتقديم خدمات لوجستية وطبية. وبدأت القوات الإسرائيلية التحضير لبناء هذه القاعدة المؤقتة منذ أواخر عام 2024، عبر تحديد مواقع نائية يمكن استخدامها في صراعات مستقبلية.

أشارت الصحيفة إلى أن المعلومات التي قدمتها المصادر تشير إلى أن واشنطن كانت على علم، على الأرجح منذ يونيو 2025، أو ربما قبل ذلك، بالوجود الإسرائيلي في غرب العراق. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أن واشنطن أجبرت العراق على إغلاق راداراته لحماية الطائرات الأميركية، وأنه “من غير المعقول ألا تكون القيادة المركزية على علم بالوجود الإسرائيلي في غرب العراق”.

لا يقتصر انتهاك السيادة العراقية على الوجود البري، بل يمتد ليشمل الأجواء بشكل يومي. فوفقاً لمصادر وزارة الدفاع العراقية، أصبحت الأجواء العراقية “مجال حرب” وباتت تحت سيطرة المقاتلات الإسرائيلية التي تهاجم العمق الإيراني.

قالت المعلومات من داخل الحكومة العراقية إن الجانب العراقي طلب رسمياً من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة منع إسرائيل من اختراق واستخدام الأجواء العراقية. إلا أن الجانب الأمريكي رفض الطلب العراقي.

التطور الأكثر خطورة هو ما نقل عن أطراف في الإطار الشيعي، أكبر جماعة سياسية في الحكومة العراقية، بأن الأمريكيين طلبوا من الجانب العراقي عدم استخدام مقاتلات “إف 16” الأمريكية التي يملكها الجيش العراقي، للتصدي للمقاتلات الإسرائيلية التي تواصل اختراقها للأجواء العراقية.

أدانت وزارة الخارجية العراقية، في بيان، “قيام الكيان الإسرائيلي بخرق الأجواء العراقية واستخدامها في تنفيذ اعتداءات عسكرية بالمنطقة”. وأكدت الحكومة العراقية “الرفض التام والقاطع لانتهاك الأجواء العراقية واستخدامها في الاعتداءات العسكرية التي ترتكبها إسرائيل ضد إيران”. ودعا العراق الولايات المتحدة إلى منع الطائرات الإسرائيلية من استخدام الأجواء العراقية لشن هجمات على إيران، مستنداً إلى الاتفاقات الثنائية.

رغم الحديث عن انسحاب القوات الأمريكية، لا يزال الوجود العسكري الأمريكي قائماً في عدة قواعد عراقية. وفي ذروة الاحتلال كان للولايات المتحدة 170 ألف جندي متمركزين في 505 قواعد منتشرة في جميع محافظات العراق.

واليوم، يتمركز نحو 2,500 جندي أميركي إلى جانب جنود بريطانيين في قاعدة عين الأسد، التي استخدمتها الولايات المتحدة وقوات التحالف خلال حرب العراق. كما تتمركز قوات أمريكية في قاعدة أربيل الجوية في إقليم كردستان.

وقد صرح وزير الدفاع العراقي ثابت العباسي في سبتمبر/أيلول 2024 أن القوات الأميركية ستخرج من بلاده بحلول عام 2026. غير أن هناك تشكيكاً في التزام الولايات المتحدة بهذا الجدول، خاصة في ظل ما كشفته صحيفة نيويورك تايمز عن علم واشنطن بالقواعد الإسرائيلية السرية في العراق.

بناءً على هذه المعطيات، يمكن تحديد الأسباب الجوهرية التي تدفع فصائل المقاومة إلى رفض تسليم سلاحها:

ترى فصائل المقاومة أن وجود قوات أجنبية على الأراضي العراقية، خصوصاً الأمريكية والتركية، يبرر استمرار سلاح المقاومة. فالمقاومة العراقية تؤكد أنها ستبقى متمسكة بحقها في مقاومة الاحتلال ما دامت الضغوط والتدخلات الخارجية مستمرة.

وقد أكدت “تنسيقية المقاومة العراقية” في بيانها أن “سلاح المقاومة سلاح مقدس، لا سيما في بلد فيه الاحتلال قائم”، رافضة “رفضاً قاطعاً أي حديث عنه من الأطراف الخارجية”. وشددت على أن “الحوار بشأنه حتى مع الحكومة لا يكون إلا بعد تحقيق السيادة الكاملة للبلاد وتخليصها من كل أشكال الاحتلال وتهديداته”.

إن الكشف عن وجود قاعدتين عسكريتين إسرائيليتين سريتين في صحراء غرب العراق، واستخدامهما لشن هجمات على إيران، يشكل انتهاكاً صارخاً للسيادة العراقية. والأكثر خطورة هو أن واشنطن كانت على علم بهذه القواعد ولم تخبر الحكومة العراقية.

هذا الواقع يجعل من المستحيل، من وجهة نظر المقاومة، الحديث عن تسليم السلاح في ظل وجود قواعد عسكرية لإسرائيل على الأراضي العراقية، واستخدام الأجواء العراقية لشن هجمات على دول الجوار.

إن تحول الأجواء العراقية إلى “مجال حرب” تحت سيطرة المقاتلات الإسرائيلية، مع رفض أمريكي لمنع هذه الاختراقات، ومنع استخدام المقاتلات العراقية للتصدي لها، يمثل إهانة للسيادة العراقية ويؤكد أن القرار العراقي ليس بيد العراقيين.

إن انهيار الجيش العراقي في الموصل عام 2014 وتركه للسلاح شكل درساً قاسياً للعراقيين. فمن وجهة نظر المقاومة، فإن الاعتماد على مؤسسات الدولة وحدها في مواجهة التهديدات الوجودية هو رهان خاسر، كما أثبتت التجربة.

تؤكد فصائل المقاومة أن سلاحها ليس سلاح فوضى أو اعتداء على المواطن، بل هو “سلاح مقدس منضبط”. إنه سلاح أخلاقي، لا يُستعمل إلا في إطار شرعي ومشروع، وضد عدو معلوم.

حذرت فصائل المقاومة من أن “التخوف الأكبر لا يتعلق بالمقاومة وسلاحها، بل بإمكانية تسييس الحشد الشعبي أو إدخاله في منظومة المحاصصة السياسية، الأمر الذي قد يؤثر على دوره ومكانته”.

في تطور لافت، أعلنت تنسيقية المقاومة العراقية، التي تضم ستة فصائل رئيسية هي عصائب أهل الحق، كتائب كربلاء، أنصار الله الأوفياء، كتائب حزب الله العراقي، حركة النجباء، وكتائب سيد الشهداء، رفضها الجماعي لتسليم السلاح في بيان موحد.

عدّت حركة النجباء الطروحات المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة بأنها “استهداف” لسلاح المقاومة والحشد الشعبي. وقال رئيس المجلس التنفيذي للحركة، الشيخ ناظم السعيدي، إن “عبارة ‘حصر السلاح بيد الدولة يُراد منها عملياً استهداف سلاح المقاومة والحشد الشعبي”.

جددت كتائب سيد الشهداء، بزعامة الشيخ كاظم الفرطوسي، رفضها القاطع لتسليم السلاح، مؤكدة أن السلاح “خط أحمر” لن يتم التخلي عنه طالما استمر الاحتلال والاعتداءات على السيادة العراقية.

في موقف مغاير، أعلن زعيم التيار الوطني الشيعي مقتدى الصدر، في مايو 2026، انفكاك “سرايا السلام” عن التيار والتحاقها بالدولة، مع تحويل تشكيلاتها المدنية إلى مؤسسات رسمية دون سلاح أو مقرات أو عناوين تنظيمية. وأكدت مصادر أن “سرايا السلام” أكملت تسليم سلاحها بنسبة 100%.

الفصيلالموقفالتفاصيل
تنسيقية المقاومة العراقيةرفض جماعيتضم 6 فصائل، أعلنت رفضها الموحد في بيان تاريخي
كتائب سيد الشهداءرفض قاطعالسلاح “خط أحمر”، يشترط خروج المحتل وضمانات بعدم الاعتداء
حركة النجباءرفض قاطعحصر السلاح “استهداف” للمقاومة والحشد
كتائب حزب الله العراقيترحيب مشروط/رفض ضمنيضمن التنسيقية الرافضة
سرايا اولياء الدمرفض مشروطمستعدة للتسليم بشرط ضمانات سيادية وإنهاء الاحتلال
أصحاب الكهفرفض مطلقرفض التسليم وهدد باستهداف إيلات
عصائب أهل الحقتسليمسلمت ملفاتها للجنة الحكومية
سرايا السلامتسليم كاملأكملت التسليم بنسبة 100%
كتائب الإمام عليتسليمسلمت ملفاتها للجنة الحكومية

في ضوء التصعيد الحالي، تبرز عدة سيناريوهات لمستقبل ملف حصر السلاح في العراق:

مقاربة وسطية تقوم على إدارة السلاح بدل تفكيكه، مع دمج جزئي لبعض الفصائل ضمن أطر رسمية، مع تقليص قدرتها على العمل كفاعل مستقل.

استمرار حالة “اللاحرب واللاسلم” مع بقاء الفصائل على سلاحها ضمن سقوف غير مكتوبة يحددها الردع المتبادل.

كسر قواعد الاشتباك نتيجة تصعيد إقليمي واسع، أو قرار حكومي بالمواجهة المباشرة مع الفصائل المسلحة. وقد يكون التصعيد الإقليمي نتيجة لاستمرار استخدام الأجواء العراقية كمنصة لضرب إيران، أو بسبب استمرار الوجود العسكري التركي في شمال العراق.

إن رفض فصائل المقاومة الإسلامية في العراق لتسليم سلاحها ليس موقفاً سياسياً عابراً، بل هو نتاج لتجربة تاريخية مريرة ومباشرة، تتلخص في ثلاثة أدلة لا يمكن تجاهلها:

أولاً: المقاومة هي من وقفت في وجه الاحتلال الأمريكي حين كان يقتل الأبرياء ويهدد وجود العراق.

ثانياً: المقاومة هي من أنقذت بغداد من سقوطها بيد “داعش” بعد أن انهار الجيش وترك سلاحه في الموصل.

ثالثاً: سيادة العراق اليوم منتهكة بشكل صارخ، بوجود أكثر من 80 قاعدة عسكرية تركية في شمال العراق، وقاعدتين إسرائيليتين سريتين في صحراء غرب العراق، واختراق شبه يومي للأجواء العراقية من قبل المقاتلات الإسرائيلية، برفض أمريكي لمنع هذه الاختراقات.

سلاح المقاومة، من منظور فصائلها، ليس مجرد أداة عسكرية، بل هو هوية وذاكرة وضمانة لعدم تكرار كوارث الماضي. وفي ظل استمرار الوجود الأجنبي والتهديدات الإرهابية وانتهاكات السيادة، ترى هذه الفصائل أن التخلي عن سلاحها يعني التخلي عن الضمانة الوحيدة لحماية العراق من المخاطر التي تهدده.

إن مستقبل هذا الملف سيظل مرهوناً بتقاطُع ثلاثة مسارات مترابطة: مسار داخلي يعالج اختلالات الدولة وبِنْيتها السياسية، ومسار إقليمي يخفف من تشابُك الساحات ومنطق الصراع بالوكالة، ومسار دولي يُعيد تعريف حدود الدور الأمريكي والتركي والإسرائيلي في العراق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

18 − ثمانية عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى